روحي تعشقك الجزء الثالث
همساتُ القدر
بقلم سارة العمري
كانتْ الأيامُ التاليةُ لتلكَ الخطبةِ بمثابةِ حلمٍ رائعٍ لـ"ليلى". استيقظتْ على عالمٍ جديد، عالمٍ ألوانه أكثرُ إشراقًا، وأصواته أكثرُ لحنًا. لم تكنْ تتخيلُ أنَّ مجردَ فكرةِ الارتباطِ برجلٍ قد تُحدثُ كلَّ هذا التغييرِ في نظرتها للحياة.
كانَ "فهد" يتواصلُ معها بشكلٍ مستمر، ليسَ عبرَ الرسائلِ المباشرةِ التي قد لا تكونُ مناسبةً في هذهِ المرحلة، بل عبرَ أمهِ، السيدة "خديجة"، زوجةِ عمها، التي أصبحتْ بدورها جسرًا رقيقًا بينهما. كانتْ السيدة "خديجة" امرأةً لطيفةً، متفهمةً، تشبهُ والدةَ "ليلى" الراحلةَ في رقتها وحنانها. كانتْ تأتي لزيارةِ آلِ الفهيمِ بانتظام، وتُحضرُ معها أخبارَ "فهد" وتفاصيلَ حياته.
"لقد تحدثَ فهدٌ عنكِ كثيرًا اليوم،" قالتْ السيدة "خديجة" لـ"ليلى" بينما كانتا تشربانِ الشايَ في حديقةِ القصر. "لقد كانَ يصفُ كيفَ أحببتِ حكايةَ جدتي عن القلادةِ الفضية، وكيفَ شعرتِ بالارتباطِ العميقِ بها. يقولُ أنكِ تفهمينَ معنى الأشياءِ الأصيلة."
احمرَّ وجهُ "ليلى" من الخجل، لكنها شعرتْ بالفرح. "إنها قصةٌ جميلةٌ يا خالتي. إنها تُعلّمنا أنَّ الحبَّ ينمو ويتجددُ عبرَ الأجيال."
"وهذا بالضبط ما يريده فهد،" قالتْ السيدة "خديجة" بجدية. "إنهُ رجلٌ يؤمنُ بالأسرةِ وبالجذور. لقد ابتعدَ عن وطنهِ لسنواتٍ، لكنَّ قلبهُ بقيَ معلقًا هنا. ويريدُ الآنَ أن يبنيَ بيتًا دافئًا، وأن يستقرَّ معَ امرأةٍ تُشاركهُ هذا الدفء."
كانتْ "ليلى" تستمعُ بكلِّ جوارحها. شعرتْ بأنَّ "فهد" ليسَ مجردَ رجلٍ طموحٍ وناجح، بل هوَ رجلٌ يحملُ في قلبهِ قيمًا سامية.
تعددتْ اللقاءاتُ بينَ العائلتين، وكانتْ الأجواءُ مليئةً بالمودةِ والتفاؤل. بدأَ الحديثُ يدورُ عن تفاصيلِ الزواج، وعن تحديدِ موعدٍ للعقد. كانتْ "ليلى" تشاركُ في هذهِ النقاشات، لكنها كانتْ تشعرُ بأنها ما زالتْ في عالمِ الأحلام.
في أحدِ الأيام، بينما كانتْ تتصفحُ مجلدًا قديمًا لصورِ عائلتها، وجدتْ صورةً لفرحِ والديها. كانتْ صورةً بالأبيضِ والأسود، لكنها تعكسُ قمةَ السعادةِ والبهجة. نظرتْ إلى وجهِ أمها الشاب، ثم إلى وجهِ أبيها المبتسم. تنهدتْ بحنين، ودعتْ اللهَ أن يمنحها نفسَ السعادةِ التي رأتها في عيونِ والدتها.
بعدَ فترةٍ قصيرة، طلبَ "فهد" أن يلتقيَ بـ"ليلى" بمفردها، في مكانٍ عامٍ وآمن، تحتَ إشرافِ إحدى المحارم. اختارتْ السيدة "خديجة" حديقةَ عامةً جميلة، مليئةً بالأشجارِ العاليةِ والزهورِ الملونة، وفيها نافورةٌ تتناثرُ منها قطراتُ الماءِ في سماءِ الظهيرة.
ارتدتْ "ليلى" ثوبًا فضفاضًا بلونِ الخزامى، ووضعتْ قليلاً من العطرِ الذي كانتْ تحبهُ أمها. حينَ وصلتْ إلى الحديقة، وجدتْ "فهد" جالسًا على مقعدٍ خشبي، ينتظرها. كانَ يرتدي قميصًا بسيطًا بلونِ الكاكي، وبنطالًا أسود. بدا وسيمًا وهادئًا.
"مرحبًا بكِ،" قالَ "فهد" وهو يقفُ احترامًا لها.
"أهلًا بكَ،" ردتْ "ليلى" بابتسامة.
جلسا جنبًا إلى جنب، وبدأتْ همساتُ القدرِ تُنسجُ بينهما.
"ليلى،" بدأَ "فهد" حديثه. "أعلمُ أنَّ هذهِ هيَ المرةُ الأولى التي نكونُ فيها وحدنا. وأعلمُ أنَّ هناكَ الكثيرَ من الأمورِ التي قد تشغلُ بالكِ."
"نعم،" أجابتْ "ليلى" بهدوء.
"أريدُ أن أطمئنكِ،" تابعَ "فهد" بنبرةٍ صادقة. "أنا هنا لأبنيَ معكِ مستقبلًا، لا لأُغيّرَ ما أنتِ عليه. أنا معجبٌ بروحكِ، بفكركِ، بشخصيتكِ. ولم أعدْ أرى حياتي بدونكِ."
شعرتْ "ليلى" بقلبها يخفقُ بسرعة. كانتْ كلماته تُلامسُ أوتارًا عميقةً في روحها. "وأنا… وأنا أيضًا أشعرُ بالراحةِ معك."
"الراحةُ ليستْ كافيةً، يا ليلى،" قالَ "فهد" بنبرةٍ فيها إصرار. "نحنُ بحاجةٍ إلى حبٍّ عميقٍ، وثقةٍ لا تتزعزع. هل تعتقدينَ أننا نستطيعُ بناءَ ذلك؟"
نظرتْ "ليلى" إلى عينيهِ، فرأتْ فيهما صدقًا وصدىً لِما تشعرُ به. "أعتقدُ ذلك."
"ولكن،" قالَ "فهد" فجأةً، وبدتْ نبرتهُ فيها شيءٌ من التردد. "هناك أمرٌ أريدُ أن أخبركِ بهِ قبلَ أن نُكملَ الطريق. أمرٌ قد يُغيّرُ نظرتكِ إليّ."
شعرَتْ "ليلى" بقشعريرةٍ تسري في جسدها. "ما هو؟"
"عندما كنتُ أدرسُ في الخارج،" بدأَ "فهد" يتحدثُ ببطء. "لقد مرتْ فترةٌ كنتُ فيها وحيدًا جدًا. و… وقعتُ في حبِّ امرأةٍ. امرأةٌ لم تكنْ من خلفيتنا الثقافية، ولم تكنْ مسلمة."
اتسعتْ عينا "ليلى" بدهشة. لم تتوقعْ هذا أبدًا.
"لقد كانتْ علاقةٌ عابرة، يا ليلى،" أكملَ "فهد" بسرعة، وكأنهُ يقرأُ أفكارها. "لكنها كانتْ نقطةَ تحولٍ في حياتي. لقد تعلمتُ منها الكثيرَ عن نفسي، وعن الأخطاءِ التي يمكنُ للمرءِ أن يرتكبها في لحظاتِ الضعف. وبعدَ فترةٍ قصيرة، أدركتُ أنَّ قلبي لم يكنْ معها حقًا. وأنَّ كلَّ ما أبحثُ عنهُ هوَ الاستقرارُ والسعادةُ ضمنَ إطارِ ديني وقيمي."
صمتَ "فهد" ونظرَ إلى "ليلى" بعينينِ مليئتينِ بالترقب. كانَ يعرفُ أنَّ هذا الاعترافَ قد يكونُ صعبًا عليها.
"لقد كنتُ في أشدِّ الحاجةِ لإخبارِكِ بهذا،" تابعَ "فهد" بصوتٍ خفيض. "لأنني لا أريدُ أن تكونَ هناكَ أيُّ أسرارٍ بيننا. ولأنني أريدُ أن تبدأَ حياتنا الجديدةُ على أساسٍ من الصدقِ التام."
تنفستْ "ليلى" بعمق. كانتْ الكلماتُ تتصارعُ في رأسها. شعرتْ بالصدمةِ، وبالخيبةِ، وبالغضبِ قليلاً. لكنَّ الصدقَ في عيني "فهد" بدأَ يُهدئُ من روعها.
"هل… هل كانتْ علاقةٌ جسدية؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ بالكادِ يُسمع.
"لا، يا ليلى،" قالَ "فهد" بحزم. "لم تتجاوزِ العلاقةُ مرحلةَ المشاعرِ والكلمات. لقد كانَ هناكَ انجذابٌ، لكنني استطعتُ أن أتحكمَ بنفسي وأتجنبَ الوقوعَ في المحرمات."
سادَ صمتٌ ثقيلٌ بينهما. كانتْ "ليلى" تحاولُ استيعابَ ما سمعت. كانتْ تتمنى لو أنَّ "فهد" كانَ شخصًا مثاليًا، خاليًا من أيِّ ماضٍ. لكنها أدركتْ أنَّ الكمالَ لله وحده.
"شكرًا لكَ على صدقكَ،" قالتْ "ليلى" في النهاية، بصوتٍ ما زالَ يحملُ بعضَ التردد. "أنا… أنا بحاجةٍ إلى وقتٍ للتفكير."
"أتفهمُ ذلك تمامًا،" قالَ "فهد" بلهجةٍ متفهمة. "خذي وقتكِ. لكنْ، أريدكِ أن تعلمي أنَّ الماضيَ قد ولّى. وأنَّ كلَّ ما أريده الآنَ هوَ المستقبلُ معكِ، يا ليلى."
نهضتْ "ليلى" ببطء، وشعرتْ وكأنَّ خطواتها أثقلُ من ذي قبل. "أنا… يجبُ أن أذهب."
"سأوصلكِ،" قالَ "فهد" وهو يمدُّ يدهُ لمساعدتها على النهوض.
في طريقِ العودة، كانَ الصمتُ سيدَ المكان. كانتْ "ليلى" تحاولُ أن تفهمَ مشاعرها المتناقضة. هل يجبُ أن تغفرَ لماضيه؟ هل يجبُ أن تثقَ بكلماته؟
حينَ وصلتْ إلى القصر، ودعتْ "فهد" بكلماتٍ مقتضبة. ودخلتْ إلى غرفتها، وأغلقتْ البابَ خلفها. ألقتْ بنفسها على السرير، وغطتْ وجهها بيديها. كانتْ همساتُ القدرِ قد بدأتْ تُعزفُ لحنًا جديدًا، لحنًا مليئًا بالتشويقِ والتحديات.