روحي تعشقك الجزء الثالث
أشباحُ الماضي تُنازعُ الحاضر
بقلم سارة العمري
تزايدت وتيرة القلق في نفس "بدر" مع كل يومٍ يمر. اكتشافاته حول "فهد" كانت تثير فيه مزيجاً من الغضب الشديد والأسى العميق. لم يعد الأمر مجرد خلافٍ شخصي، بل أصبح صراعاً ضد الظلم والفساد الذي يمثله "فهد". كانت الصور التي سمعها من "سعيد" وعن طريق شبكته، عن قضايا الاختفاء، وعن الابتزاز، وعن التلاعب بالقوانين، ترتسم في ذهنه كلوحاتٍ سوداء، تنذر بوجود شرٍ دفين.
لم يستطع "بدر" التخلي عن فكرة حماية "نور". لقد رأى في عينيها ضعفاً، لكنه رأى أيضاً قوةً كامنة، روحاً نقيةً لم تفسدها تجاربها المريرة. أراد أن يمنحها فرصةً للحياة التي تستحقها، حياةٌ خاليةٌ من الخوف والابتزاز.
استمر "بدر" في جمع الأدلة، بالتعاون مع "سعيد". لقد تمكنوا من التواصل مع بعض الأشخاص الذين تعرضوا لأذى "فهد"، وكانوا مترددين في البداية، خوفاً من الانتقام. لكن "بدر" كان يقنعهم، موضحاً لهم أن الاتحاد قوة، وأن الحقيقة يجب أن تظهر.
"انظروا،" كان يقول لهم "نحن لا نمتلك القوة وحدنا، لكن إذا اتحدنا، فإن أصواتنا ستكون أقوى. "فهد" يعيش على خوف الآخرين، ولكن عندما يواجههم بالحق، فإن قوته تتلاشى."
بدأ هؤلاء الأشخاص، الذين كانوا أشباحاً في الماضي، يخرجون من عتمة الخوف. بدأوا يكشفون عن تجاربهم، عن الأضرار التي لحقت بهم وبأسرهم. كانت هناك قصصٌ مؤثرة عن شركاتٍ دمرت، وعن عائلاتٍ شردت، وعن سمعةٍ لطخت.
في هذه الأثناء، كانت "نور" تحاول العودة إلى روتينها اليومي. بدأت بالمشاركة في بعض الأنشطة التطوعية في دار للأيتام. وجدت في مساعدة هؤلاء الأطفال شعوراً بالهدف، وشعوراً بأنها تستطيع أن تقدم شيئاً إيجابياً للعالم. في كل مرةٍ ترى فيها ابتسامة طفلٍ بريء، تشعر بأن جزءاً من روحها يعود إليها.
لكن رغم ذلك، لم تفارقها الهمسات. كانت تشعر أحياناً بأن هناك من يراقبها. لم تكن متأكدةً إن كان هذا مجرد تخيلٍ ناتجٍ عن الخوف، أم أن "فهد" لم يتخل عنها حقاً.
في إحدى أمسياتها في دار الأيتام، وبينما كانت تساعد الأطفال في الرسم، لمحت "بدر" يقف عند البوابة، ينظر إليها. لم يكن يبدو قوياً أو متحمساً كما كان في السابق. كانت عيناه تحملان قلقاً عميقاً، وكأنما يحمل عبء العالم كله.
عندما انتهت "نور" من عملها، خرجت للقائه.
"هل أنتِ بخير؟" سأل "بدر" فور رؤيتها، وقد بدا على صوته بعض اللهفة.
"نعم، أنا بخير. ماذا عنك؟" أجابت "نور"، وشعرت ببعض الارتباك. "لقد بدوتَ قلقاً."
"هناك أمورٌ تحدث." قال "بدر" بجدية. "لقد تمكنتُ من جمع بعض المعلومات عن "فهد". إنه شخصٌ خطيرٌ جداً، وأخشى أن يستمر في إيذائكِ."
"ماذا تقصد؟" سألت "نور"، وقد بدأت تشعر بخفقانٍ سريع في قلبها.
"لقد اكتشفتُ أنه كان له علاقاتٌ مشبوهةٌ جداً في الماضي. هناك قضايا اختفاء، وابتزاز، وأعمالٌ إجرامية." قال "بدر"، وبدا كأنما يكره كل كلمةٍ تخرج من فمه. "لقد اكتشفتُ أن "فهد" كان يطاردكِ ليس لأنه يحبكِ، بل لأنه لديه أسبابٌ أخرى، تتعلق بماضيكِ، أو بماضي عائلتكِ."
صدمت "نور" من كلام "بدر". "ماذا؟ ما علاقة ماضي بعائلتي؟"
"هذا ما أحاول فهمه. يبدو أن "فهد" كان يسعى خلف شيءٍ معين، وكان يعتقد أنكِ مفتاحٌ للحصول عليه. لقد اكتشفتُ أن "فهد" لديه تاريخٌ طويلٌ في التلاعب بالناس، واستغلال نقاط ضعفهم."
"لكني لا أفهم، ما الذي يريده "فهد" مني؟" سألت "نور"، وقد بدأت تشعر بالدوار.
"هذا ما نحاول معرفته. لكن الأهم الآن هو أن نكون مستعدين. يبدو أن "فهد" بدأ يفقد صبره، وهو مستعدٌ لاستخدام أقصى الوسائل."
ازدادت مخاوف "نور" مع كل كلمةٍ يسمعها. لقد كانت تتمنى لو أنها لم تنجرف في هذا الوهم. كانت تشعر بأنها أصبحت هدفاً، وأن حياتها في خطر.
"ماذا سنفعل؟" سألت "نور" بصوتٍ يرتعش.
"سنستمر في جمع الأدلة. وسنحاول إقناع المزيد من الأشخاص بالشهادة. وفي الوقت نفسه، يجب أن تكوني حذرةً جداً. ابتعدي عن الأماكن المشبوهة، ولا تثقي بأي شخصٍ غريب."
"وهل "فهد" يعرف أنني عدتُ إلى عائلتي؟"
"نعم، أعتقد ذلك. لقد رأينا بعض رجاله يراقبون منزلكِ. لم أستطع منعهم تماماً، لكنني حاولتُ تضليلهم قدر الإمكان."
شعرت "نور" بأنها محاصرة. كانت تتمنى لو أن لديها قوةً، أو سلاحاً، أو أي شيءٍ يمكنها استخدامه للدفاع عن نفسها. لكنها لم تكن سوى فتاةٍ عادية، وقعت ضحيةً لرجلٍ لا يرحم.
في تلك الليلة، لم تستطع "نور" النوم. ظلت تتأمل كلماتها "بدر"، وتتساءل عن الأسباب الحقيقية التي تجعل "فهد" يصر على ملاحقتها. هل كان الأمر يتعلق بماضيها، أم بماضي عائلتها؟ لم تكن تعرف. كل ما كانت تعرفه هو أنها في خطر، وأن أشباح الماضي بدأت تظهر، لتنازع حاضرها.