روحي تعشقك الجزء الثالث
أسرارٌ في عتمة الروح
بقلم سارة العمري
تغلغل الظلام في زوايا غرفة "نور" العتيقة، لا كظلام الليل فحسب، بل كسوادٍ يعتري الروح، يثقلها بآثامٍ وخيبات. كانت الأشهر قد انقضت منذ أن ألقت "نور" ببريق وجهها خلف ستارٍ من الكذب، منذ أن استسلمت لوهمٍ زائفٍ لطالما حذرتها منه جدتها، لكنها لم تسمع. لم تسمع إلا همسات "فهد" التي توعدت براحةٍ زائفة، وبحبٍ مشروطٍ بالانقياد.
جلست "نور" على حافة السرير، تتأمل خيوط الشمس المتسللة من بين ستائر الغرفة، وكأنها تبحث عن شعاع أملٍ وسط هذا المستنقع الذي صنعتها بنفسها. طيف "بدر" يخطر ببالها، وجهه الكريم، وعيناه الصادقتان، وصوته الهادئ الذي كان كبلسمٍ على جراحها. كم تمنت لو عادت بها الأيام، لو استمعت لصوت عقلها، لا لنداء قلبٍ مضلل.
لقد انزلق "فهد" إليها رويداً رويداً، متسللاً عبر ثغرات ضعفها، مستغلاً حاجتها للشعور بالتقدير، بالاهتمام. في البداية، كان كل شيءٍ يبدو مثالياً. كان لطيفاً، كريماً، يغدق عليها الهدايا، ويملأ أذنها بكلماتٍ منمقةٍ عن مستقبلٍ وردي. لكن شيئاً فشيئاً، بدأت تقاليد "فهد" تظهر، القيود التي يريد أن يفرضها. بدأ يسأل عن كل كبيرةٍ وصغيرة، عن لقاءاتها، عن حديثها، عن أفكارها. وعندما كانت تعترض، كان يقابلها بوجهٍ آخر، وجهٌ يكسوه الغضب، ويلفظ كلماتٍ تذيب الحديد.
"لماذا تخفين عني شيئاً يا نور؟ ألا تثقين بي؟" كان يقول بصوتٍ يحمل تهديداً مبطناً. "أنا أحبك، وأريد مصلحتك. لا تسمحي لأحدٍ أن يتدخل بيننا."
وقد بدأت "نور" تفقد نفسها. أصبحت تتخلى عن لقاء صديقاتها، تتجنب زيارة عائلتها، خوفاً من نظراتهم التي قد تكشف زيف علاقتها. حتى ملابسها، بدأت تشعر أنها تفرض عليها ما يجب أن ترتديه، وما لا يجب. شعرت كأنها طائرٌ في قفصٍ ذهبي، جميلٌ من الخارج، لكنه خانقٌ من الداخل.
في تلك الليلة، وبعد عراكٍ صامتٍ بينها وبين ضميرها، قررت "نور" أن تواجه "فهد". كانت قد وصلت إلى نقطةٍ لم تعد تحتمل فيها المزيد. ارتديت حجابها، وتوجهت إلى شقته الفاخرة، وقلبها يدق بعنفٍ كطبول الحرب.
"أنا لم أعد أحتمل هذا يا فهد!" قالت فور أن دخلت، وصوتها يرتجف قليلاً. "أشعر أنني أخنق. لا أستطيع التنفس. هذه العلاقة لم تعد تسعدني."
نظر إليها "فهد" بعينين باردتين، كأنما رأى أفعىً تزحف على بساطه الفاخر. رفع حاجبه بتعجبٍ مصطنع، ثم ابتسم ابتسامةً لم تصل إلى عينيه. "حقاً؟ هل هذا ما تشعرين به بعد كل ما فعلته من أجلك؟ أبعد كل الأوقات الجميلة التي قضيناها؟"
"الأوقات الجميلة كانت وهم يا فهد. وهذا التحكم، وهذا الشك، لم يكونا جزءاً من الوعد."
تغيرت ملامح "فهد" فجأة. تبدد الهدوء الزائف، وظهرت وحشيةٌ كامنة. تقدم نحوها بخطواتٍ سريعة، وأمسك بذراعها بقوةٍ جعلتها تصرخ من الألم. "أنا أتحكم فيك لأنني أحبك، لأنني لا أريد أن تضلي الطريق. أما أنتِ، فأنتِ تخذلينني. أكنتِ تفكرين بالعودة إلى ذلك العجوز؟"
كلمة "عجوز" أثارت فيها غضباً لم تشعر به من قبل. "لا تتحدث عن "بدر" بهذه الطريقة!" صرخت، محاولةً سحب ذراعها. "هو رجلٌ نبيل، على عكسك تماماً."
قهقه "فهد" ضحكةً خشنة. "نبيل؟ ربما هو نبيلٌ في عالمك القديم، لكن في عالمي، القوة هي النبل، والسيطرة هي الحب." أمسك بوجهها، واقترب منها، أنفاسه تضرب وجهها. "وأنتِ لي، يا نور. ولن تذهبي إلى أي مكان."
شعرت "نور" بالذعر يتسلل إلى عروقها. هذا ليس الرجل الذي أحبته. هذا وحشٌ يتخفى خلف قناعٍ جميل. استجمعت كل قوتها، ودفعته بعيداً عنها. "لن أكون لك، ولن أعيش هكذا. سأرحل، وسأجد طريقي بنفسي."
انعقد لسان "فهد" للحظة، ثم انفجر غضباً. "لن تخرجي من هنا سالمة! لقد استثمرت فيك الكثير، ولن أسمح لكِ بضياع كل ذلك."
تراجعت "نور" ببطء، وعيناها تبحثان عن مخرج. رأت الباب المفتوح، واندفعت نحوه، ولم تنظر خلفها. ركضت في الشارع المظلم، وقلبها يصرخ، لا من الخوف على نفسها، بل من الخوف على ما فقدته، وعلى الثمن الذي دفعته. ثمنٌ غالٍ دفعته من روحها، ومن أحلامها، من أجل وهمٍ زائفٍ كشف عن وجهه البشع في النهاية.
عندما وصلت إلى منزلها، دخلت كالشبح. لم تجرؤ على إيقاظ أحد. تسللت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. جلست على الأرض، تستند إلى الباب، وعيناها مغمضتان، تتسرب منها الدموع بصمت. لقد أدركت في تلك اللحظة، أنها لم تكن فقط مخدوعةً من "فهد"، بل كانت مخادعةً لنفسها. لقد سمحت لإغراءات العالم الزائف أن تسرقها من سلامها، ومن نقائها. كانت قد بدأت رحلةً للبحث عن الذات، لكنها تعثرت في طريقها، ووقعت في هاويةٍ مظلمة. لكن في تلك العتمة، كان هناك بذرةٌ صغيرة من الأمل، بذرةٌ تقول لها: "حتى في أعماق الظلام، يمكنكِ أن تجدي نوراً."