قصة حب حقيقية الجزء الثاني
ضبابٌ كثيفٌ فوقَ قصرِ الماضي
بقلم ليلى الأحمد
كانَ مقهى "الفيحاء" يقعُ في زاويةٍ هادئةٍ من المدينةِ القديمةِ، يلفُّهُ عبقُ القهوةِ والهيلِ، وتُعانقُ جدرانَهُ الباهتةَ قصصُ السنينَ. الطاولاتُ الخشبيةُ القديمةُ، والكراسيُّ الجلديةُ المريحةُ، والأضواءُ الخافتةُ، كلها كانت تُضفي عليهِ جوًا منَ الرصانةِ والغموضِ. اختارتْ ليلى طاولةً في ركنٍ بعيدٍ، حيثُ يمكنُ أنْ تُراقِبَ المدخلَ دونَ أنْ تلفتَ الانتباهَ.
جلستْ، وارتشفَتْ من فنجانِ الماءِ الذي قُدِّمَ لها. كانت عيناها تتنقلانِ بينَ الوجوهِ القليلةِ التي كانتْ بالمقهى، تبحثُ عن ملامحِ خالدٍ. لمْ يكنْ لديها صورةٌ واضحةٌ لهُ، سوى تلكَ التي تتذكرُها من لقاءاتٍ عابرةٍ في مناسباتٍ عائليةٍ. كانَ شابًا نحيلَ القامةِ، متوسطَ الطولِ، ذا ملامحَ هادئةٍ، ولمْ تكنْ تذكرُ لونَ عينيهِ جيدًا.
مرَّتْ دقائقُ بدتْ وكأنها ساعاتٌ. شعرَتْ ببعضِ التوترِ يتسللُ إلى أوصالِها. هلْ كانَ مبالغًا في خوفِهِ؟ أمْ أنَّ الأمرَ جدّيٌ فعلاً؟ فكرتْ بوالدِها، رجلِ الأعمالِ الناجحِ، الذي كانَ دائمًا مصدرَ فخرِها وأمانِها. هلْ يمكنُ أنْ يكونَ في خطرٍ؟
فجأةً، شعرتْ بأنَّ الظلَّ الذي كانَ يقفُ عندَ المدخلِ قدْ اقتربَ. رفعتْ بصرَها، لتجدَ شابًا يقفُ أمامَ طاولتِها. كانَ هو. خالدٌ.
لمْ يكنْ يبدو كما كانتْ تتذكرُهُ. كانتْ عيناهُ، اللتانِ بدتا الآنَ داكنتينِ كليلةٍ بلا قمرٍ، تحملانِ شيئًا منَ الإرهاقِ والترقُّبِ. كانَ وجهُهُ شاحبًا، وعلاماتُ القلقِ محفورةً على جبينِهِ. اقتربَ وجلسَ على الكرسيِّ المقابلِ لها، دونَ استئذانٍ.
"أهلاً بكِ يا ليلى. شكرًا لمجيئِكِ." قالَ بصوتٍ خفيضٍ، بدا متعبًا.
"أهلاً بكَ. ولكنْ، ما الذي يحدثُ؟ لمْ أفهمْ شيئًا منْ اتصالِكَ. هلْ الأمرُ يتعلقُ بوالدي حقًا؟"
تنهدَ خالدٌ بعمقٍ، ثمَّ نظرَ حولَهُ للتأكدِ منْ عدمِ وجودِ أحدٍ يستمعُ. "نعم. الأمرُ يتعلقُ بوالدِكِ، وهوَ خطيرٌ جدًا. لقدْ وصلتني معلومةٌ مؤكدةٌ بأنَّ هناكَ منْ يخططُ لشيءٍ ما ضدَّهُ. شيءٌ كبيرٌ."
"ماذا يعني 'شيءٌ كبيرٌ'؟ هلْ هوَ عملٌ تجاريٌّ؟ هلْ هناكَ منافسونَ؟"
"لا، ليسَ مجردَ منافسةٍ. يبدو أنَّ الأمرَ أعمقُ منْ ذلكَ. هناكَ أشخاصٌ لديهمْ دافعٌ قويٌّ لإيذائهِ، ولإلحاقِ الضررِ بسمعتِهِ، وربما أبعدُ منْ ذلكَ."
"ولكنْ، منْ هؤلاءِ الأشخاصِ؟ وكيفَ عرفتَ أنتَ بالأمرِ؟" سألت ليلى، وشعرتْ بالبردِ يتسللُ إلى عظامِها.
"المعلوماتُ جاءتني منْ مصدرٍ موثوقٍ جدًا، ولكنهُ لا يريدُ الكشفَ عنْ نفسِهِ. لا يمكنني أنْ أقولَ لكَ اسمهُ، لكنْ صدقني، هوَ شخصٌ يعرفُ خفايا الأمورِ. أما عنْ هويةِ المخططينَ، فما زلتُ أجمعُ الخيوطَ. لكنَّ المؤشراتِ تدلُّ على أنَّ الأمرَ ليسَ مجردَ عملٍ تقليديٍّ، بلْ قدْ يكونُ لهُ علاقةٌ بأمورٍ أشدُّ تعقيدًا."
"أمورٌ أشدُّ تعقيدًا؟ ماذا تقصدُ؟"
"لا أريدُ أنْ أخيفَكِ يا ليلى، لكنَّ التحذيراتِ تشيرُ إلى احتماليةِ تلفيقِ قضايا لهُ، أوْ حتى توريطِهِ في أمورٍ غيرَ أخلاقيةٍ وغيرَ قانونيةٍ. الهدفُ هوَ تدميرُهُ بالكاملِ."
شعرتْ ليلى بأنَّ الأرضَ تميدُ بها. والدُها، رجلُ الأخلاقِ العاليةِ، والنزاهةِ، هلْ يمكنُ أنْ يتمَّ توريطُهُ في قضايا كهذهِ؟ "هذا مستحيلٌ! والدي لمْ يفعلْ شيئًا خاطئًا طوالَ حياتِهِ. هوَ بريءٌ."
"وأنا أصدقُ ذلكَ. لهذا السببِ أنا هنا. لمْ أستطعْ أنْ أظلَّ ساكتًا. لمْ يكنْ لديَّ خيارٌ سوى أنْ أخبرَكِ، لأنَّكِ الأقربُ إليهِ، ولأنَّكِ ستعرفينَ كيفَ تتصرفينَ."
"ولكنْ، ماذا نفعلُ؟ كيفَ نحمي والدي؟"
"هذا ما علينا التفكيرُ فيهِ. يجبُ أنْ نبدأَ بجمعِ أيِّ دليلٍ يمكنُ أنْ يُساعِدَ في إثباتِ براءتهِ، أوْ في كشفِ المخططينَ. يجبُ أنْ نكونَ حذرينَ للغايةِ. أيُّ خطأٍ قدْ يُفسدُ كلَّ شيءٍ."
"وهلْ تتوقعُ أنْ يكونَ لدى والدي أيُّ أعداءٍ يستطيعونَ فعلَ ذلكَ؟"
"في عالمِ الأعمالِ، يا ليلى، الأعداءُ لا يكونونَ دائمًا واضحينَ. قدْ يكونونَ أشخاصًا يعرفُهُمْ، أوْ قدْ يكونونَ أشخاصًا لمْ يلتقِ بهمْ قطُّ، لكنْ لديهمْ مصلحةٌ في سقوطه. المعلوماتُ التي وصلتني كانتْ غامضةً بعضَ الشيءِ، لكنَّها كانتْ كافيةً لإثارةِ قلقي الشديدِ."
صمتَ خالدٌ للحظةٍ، ثمَّ أضافَ بصوتٍ أكثرَ هدوءًا، ولكنهُ كانَ يحملُ رجاءً: "أعلمُ أنَّ هذا قدْ يكونُ مفاجئًا وغيرَ مريحٍ بالنسبةِ لكِ. لمْ يكنْ هذا اللقاءُ ضمنَ خططي. ولكنْ، أنا على استعدادٍ لتقديمِ كلِّ المساعدةِ التي أستطيعُها. لقدْ كنتُ أتابعُ أعمالَ والدِكِ، وأحترمُهُ كثيرًا. وأرى فيكِ أيضًا شريكةً يمكنُ الاعتمادُ عليها."
نظرتْ ليلى إلى خالدٍ، محاولةً أنْ تفهمَ دوافعَهُ. هلْ كانَ يقولُ هذا خوفًا على سمعةِ عائلتِهِ التي كانتْ تخطبُ عائلتَها؟ أمْ أنَّ هناكَ شيئًا أعمقُ؟ كانتْ تشعرُ ببعضِ الريبةِ، ولكنَّ خوفَها على والدِها كانَ أكبرَ.
"ما هوَ أولُ شيءٍ يجبُ أنْ نفعلَهُ؟" سألتْ، وعيناها تلمعانِ بعزيمةٍ جديدةٍ.
"يجبُ أنْ نطلبَ منْ والدِكِ الحذرَ الشديدَ. أنْ يراجعَ كلَّ تعاملاتِهِ الأخيرةِ. وأنْ لا يثقَ بأحدٍ بسهولةٍ. وأنْ نحتفظَ نحنُ بهذا التحذيرِ سرًّا بيننا وبينَ والدتِكِ، إذا كنتِ ترغبينَ في إخبارِها. أيُّ تسريبٍ للمعلوماتِ قدْ يُنبهُ المخططينَ."
"سأخبرُ أمي. هيَ حكيمةٌ وتعرفُ كيفَ تحتفظُ بالأسرارِ. ولكنْ، هلْ أنتَ متأكدٌ منْ أنَّ هذهِ المعلوماتِ صحيحةٌ؟"
"إذا لمْ أكنْ متأكدًا بنسبةٍ تسعينَ بالمئةِ، لما اتصلتُ بكِ بهذهِ الطريقةِ. هناكَ تفاصيلٌ دقيقةٌ سمعتُها، لا يمكنُ لشخصٍ عاديٍّ أنْ يعرفَ بها. هذا يجعلُني أثقُ بمصدرِ المعلوماتِ."
"طيب. إذنْ، سأذهبُ الآنَ لأخبرَ أمي. ولكنْ، كيفَ سنتواصلُ؟"
"سأتصلُ بكِ غدًا في نفسِ الوقتِ تقريبًا، أوْ في وقتٍ مناسبٍ لكِ. وسنُحددُ خطواتِنا التاليةَ. تذكري يا ليلى، يجبُ أنْ نتصرفَ بهدوءٍ وحذرٍ. المعركةُ ليستْ سهلةً."
وقفتْ ليلى، وشعرتْ بأنَّ ثقلَ العالمِ أصبحَ على كتفيها. نظرتْ إلى خالدٍ، الذي كانَ ما زالَ جالسًا، ينظرُ إليها بعينينِ تحملانِ مزيجًا منَ الجديةِ والترقُّبِ.
"سأكونُ في انتظارِ اتصالِكَ." قالتْ، ثمَّ انصرفتْ، تاركةً خالدًا وحيدًا في المقهى، يتأملُ في الظلامِ الذي بدأَ يتجمعُ حولَهم.