الفصل 16 / 25

أنت وحدك

هبوب الرياح العاتية

بقلم سارة العمري

كانت نسمات المساء الندية تبعث برياحين عطرية في أرجاء القصر، تحاكي في رقتها وعبيرها ما يختلج في صدر ليلى من مشاعر متلاطمة. جلست على شرفة غرفتها المطلة على حديقة مزدانة بالياسمين، تتأمل القمر الذي أخذ يبدو ممتلئًا، شاهدًا صامتًا على أحداث الأيام الماضية. كان قلبها يخفق بوتيرة سريعة، ممزوجة بشيء من الخوف والترقب. لم تكن مجرد مشاعر عادية، بل كانت إرهاصات لما هو قادم، لِما قد يقلب عالمها الهادئ رأسًا على عقب.

تذكرت آخر لقاء جمعها بخطيبها، سيف. كان الأمر قبل أيام قلائل، في مجلس عائلي ودي. تحدثا بصوت خفيض، تتبادلان أحلام المستقبل، وتخططان لبناء عش زوجية يرضي الله. كان سيف، في نظرتها، مثالاً للرجل الصالح، ذي الخلق الرفيع، والكرم الأصيل. لكن في الأيام الأخيرة، شعرت ببرود غريب يسري في كلماته، وبتباعد ملحوظ في حديثه. لم تكن قادرة على تحديد سببه، لكنه كان موجودًا، كظل لاصق يفسد صفاء علاقتها به.

فجأة، سمعت صوت خطوات تقترب. لم تكن الخطوات المألوفة لخادمتها. كانت أثقل، وأكثر ثباتًا. التفتت لترى والدها، الأمير يوسف، يقف عند مدخل الشرفة، وعلى وجهه تعابير تحمل مزيجًا من الجدية والقلق.

"ليلى، بنيتي، ما الذي تجلسين وحدكِ فيه هكذا في هذا الوقت المتأخر؟" سأل بصوت هادئ، لكنه حمل نبرة لم تعتدها.

نهضت ليلى واقفة، وقالت بتردد: "كنت أتأمل السماء يا أبي. هل من أمر؟"

اقترب الأمير يوسف، ووضع يده بحنان على كتفها. "أردت أن أتحدث معكِ في أمر جلل، أمر يخص مستقبلكِ، ومستقبل عائلتنا."

شعرت ليلى بقبضة باردة تتسلل إلى قلبها. "خيرًا إن شاء الله يا أبي."

"لقد وصلتنا أخبار، أخبار مزعجة جدًا، تتعلق بسيف." قالها ببطء، وكأنه يزن كل كلمة قبل أن تنطق بها.

توسعت عينا ليلى بدهشة، ولمعت فيهما نظرة خوف. "سيف؟ ماذا حدث لسيف؟ هل هو بخير؟"

"هو بخير جسديًا، ولكن... هناك ما هو أعمق من ذلك." تردد والدها، ثم أردف: "لقد تأكدت اليوم صحة معلومات كانت تصلنا منذ فترة، ولكننا لم نرد تصديقها. سيف... ليس هو الشخص الذي نظنه."

اختلطت المشاعر في صدر ليلى. حب سيف، ثقتها به، كل ذلك كان يتعارض مع ما يسمعه. "ماذا تقصد يا أبي؟ لا أفهم."

"لقد تبين أن سيف، وفي غفلة منا، كان على تواصل سري مع أعداء الدولة. ليس مجرد تواصل، بل كان يزودهم بمعلومات حساسة عن تحركاتنا، وعن خططنا المستقبلية. هناك أدلة دامغة، رسائل، توقيعات. الأمر خطير جدًا، ويتجاوز حدود الخيانة الزوجية إلى الخيانة العظمى."

صُدمت ليلى. كادت أن تسقط على ركبتيها لولا أنها تمسكت بسور الشرفة. سيف؟ خائن؟ الرجل الذي أحبته، الذي اختارته قلبها، الذي رأت فيه شريك حياتها؟ كيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟

"لا... لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا يا أبي! أنت مخطئ! سيف أتقى وأشرف من أن يفعل شيئًا كهذا!" قالت بصوت مرتجف، والدفاع عن سيف كان غريزيًا، وإن كان قلبها بدأ يشعر بوخز الشك.

"ليلى، أعرف أن هذا مؤلم جدًا لكِ. والله يعلم كم آلمني أنا أيضًا. لقد حاولت جاهدًا أن أجد تفسيرًا آخر، أن أصدق أن هناك سوء فهم. ولكن الأدلة واضحة. لقد اجتمع مجلسنا قبل قليل، واتخذنا قرارًا حاسمًا."

"قرارًا؟ ما هو القرار؟" سألت بصوت يكاد يكون مسموعًا.

"بسبب خطورة الأمر، وللحفاظ على أمن الدولة، وبناءً على أدلة لا تقبل الشك، قررنا القبض على سيف فورًا، وسيتعرض للمحاكمة العسكرية. لا مجال للمجاملات في أمور الوطن."

انهمرت الدموع من عيني ليلى كالسيل. لم تستطع أن تستوعب حجم الكارثة التي حلت بها. لقد تحطم عالمها المثالي، وتحول إلى رماد. سيف، خطيبها، خان الدولة، وخانها هي.

"ولكن... ماذا عن خطبتنا؟ ماذا عن زواجنا؟" سألت بصوت مخنوق.

تنهد والدها بعمق. "الخطوبة ملغاة فورًا، ولن يكون هناك أي زواج. إنها فضيحة كبرى، ولا يمكننا أن نربط اسم عائلتنا برجل خائن. بل إننا سنعمل على تطهير اسمنا من هذه الشبهة قدر الإمكان."

شعرت ليلى بأنها تختنق. لم تعد تشعر بما حولها. تلاشت رائحة الياسمين، وتلاشت أصوات الليل. كل ما سمعته هو كلمة "خائن" و"ملغاة" و"محاكمة".

"علينا أن نبدأ بتجهيز كل شيء يا ليلى، قبل أن ينتشر الخبر. يجب أن نحمي سمعة العائلة. وسأبلغكِ بالتفاصيل لاحقًا." قال والدها، ثم غادر الغرفة، تاركًا إياها في دوامة من الحزن والصدمة.

وقفت ليلى في الشرفة، وعيناها شاخصتان إلى الفراغ. كانت الشمس قد غابت تمامًا، تاركة السماء مظلمة لا يعكر صفوها إلا لمعان النجوم المتلألئة. لكن ظلمة قلبها كانت أشد. كيف ستبدأ من جديد؟ كيف ستتجاوز هذه الخيانة، وهذا الانهيار؟ هل كانت كل تلك الأيام الجميلة، وكل تلك الأحاديث الصادقة، مجرد تمثيلية بارعة؟

فجأة، شعرت بيد أخرى تلمس يدها. نظرت لتجد شقيقتها الكبرى، ريم، تقف بجوارها، وعيناها تفيضان بالحزن والتفهم. احتضنتها ريم بقوة، وقالت بصوت فيه نبرة مواساة: "أنا هنا يا ليلى. أعرف كم هو مؤلم. ولكننا سنتجاوز هذا معًا."

ضمت ليلى شقيقتها، وبكت بحرقة، تبكي على حب ضائع، وعلى ثقة محطمة، وعلى مستقبل أصبح مجهولاً. كانت تلك الليلة، هي بداية عاصفة هوجاء، ستجتاح عالمها، وتجبرها على مواجهة حقائق لم تتخيلها يومًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%