روحي تعشقك الجزء الثالث
مركبٌ في لُجّةِ الشكِّ والوعد
بقلم سارة العمري
تجلّتْ الشمسُ بأشعّتها الذهبيةِ الأولى، نافذةً عبرَ ستائرَ سميكة، لتُعانقَ وجهَ "سارة". فتحتْ عينيها ببطءٍ، شعرتْ بثقلِ الأفكارِ ينهشُ راحتها. كانتْ ليلةُ أمسِ ثقيلةً، مليئةً بالحديثِ العميقِ معَ أختها "لمياء". لطالما كانتْ سارةُ هيَ المستشارةَ، الأمينةَ على أسرارِ لمياء، والشاهدةَ على أحلامها.
"أوه، أختي الحبيبة، يبدو أنَّكِ لم تنامي جيدًا." قالتْ سارةُ، وهيَ تُدخلُ طبقَ الإفطارِ إلى غرفةِ لمياء. "صباحُ الخير يا سارة. نعم، كانتْ ليلةً طويلة." أجابتْ لمياءُ، وهيَ تُحاولُ رسمَ ابتسامةٍ على وجهها. "لا أزالُ أشعرُ أنَّ هناكَ شيئًا يُقلقكِ." قالتْ سارةُ، جلستْ على طرفِ السرير، ونظرتْ في عيني أختها. "ماذا عساني أنْ أقولَ لكِ يا سارة؟ الأمرُ مُعقّدٌ جدًا." بدأتْ لمياءُ، وصوتها يرتعشُ قليلاً. "تحدثي يا لمياء. أنَا هنا لأسمعكِ. هلْ هوَ أحمد؟ هلْ عادَ ليُقدّمَ لكِ طلبَ الزواجِ مرةً أخرى؟" سألتْ سارةُ، وهيَ تشعرُ ببعضِ القلق.
هزّتْ لمياءُ رأسها. "لا، الأمرُ ليسَ متعلقًا بأحمد. على الأقل، ليسَ بشكلٍ مباشر." "إذن، ما هوَ؟" ألحّتْ سارةُ. "أتذكرينَ عندما حدثتكِ عنْ أستاذِ الأدبِ في جامعتي؟ الدكتورُ آدم؟" قالتْ لمياءُ، وهيَ تشعرُ بحمرةٍ خفيفةٍ تعلو وجنتيها. "نعم، أتذكر. قلتِ إنَّه رجلٌ عالمٌ وذو أخلاقٍ طيبة." أجابتْ سارةُ، وقدْ بدأتْ تشعرُ بمسارِ الحديث. "هو... هوَ ليسَ مجردَ رجلٍ عالم. هوَ... شيءٌ آخر." قالتْ لمياءُ، وترددتْ قبلَ أنْ تُكمل. "لقدْ بدأتُ أشعرُ تجاههُ بمشاعرَ... مشاعرَ لا أعرفُ كيفَ أصفها. إنَّها مشاعرُ قويّةٌ جدًا، تُربكني، وتُشعلُ في روحي شيئًا لم أشعرْ بهِ من قبل."
اتسعتْ عينا سارةُ منَ الدهشة. "مشاعر؟ لمياء، هلْ تتحدثينَ عنْ حبٍّ؟" "لا أعرفُ إن كانَ حبًّا، يا سارة. ولكنَّه انجذابٌ قويٌّ، شغفٌ يملأُ قلبي. عندما أراهُ، عندما أسمعُ صوتهُ، أشعرُ وكأنَّني في عالمٍ آخر. ولكنَّ هذا العالمَ ممنوعٌ. هوَ أستاذي، وهوَ أكبرُ مني سنًّا بكثير، وهوَ رجلٌ لهُ حياتهُ ومكانتهُ. وأنا... أنا لا شيءٌ أمامهُ." قالتْ لمياءُ، والدموعُ تتجمّعُ في عينيها.
"ولكنَّ هذا لا يعني شيئًا يا لمياء. اللهُ لا يُحاسبُ على المشاعرِ الصادقةِ التي تنبعُ منَ القلب، ما لم نُتبعها بأفعالٍ خاطئة. ربما هذهِ مجردُ إعجابٍ فكريٍّ، أوْ إعجابٌ بشخصيتهِ العلمية." حاولتْ سارةُ أنْ تُخففَ من وطأةِ الموقف. "لا يا سارة، هذا أعمقُ من ذلك. أشعرُ برغبةٍ قويةٍ في التحدثِ إليهِ، في معرفتهِ أكثر. أشعرُ بأنَّ فيهِ شيئًا يشدّني إليهِ، شيئًا يجعلني أشعرُ بالأمانِ والسعادةِ في آنٍ واحد. ولكنَّ هذا خوفٌ كبيرٌ بداخلي. خوفٌ منَ الضياع، خوفٌ منَ الوقوعِ في شيءٍ مُحرم. أنتِ تعرفينَ أنَّ أمي تُريدُني أنْ أتزوجَ من أحمد. وهوَ رجلٌ طيبٌ، وسيُسعدني بالتأكيد. ولكني... لستُ أشعرُ نحوهُ بهذا الشعورِ الذي أشعرُ بهِ تجاهَ الدكتورِ آدم." قالتْ لمياءُ، وقدْ انهمرتْ دموعها.
عانتْ سارةُ منَ المشاعرِ المتضاربةِ لأختها. كانتْ تُريدُ لها السعادة، ولكنَّها كانتْ تخشى عليها منَ السيرِ في طريقٍ قدْ يُورّطها في مشاكلَ لا تُحمدُ عُقباها. "يا حبيبتي، الشغفُ شعورٌ جميلٌ، ولكنَّهُ قدْ يكونُ خطيرًا إذا لم يُوجّهَ بالطريقةِ الصحيحة. الدكتورُ آدمُ رجلٌ مُحترمٌ، ولنْ يسمحَ لنفسهِ بأيِّ شيءٍ قدْ يُخلُّ بالآدابِ أوْ الأخلاق. ربما عليكِ أنْ تُحاولي أنْ تُبعدي هذهِ الأفكارَ عنْ عقلكِ، وأنْ تُركّزي على مستقبلكِ. أحمدُ رجلٌ مناسبٌ لكِ، وهوَ فرصةٌ ذهبيةٌ."
"ولكنْ ما الحلُّ إذا كانتْ روحي لا تستجيبُ إلا لهُ؟" سألتْ لمياءُ، وقدْ رفعتْ رأسها، وعيناها الحمراوانِ تبحثانِ عنْ إجابةٍ. "أشعرُ بأنَّني مُدمنةٌ على فكرةِ وجودهِ في حياتي، حتى وإنْ كانَ ذلكَ مجردَ رؤيتهِ في الجامعةِ أوْ سماعِ اسمه. أشعرُ وكأنَّ حياتي فقدتْ بعضَ لونها بدونه."
"الإدمانُ كلمةٌ قويةٌ، يا لمياء. لا تستخدميها بهذهِ السهولة. ربما ما تشعرينَ بهِ هوَ مجردُ رغبةٍ في حبٍّ نبيل، حبٍّ يكونُ أساسهُ الزواجُ والتفاهم. ولكنَّ هذا الحبَّ يجبُ أنْ يكونَ مُباحًا، وأنْ يأتيَ في وقتِهِ المناسب، ومعَ الرجلِ المناسب. الرجلِ الذي يُمكنُ أنْ تُبني معهً حياتكِ على أساسٍ متين." قالتْ سارةُ، وهيَ تُحاولُ أنْ تُقنعَ أختها.
"وماذا لو كانَ الرجلُ المناسبُ هوَ هوَ؟" همستْ لمياءُ، لم تستطعْ أنْ تُقاومَ هذا التساؤلَ الذي ظلَّ يُزعجها. "لمياء! لا تقولي ذلكَ. أنتِ تعلمينَ أنَّ هذا مستحيلٌ. العلاقةُ بينَ طالبٍ وأستاذهِ مُحرّمةٌ. كيفَ ستُبررينَ هذا لأهلكِ؟ ولنفسكِ؟" ردتْ سارةُ، وهيَ تشعرُ بالذعر. "ولكنْ... ماذا لو كانَ لديهِ مشاعرُ مشابهة؟ سمعتُهُ يتحدثُ مرةً عنْ قصائدَ الحبِّ القديمة، وعنْ روحِ الأنثى التي تُلهِمُ الرجل. شعرتُ وكأنَّهُ يتحدثُ عني." قالتْ لمياءُ، وقدْ تملّكها الأملُ الكاذب. "لمياء، لا تُفسّري الأمورَ على هواكِ. ربما كانَ يتحدثُ عنْ شعرهِ، عنْ الأدب. أنتِ تُبالغينَ في تفسيرِ كلِّ شيء. عليكِ أنْ تُحاولي أنْ تخرجي هذهِ الأفكارَ منْ رأسكِ. ربما نحتاجُ إلى أنْ نُساعدَكِ في إيجادِ حلٍّ لهذا الأمر. ربما يجبُ أنْ نُقنعَ أمي وأبي بأنَّ أحمدَ ليسَ مناسبًا لكِ الآن، وأنَّكِ تحتاجينَ إلى وقتٍ أطول." اقترحتْ سارةُ، وهيَ تُحاولُ إيجادَ مخرجٍ.
"وهلْ تعتقدينَ أنَّ هذا سيُحلُّ المشكلة؟ إذا لم يكنْ أحمد، فمنْ سيكونُ؟ هلْ سيأتيَ رجلٌ آخرُ ليُشعلَ روحي كما يفعلُ الدكتورُ آدم؟" سألتْ لمياءُ، وقدْ استقرَّ اليأسُ في عينيها.
"يا حبيبتي، الحبُّ يأتيَ في أشكالٍ مختلفة. وأحيانًا، الحبُّ الذي نبحثُ عنهُ قدْ يكونُ قريبًا منا، وقدْ لا نراهُ بسببِ رغبتنا في البحثِ عنْ شيءٍ أكبرَ وأكثرَ تألقًا. أحمدُ يحبّكِ، وهذا يكفي. ربما معَ الوقتِ، ستُحبّينهُ." قالتْ سارةُ، وهيَ تُحاولُ إقناعَ أختها، وهيَ تُقنعُ نفسها أيضًا.
جلستْ لمياءُ صامتةً، تبدو كمنْ فقدَ بوصلتها. كانتْ ترى أمامها طريقينِ متوازيين، لا يلتقيانِ أبدًا. طريقٌ مُعبّدٌ بالأمانِ والواجب، ولكنهُ خالٍ منَ الشغفِ الذي يُحيي روحها. وطريقٌ آخرُ مُظللٌ بالخطرِ والمحظور، ولكنهُ يَعِدُ بإشعالِ فتيلِ السعادةِ التي تبحثُ عنها.
"لا أعرفُ ماذا أفعلُ يا سارة. أشعرُ بأنَّني على شفا الهاوية. هلْ أنا مُدمنةٌ على حلمٍ لنْ يتحقق؟ هلْ سأظلُّ أسيرةَ هذهِ المشاعرِ التي تُعذّبني، وتُبعدني عنْ كلِّ شيءٍ صحيح؟" قالتْ لمياءُ، وهيَ تضعُ رأسها بينَ يديها.
تنهدتْ سارةُ، واحتضنتْ أختها بحنان. "كلُّ شيءٍ لهُ حلٌّ يا لمياء. علينا فقطْ أنْ نبحثَ عنهُ بقلوبٍ صافيةٍ وعقولٍ واعية. سأقفُ معكِ، وسنجدُ معًا الحلَّ المناسب. ولكنْ، عليكِ أنْ تُحاولي جاهدةً أنْ تُسيطري على هذهِ المشاعرِ. وأنْ تتذكري دائمًا حدودَ اللهِ، ورضا الأهلِ، وقيمةَ الاستقرارِ والأمان."
نظرتْ لمياءُ إلى أختها، وشعرتْ ببعضِ الراحةِ في حضنها. ولكنَّ ظلَّ الدكتورِ آدمَ كانَ لا يزالُ مُعلّقًا في سماءِ روحها، كالشمسِ التي تحاولُ أنْ تتجلّى، ولكنَّ الغيومَ تُعيقُ نورها. كانَ صراعُها معَ ذاتها قدْ بدأَ للتوّ، وكانَ الشكُّ والوعدُ يتصارعانِ في أعماقِ قلبها، لا تعلمُ أيٌّ منهما سينتصرُ في النهاية.