روحي تعشقك الجزء الثالث

بريقٌ في عينيه

بقلم سارة العمري

استيقظت "ليلى" في صباحِ اليومِ التالي على أشعةِ الشمسِ الذهبيةِ تتسللُ من بينِ ستائرِ غرفتها، تحملُ معها وعدًا بيومٍ جديد. لكنَّ صباحَها لم يكنْ هادئًا كالمعتاد. كانَ هناكَ شعورٌ غريبٌ بالاضطرابِ يتملكها، وشيءٌ من النشوةِ ممزوجٍ بالخوف. لقد كانَ حديثُ أمسِ مع "فهد" لا يزالُ صداهُ يترددُ في أذنيها، خاصةً كلماته عن زهرةِ اللوتس، وعن روحِ جدتها.

جلستْ على حافةِ سريرها، تنظرُ إلى يدها، ثم إلى الغرفةِ التي كانتْ مليئةً بالكتبِ والرسوماتِ وأدواتِ الرسم. كلُّ شيءٍ فيها كانَ يصرخُ بالأنوثةِ والرقةِ والحلم. لكنْ، هل ستتغيرُ كلُّ هذهِ الأشياءِ الآن؟ هل سيأتي "فهد" ليُغيّرَ مسارَ حياتها الهادئ؟

قررتْ أن تبدأَ يومها كالمعتاد، طالما أنها لا تعلمُ ما الذي سيحدث. ارتدتْ ثوبًا بسيطًا بلونِ السماءِ الصافية، وربطتْ شعرها بعقدةٍ فضفاضة. توجهتْ إلى بستانِ جدتها، المكانُ الذي تجدُ فيهِ دائمًا راحتها. كانتْ الأغصانُ تتدلى، والزهورُ تفوحُ بعطرها، والطيورُ تشدو بأجملِ الألحان.

كانتْ تقطفُ بعضَ أوراقِ النعناعِ لِتُعدَّ لنفسها كوبًا من الشاي، حينَ سمعتْ صوتًا يناديها. "ليلى!"

استدارتْ بسرعة، لتجدَ "فهد" يقفُ عندَ بوابةِ البستان، يتكئُ على سياجٍ خشبي، وقد ارتدى ملابسَ رياضيةً أنيقة. بدا طبيعيًا جدًا، وكأنهُ يعيشُ في هذا القصرِ منذُ زمن.

"صباحُ الخير،" قالَ بابتسامةٍ واسعة، بدا فيها بريقٌ من المرح. "لم أكنْ أعلمُ أنَّ قصرَ آلِ الفهيمِ يملكُ مثلَ هذهِ الجوهرةِ الخفية."

شعرتْ "ليلى" بالخجلِ من المدح، لكنها ابتسمتْ. "صباحُ النور. إنهُ مكانٌ أحبُّ أن أكونَ فيه."

"أنا أرى ذلك،" قالَ وهو يدخلُ البستانَ بخطواتٍ هادئة. "يبدو أنَّ لديكِ ذوقًا رفيعًا في اختيارِ الأماكنِ الجميلة."

"ربما أتعلمُ من جدتي،" قالتْ وهي تُشيرُ إلى جدتها التي كانتْ تجلسُ تحتَ إحدى الأشجارِ، تقرأُ كتابًا.

"السيدةُ فاطمةُ امرأةٌ رائعة،" قالَ "فهد" باحترام. "لقد كانتْ دائمًا مصدرَ إلهامٍ لي."

جلسا معًا تحتَ شجرةِ ليمون، وبدأتْ الأحاديثُ تتدفقُ بينهما. تحدثا عن البستان، وعن أنواعِ الزهور، ثم انتقلَ الحديثُ إلى هواياتهم.

"أسمعُ أنكِ فنانةٌ موهوبة،" قالَ "فهد" وهو يتأملُ تفاصيلَ وجهها. "هل هذا صحيح؟"

"أحاولُ،" أجابتْ "ليلى" بتواضع. "أحبُّ الرسمَ والتطريز. إنها طريقتي في التعبيرِ عن مشاعري."

"وما هيَ مشاعركِ الآن؟" سألَ بنبرةٍ فيها فضولٌ عميق.

ترددتْ "ليلى" للحظة. "لستُ متأكدةً. أشعرُ بالكثير. أشعرُ بالفضول، وببعضِ القلق، وبالأمل."

"هذا طبيعي،" قالَ "فهد" بهدوء. "الخطواتُ الجديدةُ دائمًا ما تكونُ كذلك. لكنْ، هل هذا القلقُ نابعٌ منّي، أم من فكرةِ التغيير؟"

نظرتْ "ليلى" إلى عينيهِ. كانتْ تبدوانِ ذكيتينِ، صادقتينِ، فيها بريقٌ لم ترهُ في عيونِ رجالٍ آخرين. "ربما كلاهما."

"أتمنى أن أكونَ سببًا في سعادتكِ، وليسَ في قلقكِ،" قالَ "فهد" بجدية. "لقد عدتُ وفي قلبي الكثيرُ من الطموحات، لكنَّ أهمَّها هوَ بناءُ عائلةٍ سعيدةٍ ومستقرة. وأرى فيكِ كلَّ الصفاتِ التي أحلمُ بها في شريكةِ حياتي."

شعرتْ "ليلى" بدفءٍ يسري في عروقها. كلماتُهُ لم تكنْ مجردَ كلماتٍ رومانسيةٍ عابرة، بل كانتْ تبدو عميقةً وصادقة. "شكرًا لكَ. هذا لطفٌ كبيرٌ منك."

"ليلى،" قالَ "فهد" وهو يميلُ قليلاً نحوها. "أتذكرُ أنَّ جدتي كانتْ تقولُ دائمًا أنَّ زهرةَ اللوتسِ ترمزُ إلى النقاءِ والبقاءِ في أحلكِ الظروف. هل هذا صحيح؟"

ابتسمتْ "ليلى" بخجل. "نعم، هذا صحيح."

"هل تعلمينَ أنني أرتدي قلادةً بها نفسُ الزهرة؟" سألَ وهو يُشيرُ إلى قميصهِ. "لقد أهديتني إياها أمي قبلَ سفري، وقالتْ لي إنها ستحميني."

ارتعشَ قلبُ "ليلى" بشدة. هل كانَ كلُّ هذا مجردَ مصادفات؟ أم أنَّ القدرَ كانَ يرسمُ لهما طريقًا مشتركًا؟

"هذا… هذا مدهش،" قالتْ بصوتٍ مرتجف.

"الأمورُ الجميلةُ غالبًا ما تكونُ مدهشة،" قالَ "فهد" وهو يبتسمُ لها. "ربما هذا دليلٌ من السماءِ لنا."

جلسا يتحدثانِ لساعاتٍ طويلة، يتشاركانِ الأفكارَ والأحلام. تحدثتْ "ليلى" عن حبها للطبيعة، وعن أحلامها بأن يكونَ لها بيتٌ صغيرٌ مليءٌ بالكتبِ والزهور. وتحدثَ "فهد" عن طموحاته في عالمِ الأعمال، وعن رغبتهِ في مساعدةِ الآخرين.

كانَ الجوُّ بينهما حميميًا، لكنهٌ كانَ ضمنَ حدودِ الاحترامِ والتقدير. لم يكنْ هناكَ أيُّ تلميحٍ غيرِ لائق، بل كانَ كلُّ شيءٍ يسيرُ في اتجاهِ بناءِ علاقةٍ طاهرةٍ ومباركة.

حينَ أذنَ المؤذنُ لصلاةِ الظهر، قامَ "فهد" معَ جدتها. "سأذهبُ لأداءِ الصلاة، ثم سنكملُ حديثنا."

"حسنًا،" قالتْ "ليلى" وهي تشعرُ بالراحةِ والسكينة.

بعدَ أنْ غادرَ "فهد"، نظرتْ "ليلى" إلى جدتها. "جدتي، هل… هل تعتقدينَ أنَّ هذا طبيعي؟"

ابتسمتْ السيدةُ فاطمةُ بحنان. "يا ابنتي، القلبُ لا يكذب. إذا شعرتِ بالراحةِ والارتياحِ معَ شخصٍ، وكانَ ذا خلقٍ ودين، فلا داعي للخوف."

"لكنني لم أعرفه جيدًا."

"وأنتِ لا تعرفينَ نفسكِ جيدًا حتى الآن،" قالتْ جدتها وهي تبتسم. "الحياةُ مليئةٌ بالمفاجآت. والأهمُّ أنْ تكونَ البداياتُ صادقةً ونقية."

تنهدتْ "ليلى" بارتياح. بدأتْ تشعرُ بأنَّ الخوفَ الذي كانَ يتملكها بدأَ يتلاشى، ليحلَّ محلهُ شعورٌ جديد، شعورٌ بالدفءِ والأمل.

في وقتِ الظهيرة، وبينما كانتْ العائلةُ مجتمعةً في صالةِ الاستقبال، تحدثَ الشيخُ "أحمد" بصوتٍ جاد. "يا ابنتي ليلى، ويا ابنَ أخي فهد. لقد اجتمعنا اليومَ لنبارك لكما خطوتكما الأولى. فهدٌ قد طلبَ يدَ ليلىَ رسمياً، ونحنُ موافقون. إنها فرصةٌ مباركةٌ لجمعِ العائلتينِ على كلمةِ الحبِّ والوفاق."

نظرتْ "ليلى" إلى "فهد"، فرأتْ بريقًا خاصًا في عينيه. لم يكنْ مجردَ بريقِ النجاح، بل كانَ بريقَ رجلٍ وجدَ ما يبحثُ عنهُ. ابتسمَ لها ابتسامةً واسعة، وبدأتْ تشعرُ أنَّ عالمها كلهُ بدأَ يتغير.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%