روحي تعشقك الجزء الثالث

دروبٌ متقاطعةٌ ومشاعرٌ متضاربة

بقلم سارة العمري

في صباح اليوم التالي، استيقظت "نور" والشمس قد اخترقت شقوق ستائر غرفتها، لتلقي بأشعتها الذهبية على وجهها الشاحب. أجهدت عيناها قليلاً وهي تتأقلم مع الضوء، فقد قضت ليلةً طويلةً في البكاء الصامت. لقد أصبحت الغرفة، التي كانت يوماً ملاذها، تبدو الآن كمسرحٍ لجريمةٍ روحية، حيث فقدت براءتها وثقتها بنفسها.

قررت "نور" أن تغادر منزل عائلتها مؤقتاً، لبعض الوقت. لم تستطع مواجهة نظرات والدتها القلقة، أو صمت والدها الذي يحمل الكثير من الأسئلة. شعرت أن عليها أن تعالج جراحها بنفسها، بعيداً عن أعين الرقباء. اتصلت بـ"ليلى"، صديقتها المقربة، التي كانت دائماً صخرتها وسندها.

"ليلى، هل يمكنني البقاء معكِ لبضعة أيام؟" سألت "نور" بصوتٍ متردد، يكاد يخفيه رنين الهاتف.

"يا نور، بالطبع! ما الأمر؟ هل أنتِ بخير؟" جاء صوت "ليلى" محمساً ومليئاً بالقلق. "أتيتكِ فوراً."

لم تسمح "نور" لـ"ليلى" بالمجيء إليها، بل طلبت منها أن تلتقيا في مقهى هادئ بعيداً عن الأنظار. هناك، سردت "نور" لـ"ليلى" ما حدث، ليس كل التفاصيل، بل فقط ما يكفي لتفهم حجم الألم الذي لحق بها. غمرت "ليلى" بالأسى، وامسكت بيد "نور" بحنان.

"يا حبيبتي، ألم أقل لكِ أن "فهد" ليس الشخص المناسب؟ لكنكِ كنتِ مصممة. المهم الآن أنكِ بخير، وأنكِ قوية بما يكفي لتواجهي هذا."

"قوية؟ أشعر أنني أضعف من أي وقت مضى." همست "نور" بصوتٍ متكسر. "لقد فقدت جزءاً مني."

"لن تفقديه يا نور. أنتِ رائعة، وهذه التجربة ستجعلكِ أقوى وأكثر حكمة. المهم هو أن تتعلمي من أخطائكِ، وتستعيدي قوتكِ."

وافقت "نور" على الإقامة في منزل "ليلى" لفترةٍ قصيرة. بدأت تتلمس طريقها نحو الشفاء، تتجنب التفكير في "فهد" أو في علاقتهما المنهارة. كانت تقضي أيامها في القراءة، وفي المشي في الحدائق الهادئة، وفي الحديث مع "ليلى" عن كل شيءٍ إلا عن ماضيها القريب.

في هذه الأثناء، كان "بدر" يعيش فترةً من القلق والترقب. كان قد مر وقتٌ طويلٌ منذ آخر مرةٍ تحدث فيها مع "نور". حاول الاتصال بها عدة مرات، لكنها لم تجب. أرسل لها رسائل، لكنها بقيت دون رد. بدأ يشعر بخيبة أملٍ ممزوجةٍ بالقلق. هل كانت تتجنبه؟ هل قررت شيئاً يخص حياتها لم يكن هو جزءاً منه؟

في إحدى الأمسيات، بينما كان "بدر" يتجول في السوق القديم، يلتقي بأصدقائه القدامى، لمح "نور" تجلس مع "ليلى" في أحد المقاهي. بدا وجهها متعباً، لكنها كانت تبتسم لـ"ليلى" بخفة. شعر "بدر" بسعادةٍ مفاجئة، ممزوجةٍ بحذر. هل كان هذا يعني أنها استعادت بعضاً من نورها؟

قرر "بدر" ألا يقترب منها مباشرةً، حتى لا يشعرها بالحرج. لكنه لم يستطع منع قلبه من الابتهاج برؤيتها. تابع طريقه، لكنه لم يستطع إخراج صورة "نور" من ذهنه.

في اليوم التالي، وبينما كان "بدر" مشغولاً بعمله في المكتبة، جاءه رجلٌ غريب، يبدو أنه يعمل لدى "فهد". قدم له رسالةً مغلقة. ترددت يدا "بدر" قليلاً قبل أن يفتحها. كانت الكلمات خطيةً بطريقةٍ متكلفة، تحمل تهديداً مبطناً.

"إذا كنتَ ما زلتَ تهتم بـ"نور"، فلتتوقف عن البحث عنها. إنها ملكي، ومن يحاول التدخل فسيدفع الثمن غالياً. لا أريد أن أراكَ قريباً منها أبداً."

شعر "بدر" بالدماء تتجمد في عروقه. "فهد"؟ هل كان هذا الرجل هو نفسه الذي كانت "نور" تتحدث عنه؟ الرجل الذي وصفته بأنه "غير مناسب"؟ أدرك "بدر" الآن حجم المشكلة التي وقعت فيها "نور". إنها لم تكن مجرد علاقةٍ عادية، بل كانت أسيرةً لشخصٍ خطير.

لم يأخذ "بدر" تهديدات "فهد" باستخفاف. فهو يعرف كيف يمكن للأموال والنفوذ أن يشتريا الولاء، وأن تخلقا أعداءً أينما ذهبت. لكنه لم يكن مستعداً للتخلي عن "نور". لقد رأى فيها ما لم يره الآخرون، رأت فيها نقاءً وصدقاً، ورأت فيها إنسانيةً فريدة.

قرر "بدر" أن يكون أكثر حذراً. لن يتصل بـ"نور" مباشرةً، ولن يواجه "فهد" بشكلٍ علني. بل سيبدأ في جمع المعلومات، وفهم طبيعة "فهد" وقوته. سيتصرف كظلٍ، يراقب، ويتأهب، في انتظار الفرصة المناسبة للتدخل.

في تلك الأثناء، بدأت "نور" تستعيد شيئاً من قوتها. بدأت تكتب خواطرها، تعبر عن ألمها، عن خيباتها، وعن توبتها. وجدت في الكتابة منفذاً لروحها، وطريقةً لإعادة بناء نفسها. كانت كلماتها صادقة، مؤثرة، تحمل طابعاً وجودياً عميقاً.

كانت "ليلى" تشجعها باستمرار. "يا نور، يجب أن تستغلي هذه الموهبة. كلماتكِ قوية، ويمكن أن تساعد الكثيرين ممن يمرون بما مررتِ به."

بدأت "نور" تفكر في مشاركة كتاباتها، لكنها كانت لا تزال تخشى أن تكشف عن هويتها. ما زالت تشعر بالخجل من ماضيها، ومن هشاشتها.

في نهاية الأسبوع، قررت "نور" أن تعود إلى منزل عائلتها. شعرت بالوحدة، وبالحاجة إلى دفء العائلة. استقبلها والداها بحبٍ وامتنان. كانا قد علقا على اختفائها، لكنهما لم يغضبا منها، بل تفهما أن هناك ما كان يحدث.

عندما جلست "نور" مع والدتها، قالت لها والدتها بحنان: "يا ابنتي، الحياة ليست دائماً سهلة. نتعثر، نخطئ، لكن الأهم هو أن نتعلم، وأن ننهض من جديد."

أدركت "نور" أن ألمها لم يكن النهاية، بل كان بدايةً لرحلةٍ جديدة. رحلةٌ ستكون مليئةً بالتحديات، لكنها رحلةٌ ستقودها إلى اكتشاف ذاتها الحقيقية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%