روحي تعشقك الجزء الثالث

رياح الأمس وعبق الزهور

بقلم سارة العمري

كانت الشمس قد بدأت في الانسحاب ببطء من على صفحة السماء، تاركةً خلفها ألوانًا برتقالية ووردية تزين الأفق كوشاحٍ عتيقٍ ترتديه جدةٌ حانية. في باحة قصر آل الفهيم، حيث تتراقص أشجار النخيل على أنغام النسيم العليل، كانت "ليلى" تقف، تستنشق عبق الياسمين الذي تعبق به الأرجاء. لم تكن مجرد واقفة، بل كانت في حالة تأملٍ عميق، ترقبُ حركة الموكب القادم من بعيد، كأنما تنتظر بشارةً أو نبوءة.

كانت تحمل في يدها مزهريةً خزفيةً عتيقة، مزينةً بزخارف ذهبيةٍ باهتة، وفيها غصنُ وردٍ أحمرَ قاني، اختارتْه بعنايةٍ فائقةٍ من بستان جدتها. يداها الرقيقتان، اللتان اعتادتا أن تخطّا أجمل الرسومات على الأقمشة، وأن تعزفا على أوتار العود بأصابعَ موشومةٍ بحبرِ الأحلام، كانتا الآن تضمان المزهريةَ بخفةٍ واحترام. عيناها الواسعتان، بلونِ الليلِ الصافي، كانتا تحملان بريقًا من ترقبٍ ممزوجٍ بخوفٍ لطيف، ذلك الخوف الذي ينتابُ المرءَ حين يقفُ على أعتابِ مرحلةٍ جديدة، لا يعلمُ ما يخبئُ لها القدر.

"ليلى"، ابنةُ الشيخِ "أحمد الفهيم"، الذي كان صرحًا من صروحِ العلمِ والأدبِ في منطقتهم، ورثَتْ منهُ حبَّ الشعرِ والكتابة، وروحَ الدعابةِ والمرح. لكنها كانت في جوهرها فتاةً رقيقةً، حالمةً، تمتلكُ قلبًا كبيرًا يتسعُ لكلِّ ذرةِ حبٍ في الكون، لكنها كانت تخشى دومًا أن يطأهُ أحدٌ بقدمٍ لا تعرفُ كيف تحتضنه.

الملابسُ التي ارتدتها اليوم، كانت بسيطةً لكنها أنيقة، ثوبٌ فضفاضٌ بلونِ الزمردِ الأخضر، مطرزٌ بخيوطٍ فضيةٍ على الأكمامِ وطرفِ الياقة، وقد انسدلَ شعرُها الأسودُ الفاحمُ على كتفيها، كشلالٍ مظلمٍ يداعبهُ النسيم. كانت تجاهدُ كي لا تبدوَ مهتمةً بالجموعِ التي بدأت تتوافد، أو بالسياراتِ الفارهةِ التي بدأت تصطفُ بجوارِ القصر. كانت تعرفُ أن هذا اليومَ ليسَ يومًا عاديًا. إنهُ يومُ وصولِ "فهد"، ابنُ عمها، القادمُ من الخارجِ بعدَ سنواتٍ من الغياب.

صوتُ جدتها، السيدة "فاطمة"، قاطعَ صمتَها العميق. "يا ابنتي، هل أنتِ مستعدةٌ للقاء؟"

استدارتْ "ليلى" نحوها، وهي تبتسمُ ابتسامةً خجولة. "الحمدُ لله يا جدتي، قلبي يخفقُ ولكنهُ مطمئنٌ بوجودكم."

تقدمتْ السيدة "فاطمة"، امرأةٌ وقورةٌ، ترتدي حجابًا أبيضَ ناصعًا، وتُشعُ منها هيبةٌ ورزانة. "فهدٌ رجلٌ طيبٌ، ونشأَ على ديننا وأخلاقنا. لقد تعبنا من الانتظار، وأتمنى أن تكونَ هذهِ الخطوةُ فاتحةَ خيرٍ لنا جميعًا."

تنهدتْ "ليلى" بصوتٍ مسموع. لم تكنْ قضيةَ فهدٍ بحدِّ ذاتهِ، بل كانت قضيةَ فكرةِ الزواجِ التي بدأتْ تلوحُ في الأفقِ بقوة. لطالما سمعتْ عن "فهد" كشخصٍ ناجحٍ، ذكيٍ، لكنها لم تلتقِ بهِ قط. كانتَ قصصُه تُروى لها كأساطيرَ، رجلٌ غادرَ البلادَ طالبًا للعلمِ والثراء، وعدَ بالعودةِ ليُكمِلَ مسيرتَهُ، وأن يكونَ خيرَ سندٍ لعائلته.

فجأةً، علتْ أصواتُ التكبيرِ والتهليل. انتبهتْ "ليلى" نحو الطريقِ الرئيسي. كانتْ سيارةٌ سوداءُ فارهةٌ، تتبعها سياراتٌ أخرى، تقتربُ ببطء. تصدرتْ القافلةَ سيارةُ الشيخِ "عبد الرحمن"، والدِ "فهد"، وهو عمُ "ليلى" الأكبر، ورجلٌ ذو نفوذٍ واحترام.

نبضُ قلبِ "ليلى" تسارعَ. شعرتْ برغبةٍ جامحةٍ في الاختباء، أو في الفرارِ إلى غرفتها، لكنها تماسكت. رفعتْ رأسها، وهمستْ بكلماتٍ من القرآنِ في سرها، مستعينةً بقوةِ الإيمانِ لتخففَ من وطأةِ الخجلِ والترقب.

بدأتْ الأبوابُ تُفتح، وخرجَ الرجالُ، منهم من ارتدى الثيابَ التقليديةَ البيضاءَ، ومنهم من ارتدى البدلاتِ الرسمية. ثم ظهرَ "فهد".

كانَ طويلاً، قويَّ البنية، بملامحَ حادةٍ وجذابة. شعرهُ داكنٌ، وعيناهُ تبدوانِ كالسهامِ النافذة. كانَ يرتدي بذلةً سوداءَ أنيقة، تبرزُ قوامَهُ الرياضي. بدا كأنهُ خرجَ للتوِّ من إحدى المجلاتِ العالمية. حينَ رفعَ وجههُ، والتقى ببصرِ "ليلى" للحظةٍ خاطفة، شعرتْ الأرضُ تدورُ بها. كانتْ هناكَ قوةٌ خفيةٌ تسري بينهما، همسةٌ غيرُ مرئيةٍ في الهواء.

بدا "فهد" واثقًا من نفسهِ، يتحدثُ مع والدهِ بلهجةٍ هادئة، ثم استقبلَ عمَّهُ الشيخَ "أحمد" بترحيبٍ حار. تبعتْهُما "ليلى" وجدتها، ومعهم بقيةُ أفرادِ العائلة.

عندما دخلوا القاعةَ الرئيسيةَ للقصر، التي زينتْ بأنواعِ الزهورِ الطبيعية، وبخيوطِ الإضاءةِ الذهبية، كانَ جوٌّ من البهجةِ والترحابِ يسودُ المكان. قدمتْ "ليلى" المزهريةَ لجدتها، ثم تراجعتْ قليلًا، تحاولُ أن تختبئَ خلفَ ستارةٍ فاخرةٍ، كأنها فراشةٌ تخشى أن تُفسدَ جمالَ الوردِ الذي تحمله.

جلستْ النسوةُ في ناحيةٍ، وتحدثنَّ بصوتٍ خفيضٍ عن أخبارِ السفرِ والغربة، وعن خططِ المستقبل. كانتْ "ليلى" تستمعُ، لكنَّ عقلها كانَ مشغولاً بصورةِ "فهد". ملامحُهُ، وقفتُهُ، طريقةُ كلامهِ. شعرتْ بأنها تعرفُهُ، أو أنَّ هناكَ شيئًا مشتركًا يربطُهما.

"ليلى"، نادتْها السيدة "فاطمة" بصوتٍ هادئ. "تعالي، سلمي على عمكِ وعلى فهد."

احمرَّ وجهُ "ليلى" قليلاً، لكنها نهضتْ، وبخطواتٍ مترددة، اقتربتْ من الرجال. حينَ وقفتْ أمامَ "فهد"، شعرَتْ بنفسِ الإحساسِ الذي شعرتْ بهِ في الباحة. ابتسمَ لها "فهد" ابتسامةً خفيفة، بدتْ كأنها تحملُ الكثيرَ من المعاني.

"أهلاً بكِ يا ابنةَ عمي،" قالَ بصوتٍ عميقٍ ورخيم. "لقد سمعتُ الكثيرَ عنكِ، وعن جمالِ روحكِ."

شعرتْ "ليلى" بالارتباكِ الشديد، لكنها استطاعتْ أن تردَّ بصوتٍ متقطع: "شكرًا لكَ يا ابنَ عمي. أهلًا بكَ في داركَ."

تبادلا نظراتٍ سريعة، لم يخلُ منها شيءٌ من الغموضِ والأسرار. كانتْ تلكَ اللحظةُ كبذرةٍ زُرعتْ في أرضِ القلب، لم تعلمْ "ليلى" بعدُ ما إذا كانتْ ستنبتُ وردةً أم شوكة.

لم تمرْ ساعاتٌ طويلةٌ حتى حانَ وقتُ الغداء. اجتمعتِ العائلةُ حولَ مائدةٍ امتلأتْ بأشهى المأكولاتِ العربية، ورائحةُ البخورِ تفوحُ في الأرجاء. كانَ "فهد" جالسًا على رأسِ المائدة، يتحدثُ بصوتٍ جهوريٍّ، ويُبدي اهتمامًا بالجميع.

في لحظةٍ ما، سألَ الشيخَ "أحمد": "يا أبي، هل تذكرُ قصةَ جدتي عندما أهدتْكِ تلكَ القلادةَ الفضيةَ في يومِ زفافِك؟"

ابتسمَ الشيخُ "أحمد" بحنان. "كيفَ أنسى؟ كانتْ أجملَ هديةٍ استلمتُها في حياتي. لقد كانتْ تحملُ معها دعواتٍ صادقةً من أمي."

التفتَ "فهد" نحو "ليلى" بنظرةٍ سريعة. "أظنُّ أنَّ ليلىَ تمتلكُ شيئًا مشابهًا لروحِ جدتي. إنها تهتمُ بالتفاصيل، وتُقدّرُ الأشياءَ الجميلةَ ذاتَ المعنى."

شعرتْ "ليلى" بحرارةٍ تتسللُ إلى وجنتيها. كانتْ تلكَ الكلماتُ كأنها رسالةٌ خاصةٌ موجهةٌ إليها. ثم، بينما كانتْ تتناولُ طعامها، وقعَ بصرُها على يدِ "فهد" وهي تمسكُ بالشوكة. لاحظتْ وشمًا صغيرًا، على شكلِ زهرةِ اللوتس، على إصبعِهِ الخنصر. كانتْ هذهِ الزهرةُ هي نفسها التي تحبُّ "ليلى" أن ترسمَها على أقمشتها، وكانتْ رمزًا خاصًا جدًا بالنسبةِ لها.

توقفَ طعامُها للحظة. هل هوَ مجردُ تشابهٍ؟ أم أنَّ هناكَ خيطًا رفيعًا يربطُ بينهما لم تدركْه بعد؟

كانتْ تلكَ مجردُ بداية. رياحُ الأمسِ حملتْ معها عبقَ الزهور، ووعدًا بغدٍ لم يكنْ معروفًا ما إذا كانَ سعيدًا أم مليئًا بالتحديات. لكنَّ قلبَ "ليلى" بدأَ يشعرُ بشيءٍ غريب، شيءٌ لم تعشْهُ من قبل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%