قصة حب حقيقية الجزء الثاني
همسات الماضي وصراخ المستقبل
بقلم ليلى الأحمد
في أروقة مستشفى الملك فيصل التخصصي، حيث تتداخل رائحة المطهرات مع عبق الأمل الخافت، كانت نور تجلس بجوار والدتها، تحمل في قلبها جبلًا من القلق على والدها. كل دقيقة تمر كانت أطول من سابقتها، وكل تأخير في ظهور الأطباء كان أشبه بقرصة إضافية من الألم. لم يعد الحديث عن مستقبلها مع خالد، ولا عن حفل الزفاف الذي كان قاب قوسين أو أدنى، يشغل بالها. كل ما كان مهمًا هو حياة والدها.
كان خالد بجانبها، حضورًا صامتًا ولكنه قوي. لم يتركها لحظة، يقدم لها الدعم والمساندة، يراقب بعينيه القلقتين حركة الأطباء والممرضين. كان يتحدث مع والده، الشيخ سالم، عبر الهاتف، محاولًا إقناعه بالقدوم إلى المستشفى، لكن الشيخ سالم كان يبدو مترددًا، مشغولًا بأمور أخرى، وكأن مصاب عائلة والد نور لم يكن كافيًا لدفع معارضته جانباً.
"يا أبي، إنها قضية إنسانية قبل كل شيء. الشيخ محمد في حالة حرجة." كان خالد يحاول بصوت هادئ لكنه مفعم بالإلحاح.
"وأنا مشغول يا خالد. هناك أمور تتطلب مني الحضور. سأتصل بك لاحقًا." كان صوت والده باردًا، خاليًا من أي تعاطف.
شعر خالد بخيبة أمل كبيرة. كان يأمل أن تكون هذه المحنة فرصة لجمع الشمل، أو على الأقل لتخفيف حدة الخلاف، لكن يبدو أن جدار الكبرياء والعناد كان أعلى وأكثر صلابة مما تخيل.
في زاوية أخرى من قاعة الانتظار، كانت السيدة ليلى، والدة خالد، تتحدث بهمس مع خالتها. كانت تعابير وجهها تدل على قلق عميق، ولكن أيضًا على شيء آخر، شيء أشبه بالحيرة والذهول. "لا أصدق ما سمعته. هل حقًا هذا ما حدث؟"
"نعم يا ليلى. المعلومات التي وصلتني دقيقة." أجابت خالتها بصوت منخفض.
بعد فترة، اقتربت السيدة ليلى من نور بخطوات مترددة. "يا ابنتي، قلبي معك. دعواتنا له بالشفاء العاجل."
"شكرًا لك يا خالتي." ردت نور بامتنان، ولكنها لاحظت نظرات خالتها إليها، نظرات تحمل سرًا ما.
بعد أن غادرت خالة السيدة ليلى، جلست بجوار نور. "نور، هل لي أن أسألك سؤالًا شخصيًا؟"
"تفضلي يا خالتي."
"هل أنتِ متأكدة... من كل شيء يتعلق بوالدك؟ أخباره، أعماله؟"
شعرت نور بالحيرة من سؤالها. "ماذا تقصدين يا خالتي؟ أبي رجل صالح، وتاجر معروف."
تنهدت السيدة ليلى بعمق. "أعلم أن هذا قد يبدو غريبًا، ولكن... كنت أسمع بعض الهمسات في الفترة الأخيرة. همسات عن ديون، عن مشاكل مالية لم يتمكن الشيخ محمد من حلها. حاولت أن أتجاهلها، لكن بعد سماع خبر الحادث، بدأ القلق يتملكني."
شعرت نور بأن كلام السيدة ليلى يزعزع ثباتها. ديون؟ مشاكل مالية؟ والدها لم يذكر شيئًا كهذا قط. لطالما كان والدها رجلًا كريمًا، ينفق بسخاء، ولا يبدو عليه أي عبء مالي. "لا أصدق هذا يا خالتي. أبي لم يخبرني بشيء من هذا القبيل."
"ربما لأنه لا يريد أن يقلقك، يا ابنتي. الرجال أحيانًا يخفون همومهم عن بناتهم."
كانت كلمات السيدة ليلى أشبه بالسم في عقل نور. بدأ الشك يتسلل إلى قلبها، الشك الذي لم يكن له مكان من قبل. هل كان هناك جانب مظلم في حياة والدها لا تعلم عنه شيئًا؟ هل كان هذا الحادث مجرد حادث، أم أن هناك قوى أخرى كانت تعمل في الخفاء؟
في تلك الأثناء، خرج الطبيب المعالج مرة أخرى، ولكن هذه المرة، بدا على وجهه شيء من الارتياح. "السيد محمد استقر حاله. تجاوز مرحلة الخطر المباشر. سننقله إلى غرفة خاصة قريبًا."
كان خبرًا سارًا، بارقة أمل في سماء القلق. شعرت نور براحة كبيرة، لكن كلمات السيدة ليلى ظلت تتردد في أذنها.
بعد أن تم نقل والدها إلى غرفته، قررت نور أن تذهب إلى مكتب والدها في شركته، ربما لتطمئن على بعض الأمور، ولتجد تفسيرًا لما سمعته. رافقها خالد، فقد أصر على ذلك.
وجدوا المكتب في حالة ترتيب جيد، لكن عندما بدأوا في البحث، وجدوا بعض الأوراق والملفات التي بدت غير عادية. كانت هناك فواتير ضخمة، إيصالات ديون، وعقود تبدو معقدة. بدأ القلب يخفق بقوة في صدر نور. كانت هذه الأوراق دليلًا صامتًا على وجود مشكلة حقيقية.
"يا نور، انظري إلى هذا." قال خالد مشيرًا إلى ورقة معينة. "هذا عقد قرض بمبلغ ضخم جدًا، يبدو أنه لم يتم سداده بالكامل."
شعر خالد بالحيرة. لقد كان يعرف والد نور كشخص ناجح ومستقر ماليًا. كيف يمكن أن يكون قد تورط في مثل هذه الديون؟
"هناك شيء لا أفهمه يا خالد." قالت نور بصوت متقطع. "أبي لم يكن أبدًا رجلًا يغرق في الديون. لطالما كان حريصًا على أمواله، وعلى سمعته."
بدأت نور تتذكر بعض الأشياء التي لم تكن تعطيها أهمية في السابق. حديث والدها المقتضب عن "بعض التحديات"، لقاءاته المتأخرة مع بعض الأشخاص الذين لم تعرفهم، حتى طريقة حديثه الأخيرة التي كانت تحمل نوعًا من الإرهاق.
"ربما كان يحاول حمايتك، نور." قال خالد، محاولًا تهدئتها. "ربما كان لديه سبب وجيه للقيام بذلك."
"لكن لماذا لم يخبرني؟" سألت نور، وعيناها مليئتان بالدموع. "لماذا تركني أعيش في وهم؟"
في تلك اللحظة، شعر خالد بأن الصراع بينه وبين والده قد أصبح أكبر بكثير من مجرد خلاف شخصي. كان يتعلق بشرف عائلته، وبسمعته، وبحياة والد نور. كان يعلم أن والدته، السيدة ليلى، ربما كانت تعرف أكثر مما تظهر. كانت همساتها، وقلقها، كلها تشير إلى وجود قصة أعمق.
"علينا أن نتحدث إلى والدتي، نور." قال خالد بجدية. "أخشى أن يكون هناك من يحاول استغلال هذا الوضع، أو أن هناك سرًا أكبر يتعلق بهذه الديون."
نظرت نور إلى خالد، ثم إلى الأوراق المبعثرة على المكتب. شعرت بأنها تقف على حافة هاوية، لا تعرف ما تخبئه لها الأيام القادمة. لقد كشفت غيمة الأزمة عن بعض الحقائق المزعجة، لكنها بدأت تشعر بأن هناك المزيد من الحقائق المظلمة التي تنتظر الظهور، حقائق قد تغير مجرى حياتها إلى الأبد.