روحي تعشقك الجزء الثالث
لقاء العتب والاعتراف
بقلم سارة العمري
دلف أحمد إلى المقهى، وقلبه يخفق بتوتر غير مألوف. لم يكن ينتظر نورة وحدها، بل كان ينتظر لقاءً سيكون نقطة تحول، ليس فقط في علاقته بها، بل في فهمه لذاته ولعائلته. أمسك بعلبة الخاتم المخبأة في جيب سترته، وشعر بوزنها الذي لا يقاس. كان هذا الخاتم رمزًا لوعد، ووعدًا لمستقبل كان يحلم به معها.
لم يمضِ وقت طويل حتى لمح نورة تدخل. كانت ترتدي وشاحًا بلون السماء الهادئ، وعيناها تبدوان أثقل من العادة. تقدم منها بخطوات مترددة، وهو يشعر وكأن كل خطوة تبعده عن نفسه القديمة.
"نورة." نطق اسمها بصوت مهتز. رفعت نورة بصرها إليه. كانت هناك نظرة في عينيها لم يستطع تفسيرها. مزيج من الحزن، والفضول، وربما شيء من الغضب المكبوح.
"أحمد." ردت بصوت خافت، حاولت فيه أن تبدو ثابتة.
جلسا على طاولة جانبية، بعيدًا عن الأنظار. ساد الصمت لبرهة، صمت ثقيل، يتخلله صوت فنجان قهوة يرتطم بـ"صحنه"، وهمسات زبائن آخرين.
"أشكرك على قدومك." بدأ أحمد، محاولًا أن يبدو هادئًا. "أعلم أنني أثقلت عليك بطلبي هذا." "لا عليك." قالت نورة، وهي تتجنب النظر إليه مباشرة. "أردت أن أفهم."
"أفهم." كرر أحمد، وشعر بأن الكلمة ثقيلة على لسانه. "أفهم توترك، وأفهم حيرتك. ولكنني وعدت نفسي أن أكون صادقًا معك، بكل ما أملك من صدق."
أخذ نفسًا عميقًا. "أتذكرين حديثنا الأخير؟ عن خطئي؟ عن تلك الليلة التي… تركتك فيها وحيدة، مليئة بالأسئلة؟" أومأت نورة برأسها ببطء.
"لقد كنت قاسيًا. قاسيًا جدًا. لم أمنحكِ حقكِ في الفهم، ولم أمنح نفسي الفرصة لشرح ما كان يحدث." قال أحمد، وعيناه بدأت تلمعان. "الأمر لم يكن يتعلق بكِ وحدكِ، بل كان يتعلق بضغوط عائلية، بمسؤوليات لم أكن مستعدًا لها."
"مسؤوليات؟" كررت نورة، وشعرت بنبرة استفهام في صوتها.
"نعم. مسؤوليات عائلية. والدتي، كانت مريضة جدًا في تلك الفترة. كانت تحتاج لرعاية خاصة. وكان والدي، رحمه الله، يحتاج لمن يكون بجانبه. والوضع المالي للعائلة، كان يمر بـ… صعوبات. كل هذا جعلني أشعر بأنني محاصر، بأنني لا أستطيع أن أمنحكِ ما تستحقين، بل ما وعدتكِ به."
كانت نورة تستمع بصمت، تحاول أن تجمع خيوط القصة. كانت تتفهم فكرة المسؤوليات، ولكنها لم تستطع أن تقبل أن تكون هذه المسئوليات سببًا في التخلي عنها، أو في إيلامها بهذا الشكل.
"ولكنك لم تتحدث. لم تبين لي أيًا من هذا." قالت نورة، وشعرت بنبرة اللوم تتسرب إلى صوتها. "تركتني أتعذب، وأتساءل. هل كنت تعتقد أن هذا هو الحل؟"
"كنت مخطئًا. أعترف بخطئي." قال أحمد، ونبرة الاعتذار واضحة في صوته. "كنت شابًا، وكنت خائفًا. خائفًا من الفشل، خائفًا من تحمل هذه المسؤوليات الكبيرة. اعتقدت، بسذاجة، أنني إذا ابتعدت، سأحمي نفسي، وسأحمي أحلامي."
"ولكنك جرحتني." قالت نورة، وعيناها تلتمعان بالدموع. "جرحت قلبي، وجرحت ثقتي."
"أعلم." قال أحمد، وشعر بوخزة ألم تخترق قلبه. "وأنا هنا اليوم لأعتذر. لاعتذر بصدق، وبكل ما في قلبي. ولأقدم لكِ ليس فقط اعتذارًا، بل وعدًا. وعدًا بمستقبل أفضل، مستقبل نبنيه معًا."
مد أحمد يده إلى جيبه، وأخرج العلبة الصغيرة. فتحها أمامها. لمع الخاتم في الضوء الخافت، وكان يبدو كقطرة مطر متلألئة.
"نورة،" قال أحمد، وصوته يرتعش. "لقد أعدتُ بناء نفسي. لقد تعلمت من أخطائي. وأنا الآن على استعداد تام، لحمايتك، وللسير معكِ في دروب الحياة، يدًا بيد. هل تقبلين أن تكوني شريكتي في رحلة الحياة؟ هل تقبلين هذه الهدية، كبداية لعهد جديد؟"
نظرت نورة إلى الخاتم، ثم إلى عيني أحمد. كانت ترى فيهما صدقًا، ندمًا، وأملًا. ولكن عقلها كان لا يزال معلقًا بالرسالة التي وجدتها. بتلك الكلمات المدوية عن "ليلى" وعن أخ غير شقيق.
"أحمد." قالت نورة، وصوتها يكاد يكون همسًا. "هل أنت متأكد من هذا؟ من كل هذا؟" "متأكد بما فيه الكفاية لأقدم لكِ قلبي، ومستقبلي." أجاب أحمد، بصدق. "ولكن… يبدو أن هناك شيئًا في عينيكِ يزعجكِ."
"نعم." قالت نورة، بتردد. "في الحقيقة… هناك أمر ما… يجب أن نتحدث فيه. أمر يتعلق بماضي عائلتك… وماضي والدي." ارتسمت علامات القلق على وجه أحمد. "والدي؟ ماذا تعنين؟"
"وجدت… وجدت بعض الرسائل القديمة لوالدتي." قالت نورة، وهي تتناول من حقيبتها نسخة مصورة من الرسالة التي وجدتها. "وربما… ربما تحمل هذه الرسائل تفسيرًا لبعض الأمور التي لم نفهمها."
تناول أحمد الورقة، وبدأ يقرأ. ارتسمت على وجهه علامات الذهول، ثم الألم. كانت كلماته عن "ليلى" وعن الابن الغير شرعي، كصاعقة نزلت عليه.
"ليلى؟" همس، وهو يحدق في الورقة. "لم أسمع بهذا الاسم من قبل. ولم يخطر ببالي قط أن والدي… أن يكون له… ابن آخر." "هذه الرسالة… موجهة لوالدي." قالت نورة، وصوتها يشوبه الحزن. "وتتحدث عن خطأ كبير ارتكبه. خطأ أدى إلى… هذا."
"لا يمكن." قال أحمد، وهو يضع الورقة أمامه. "والدي كان رجلًا صالحًا، تقيًا. كيف يمكن أن…؟"
"الحياة مليئة بالمفاجآت، يا أحمد." قالت نورة، ونبرة الأسى تخيم على صوتها. "وأنا… أنا أشعر بأننا ندخل الآن في متاهة جديدة. متاهة من الأسرار التي يجب أن نكشفها. متاهة قد تغير كل شيء."
نظر أحمد إلى نورة، ثم إلى الورقة. كان يعلم أن هذه اللحظة لم تكن مجرد لقاء اعتذار، بل كانت بداية لكشف أسرار لم يتخيلها قط. وأن المستقبل الذي كان يراه بوضوح، أصبح الآن غامضًا ومليئًا بالأسئلة.