الفصل 1 / 25

أنت وحدك

رياح الشام الأولى

بقلم سارة العمري

ارتعشت يدها وهي تمسك بقلم الخط، كادت أن تسقطه أرضاً لولا براعة أصابعها التي اعتادت دقة التفاصيل. كان ذلك النهار في دمشق، مدينة الياسمين، تشرق الشمس خجولة خلف قمم جبال القلمون، ترسل خيوطها الذهبية لتداعب مآذن المساجد العتيقة، وتلثم وجوه المساكن المتراصة التي شهدت قروناً من الحضارة والتاريخ. في ركن غرفتها الفسيحة، المزينة بقطع أثاث من الخشب المنقوش بعناية، وبين عبق البخور الذي تفوح رائحته ممزوجة بعبير الزهور، جلست "ليلى" على مكتبها، تتأمل مخطوطة قديمة. لم تكن مجرد أوراق عادية، بل كانت رحلة إلى عالم آخر، عالم تحلم بأن تعيشه يوماً ما.

كانت ليلى، فتاة في ربيعها الثاني والعشرين، تتمتع بجمال هادئ ورزانة ملحوظة. عيناها الواسعتان بلونهما العسلي تعكسان عمقاً وحكمة تفوقان سنها. شعرها الأسود الداكن، المنسدل على كتفيها، كان دائماً ما تلفه بعناية بطرحة أنيقة، تتناسب مع وقارها. كانت تحفظ كتاب الله كاملاً، وتجيد الخط العربي بمهارة نادرة، خاصة خط النسخ والثلث، وقد حازت على جوائز عدة في هذا المجال. لكن خلف هذا الهدوء الظاهر، كانت تخفي شوقاً عارماً لمغامرة، لقصة حب تليق بقلبها النقي، حب يبدأ بنظرة، ويتوج بكلمة، ويكتمل بعقد يبارك السماء.

كانت تعمل في مكتبة "دار الأندلس" العريقة، وهي صرح ثقافي ضخم في قلب دمشق القديمة. كانت مهمتها الاعتناء بالمخطوطات النادرة، وترميم ما يمكن ترميمه، والبحث عن كنوز الأدب والتاريخ. قضت ساعات طوال بين رفوف الكتب المتربة، مستنشقة عبق الورق القديم، تتحدث مع الأجداد عبر سطورهم. في أحد الأيام، وبينما كانت تفحص صندوقاً قديماً وصل حديثاً، عثرت على مجموعة من الرسائل المغلقة، يبدو عليها القدم الشديد، مزينة بختم شمعي أزرق باهت. فضولها دفعها لفتح إحداها بحذر.

كانت الرسالة مكتوبة بخط يد رجولي أنيق، لكنها لم تكن موجهة إليها. كانت رسالة حب، مكتوبة بلغة عربية فصحى ساحرة، تتغزل بفتاة تدعى "نور". قرأت ليلى الكلمات بذهول، وكأنها تقرأ رواية خيالية. كانت تلك الرسالة الأولى التي قرأتها، ثم تبعتها رسائل أخرى، كل منها تحمل مشاعر جياشة، وشوقاً عميقاً، وحنيناً مؤلماً. لم تكن تعرف من هو كاتب هذه الرسائل، ولا من هي "نور"، لكنها شعرت بشيء ما يربطها بهذه القصة.

في أحد الأيام، وبينما كانت غارقة في قراءة رسالة أخرى، دخلت إلى المكتبة "سارة"، صديقة ليلى الوحيدة وزميلتها في العمل. سارة، فتاة مفعمة بالحيوية والضحك، ذات شعر أحمر لامع وعيون خضراء متلألئة، كانت تمثل النقيض تماماً لليلى الهادئة.

"ماذا تقرئين هذه المرة يا فنانة؟" سألت سارة وهي تضع حقيبتها على أقرب طاولة. "تبدين وكأنكِ اكتشفتِ خريطة كنز."

ابتسمت ليلى بخفة، ووضعت الرسالة جانباً. "شيء قديم، لكنه ساحر."

"هل تعودين إلى هوايتكِ المفضلة؟ البحث عن قصص الحب المنسية؟" ضحكت سارة، ثم أردفت: "أتمنى أن تجدي لكِ قصة حب خاصة بكِ يوماً ما، قصة حلال، تجعل قلبكِ يرفرف."

نظرت ليلى إلى سارة، وشعرت بغصة في حلقها. كانت تتمنى ذلك بشدة، لكنها لم تكن تعرف كيف. تقدم لخطبتها عدد قليل من الشباب، لكن لم يشعر قلبها تجاه أي منهم بالانجذاب، أو حتى بالراحة الكافية. كانت تبحث عن شريك حياة، عن رفيق درب، عن روح تشبه روحها.

قالت ليلى: "أتمنى ذلك يا سارة، لكن الظروف لا تساعد غالباً."

"لا تقولي ذلك، يا ليلى. الأرزاق بيد الله، ولكن أسباب الأرزاق تأتي أيضاً. ربما لقاء صدفة، أو دعوة من قلب صادق، أو حتى... ظهور صاحب هذه الرسائل." قالت سارة وهي تشير إلى الرسائل المبعثرة على المكتب.

كانت ليلى قد أخبرت سارة بما وجدته، وأخبرتها عن شغفها بهذه الرسائل. كانت سارة دائماً تدعم أحلام ليلى، حتى تلك التي تبدو مستحيلة.

"ومن يدري؟" قالت ليلى وعيناها تلمعان بالأمل. "ربما يكون هذا الرجل يبحث عن حبيبته المفقودة، وربما... وربما."

في تلك اللحظة، دخل إلى المكتبة رجل في منتصف الثلاثينات، يرتدي ملابس أنيقة، ويحمل في يده مصحفاً صغيراً. كان شعره أسود قصيراً، ولحيته خفيفة، وملامحه توحي بالجدية والوقار. عيناه، التي كانت تلمعان بذكاء وعمق، تجولتا في المكان، ثم استقرت على ليلى.

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." قال بصوت رخيم.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." ردت ليلى وسارة بصوت واحد.

اقترب الرجل من المنضدة التي تجلس عليها ليلى. "أنا أبحث عن المخطوطات القديمة، خاصة تلك التي تتعلق بالشعر والأدب الأندلسي. هل لديكم شيء كهذا؟"

نظرت ليلى إلى الرجل، وشعرت بانجذاب غريب. كان هناك شيء في عينيه، في صوته، يشبه إلى حد كبير ما قرأته في الرسائل.

"نعم، لدينا الكثير." أجابت ليلى، وهي تشعر بارتباك طفيف. "ولكن هل لديك اسم معين تبحث عنه؟ أو حقبة زمنية محددة؟"

"لست متأكداً تماماً." قال الرجل، ثم توقف لحظة. "كنت أبحث عن أعمال شاعر قديم، اسمه 'مالك بن الريان'."

تجمدت ليلى في مكانها. "مالك بن الريان؟"

"نعم. هل تعرفه؟" سأل الرجل، وقد لاحظ عليها التغير المفاجئ.

"أعتقد ذلك." قالت ليلى بصوت مرتجف قليلاً. "لدينا بعض النسخ المخطوطة لأعماله، ولكن... هل تبحث عن عمل معين؟"

"في الواقع، كنت أبحث عن مجموعة من الرسائل الشخصية التي كان يتبادلها مع محبوبته. قيل لي إنها قد تكون محفوظة هنا." قال الرجل، وعيناه تراقبان ردة فعل ليلى.

شعرت ليلى وكأن الأرض تميد بها. هل يمكن أن يكون هذا الرجل هو كاتب الرسائل؟ هل هو "مالك بن الريان" نفسه، أو ربما وريثه؟

"رسائل؟" سألت بصوت خافت. "عفواً، ما اسم حضرتك؟"

"اسمي 'طارق'." أجاب الرجل، وهو يمد يده. "طارق الحناوي."

مصافحته كانت قوية ودافئة. شعرت ليلى بكهرباء تسري في عروقها.

"ليلى." عرفت نفسها، وهي تشعر بأن وجهها قد احمر.

"أهلاً بكِ يا ليلى." قال طارق، وقد لاحظ احمرارها، لكنه لم يعلق. "إذًا، هل هناك أي أثر لهذه الرسائل؟"

ترددت ليلى للحظة. هل يجب أن تخبره بما وجدته؟ هل هي حقيقية؟ أم أنها مجرد وهم صنعته مخيلتها؟

"لا أعرف بالضبط." قالت أخيراً، محاولة أن تبدو هادئة. "ولكن لدي صندوق من الرسائل القديمة، ربما تكون هي. سأحضرها لك."

ذهبت ليلى إلى مخزن المخطوطات، وقلبها يدق بعنف. كانت تشعر بأنها على وشك أن تكشف عن سر قد يغير حياتها، أو ربما حياة شخص آخر. عادت وهي تحمل الصندوق الخشبي الصغير، ووضعته على المنضدة أمام طارق.

"هذه هي." قالت، وقد تملكتها الرهبة. "لم أفتحها بالكامل، ولكن يبدو عليها القدم، ولديها ختم شمعي."

فتح طارق الصندوق ببطء، وشعر بيديه ترتعشان. رأى الرسائل المتراصة، وعبق الورق القديم يفوح منها. ثم رأى الختم الشمعي الأزرق الباهت.

"هذا هو." قال طارق بصوت مختنق. "هذه هي الرسائل. لقد وجدتها."

نظر إلى ليلى، وعيناه تلمعان بمزيج من الشكر والدهشة. "لم أكن أتوقع أبداً أن أجدها. هذه الرسائل تخص جدي، المرحوم مالك بن الريان. لقد فقدتها عائلتنا منذ سنوات طويلة، ولم نكن نعرف مكانها. كنت أبحث عنها منذ سنوات."

كانت ليلى تتأمله، وتشعر بأنها تقف أمام بطل من أبطال قصصها. لم تكن مجرد رسائل، بل كانت جزءاً من تاريخ عائلة، وجزء من حلم.

"ولكن... من هي 'نور'؟" سألت ليلى، ولم تستطع كبت فضولها. "هل كانت...؟"

ابتسم طارق ابتسامة خفيفة، تحمل بعض الحزن. "نور كانت حب حياته. خطيبته التي توفيت في حادث قبل زواجهما. كانت هذه الرسائل تعبر عن حبه العميق لها، وشوقه الذي لم ينتهِ. لم يتزوج بعدها أبداً."

شعرت ليلى بوخزة في قلبها. يا لها من قصة مؤثرة!

"هذه الرسائل ثمينة جداً بالنسبة لنا." قال طارق. "إنها تحمل ذكريات غالية. كيف وجدتها؟"

"في صندوق قديم وصل للمكتبة." أجابت ليلى. "كنت أعمل على فرزه. قرأت بعضها بدافع الفضول، وشعرت بسحرها."

"شكرًا لكِ يا ليلى. شكرًا جزيلاً." قال طارق، ونظر إلى عينيها بعمق. "لقد كنتِ سبباً في استعادة قطعة من ماضي عائلتنا."

كانت ليلى تشعر بالخجل والسعادة في آن واحد. كانت هذه بداية غريبة، ولكنها مشوقة. هل يمكن أن تكون هذه بداية لشيء جديد؟ شيء مختلف؟

"العفو." قالت ليلى، وعيناها تلتقيان بعينيه. "كان واجبي. ولكن... هل تسمح لي بالاحتفاظ بنسخة منها؟ لأستمتع بجمال الكلمات؟"

ابتسم طارق. "بالتأكيد. سأعطيكِ نسخة مطبوعة، بل وربما سأطلب منكِ مساعدتي في تحقيق بعضها. يبدو أن لديكِ شغفاً بهذا النوع من الأدب."

كانت هذه الكلمات كأنها بلسم على روح ليلى. شعرت بأنها وجدت روحاً تشبهها، شخصاً يقدر الكلمات، ويفهم سحر التاريخ.

"يسعدني ذلك." قالت ليلى، وقلبها يخفق إيقاعاً جديداً.

عندما غادر طارق، تركت المكتبة وراءه عبقاً غريباً، مزيجاً من رائحة الكتب القديمة ورائحة رجل لم تعرفه إلا للتو، ولكنه ترك بصمة لا تُمحى. نظرت ليلى إلى الرسائل التي بقيت، وشعرت بأنها بدأت فصلاً جديداً، فصلاً لم تكن تتوقعه أبداً، فصلاً يحمل في طياته رياح الشام الأولى، وبداية قصة قد تكون أجمل من كل ما قرأته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%