روحي تعشقك الجزء الثالث
خيوط الماضي تتشابك والمستقبل على المحك
بقلم سارة العمري
في اليوم التالي، استيقظ أحمد ونورة وقلوبهما تحمل همًا جديدًا، وهمًا ثقيلاً ولكنه مليء بالأمل. لقد كشفت جدة نورة عن جزء من ماضي والده، ماضي كان يحمل سرًا مدفونًا. ليلى، الابن، والظلم الذي تعرضت له.
جلس أحمد مع والدته، وبدأ يسألها عن المزيد من التفاصيل. حاولت الأم جاهدة استحضار كل ما يمكنها تذكره. "والدك، رحمه الله، لم يكن يتحدث كثيرًا عن شبابه." قالت. "ولكنني أتذكر أنه في فترة من الفترات، كان مهتمًا جدًا ببعض العائلات القديمة في منطقة معينة. كان يبدو عليه الحزن، وكأنه يبحث عن شيء فقده."
"هل تتذكرين اسم العائلة، أو اسم الحي؟" سأل أحمد، بلهفة.
"لا أتذكر بالتحديد." أجابت الأم. "ولكنني أتذكر أنه كان يقول شيئًا عن "أزقة ضيقة"، وعن "رائحة الياسمين". كانت دائمًا ما يصف المكان بهذه الكلمات."
"الياسمين… أزقة ضيقة…" ردد أحمد، وهو يحاول ربط هذه الكلمات بالرسالة. "والجدة قالت إن ليلى كانت من عائلة بسيطة. ربما… ربما هذه التفاصيل تقودنا إلى شيء."
في تلك الأثناء، كانت نورة في منزل جدتها، التي بدأت تبحث في ألبوم صور قديم، وفي سجلات عائلية. "وجدتها!" صاحت الجدة فجأة، وهي تخرج ورقة بالية من بين صفحات دفتر قديم. "هذه… هذه ورقة قديمة، مكتوبة بخط يد والدكِ، يا نورة. كان يحتفظ بها."
تناولت نورة الورقة، وبدأت تقرأ. كان فيها اسم "ليلى"، وعنوان قديم، ورقم هاتف يبدو أنه قديم جدًا. ولكن الأهم، كان هناك اسم "خالد"، بجانبه عبارة "ابني".
"خالد!" قالت نورة، وهي تنظر إلى أحمد. "يبدو أن هذا هو اسم الابن."
"خالد…" ردد أحمد، وشعر بأن هذا الاسم يحمل معه ثقلًا كبيرًا. "علينا أن نجد هذا خالد."
"ولكن… هذا العنوان قديم جدًا." قالت نورة، وهي تتفحص الورقة. "والرقم… يبدو أنه لم يعد يعمل."
"سنذهب إلى العنوان." قال أحمد، بعزم. "حتى لو كان المكان قد تغير، فإننا سنبحث. سنبحث في الحي القديم. قد نجد شيئًا."
وبالفعل، في اليوم التالي، انطلق أحمد ونورة، برفقة والدة أحمد، إلى الحي القديم الذي أشارت إليه كلمات والدته. كان المكان لا يزال يحمل بعضًا من عبق الماضي، ولكن أغلب المباني القديمة كانت قد استبدلت بأبنية حديثة.
تجولوا في الأزقة الضيقة، مستنشقين عبق الياسمين الذي كانت والدة أحمد تتحدث عنه. سألوا بعض السكان القدامى، ولكن لم يكن لدى أحد منهم معلومات عن "ليلى" أو عن عائلتها.
"يبدو الأمر صعبًا." قالت والدة أحمد، وهي تشعر بالإحباط.
"لا نستسلم." قال أحمد، بنبرة إصرار. "يجب أن نجد خالد."
وبينما كانوا يوشكون على المغادرة، لفت انتباه نورة متجر صغير لبيع التحف القديمة. بدا عليه القدم، والكثير من الذكريات. "ربما… ربما يمكننا أن نسأل هنا." قالت نورة.
دخلوا المتجر، وكان صاحبه رجلًا كبير السن، ذو لحية بيضاء، يجلس خلف طاولة مليئة بالقطع الفنية القديمة.
"مساء الخير." قال أحمد، بابتسامة. "نحن نبحث عن معلومات عن سيدة تدعى "ليلى"، وعن ابنها "خالد". ربما عاشت في هذا الحي منذ زمن طويل."
نظر الرجل الكبير إلى أحمد، ثم إلى نورة، ثم إلى والدة أحمد. كان في عينيه وميض معرفة.
"ليلى؟" قال الرجل، وهو يفكر. "نعم، أتذكر اسم ليلى. كانت فتاة جميلة، وعاشت هنا منذ سنوات طويلة. ولكن… لقد رحلت عن الحي. بعد أن… تعرضت لبعض الظلم."
"هل تعرف أين ذهبت؟" سأل أحمد، بلهفة.
"لا أعرف وجهتها بالتحديد." قال الرجل. "ولكنني سمعت أنها تزوجت من رجل طيب، خارج المدينة. وأنها عاشت حياة هادئة مع ابنها."
"هل تعرف اسمه؟ اسم ابنها؟" سألت نورة، وهي تشعر بأن قلبها يدق بسرعة.
"نعم." قال الرجل، بابتسامة. "كان اسمه… خالد. خالد الذي كان دائمًا ما يقول إنه يتمنى أن يلتقي بوالده يومًا ما."
"خالد." كرر أحمد، وشعر بأن هذه الكلمة تحمل معها كل الأمل. "هل تعرف أين يعيش الآن؟"
"سمعت أنه أصبح رجلًا أعمال ناجحًا." قال الرجل. "وأن لديه عائلة. ولكن… لا أعرف مكان إقامته بالتحديد. ولكن… ربما يمكنني أن أسألك عنه. لدي بعض المعارف القدامى، ربما يعرفون شيئًا."
شعر أحمد ونورة بالأمل يتجدد في قلبيهما. لقد كادوا أن يصلوا إلى الحقيقة. خيط رفيع كان يربطهم بخالد، بالابن المفقود، بالأخ الذي لم يعرفوه.
"سنكون شاكرين جدًا لو فعلت ذلك." قال أحمد، وهو يشعر بالامتنان.
تركوا المتجر، وقلوبهم مليئة بالأمل. لقد بدأت خيوط الماضي تتشابك، وكأنها تدعوهم إلى نسج قصة جديدة. قصة عن الغفران، عن العائلة، وعن لم شمل قد يعيد للأرواح سكينة لطالما بحثت عنها.
ولكن، في أعماق قلب نورة، كان هناك سؤال ما زال يتردد: هل سيقبل خالد هذه الحقيقة؟ هل سيغفر لوالده؟ وهل ستتمكن هي وأحمد من بناء مستقبلهم، في ظل هذا الماضي الذي بدأ يتكشف أمامهم؟
كانت الأسئلة كثيرة، وكانت الإجابات تنتظرهم في طريق لم يعد مجهولًا تمامًا. ولكن، في كل خطوة، كانوا يشعرون بأنهم أقرب إلى الحقيقة، وأقرب إلى فهم معنى العائلة،