الفصل 17 / 25

أنت وحدك

أصداء الخيانة

بقلم سارة العمري

تداخلت الأفكار في عقل ليلى كخيوط متشابكة، وكلما حاولت فكها، ازدادت عقدًا. لم تعد تدرك أين هي الحقيقة وأين الوهم. كانت صورة سيف، بابتسامته التي كانت تظنها صادقة، تومض أمام عينيها، ثم تتلاشى لتحل محلها صور أخرى، صور مخيفة، صور لرجل لا تعرفه. كانت كلمات والدها تتردد في أذنيها: "خيانة عظمى"، "أعداء الدولة"، "محاكمة عسكرية". لم تكن كلمات عادية، بل كانت سهامًا خارقة تخترق قلبها، وتترك فيه جراحًا غائرة.

في اليوم التالي، خيم صمت ثقيل على القصر. الجميع كان يعلم بالأمر، ولكن لا أحد تجرأ على البوح به إلا في نطاق ضيق. كان الأمير يوسف قد اتخذ إجراءاته بحزم وسرعة. تم إغلاق جميع المنافذ المؤدية إلى القصر، وتكثيف الحراسة. لم يعد الأمر يتعلق بخيانة زوجية، بل أصبح قضية أمن دولة.

حاولت ليلى أن تعيش حياتها بشكل طبيعي، ولكن كيف ذلك؟ كل شيء حولها كان يذكرها بسيف. رائحة عطره التي كانت تحبها، المكان الذي التقيا فيه لأول مرة، النكت التي كان يرويها. كل ذكرى كانت بمثابة وخزة في قلبها. كانت ريم، شقيقتها، ملازمة لها، تحاول أن تبعد عنها شبح اليأس، وأن تعيد إليها شيئًا من اتزانها.

"ليلى، عليكِ أن تتناولي طعامكِ. أنتِ بحاجة إلى القوة." قالت ريم، واضعة طبقًا من الفاكهة أمامها.

نظرت ليلى إلى الفاكهة بنفور. "لا أشتهي شيئًا يا ريم. كيف أشتهي والطعام يختنق في حلقي؟"

"هذا ما يريده هو، أن يراكِ هكذا. أن يراكِ منكسرة. عليكِ أن تظهرين له، وللجميع، أنكِ أقوى من هذه الخيانة." قالت ريم بحزم، وهي تعرف أن الكلمات القاسية أحيانًا تكون الدواء الأفضل.

"أقوى؟ كيف أكون قوية يا ريم؟ لقد أحببته، وثقت به. لقد رأيت فيه مستقبلي. والآن؟ أصبح مجرد خائن."

"الحب ليس ضعفًا يا ليلى. أن تحبي ليس ضعفًا. الضعف هو أن تتركي له أن يحطمكِ. أنتِ ابنة الأمير يوسف. لديكِ كرامة، ولديكِ اسم. وعليكِ أن تحافظي عليهما."

أخذت ليلى قطعة من التفاح، وبدأت تأكلها ببطء، وكأنها تأكل مرارة الذكريات.

في غضون ذلك، كانت الأنباء تتسرب بحذر. لم يكن من الممكن إخفاء الأمر تمامًا. بدأت الهمسات تتناقل بين الخدم، وبين أهل المدينة الذين عرفوا بمدى قرب سيف من القصر. كان الجميع في حالة ذهول. لم يكن سيف معروفًا إلا بالصلاح والتقوى. كيف يمكن لرجل كهذا أن يقع في مستنقع الخيانة؟

كان الأمير يوسف يعمل بلا كلل. كان يلتقي بمستشاريه، يراجع الأدلة، ويتخذ القرارات الحاسمة. كانت الدولة في حالة تأهب. لم تكن القضية مجرد خيانة فردية، بل كانت تتعلق بأمن واستقرار المملكة.

ذات مساء، دخل الأمير يوسف إلى غرفة ليلى. كانت جالسة بجوار النافذة، تحدق في الخارج بعينين زائغتين.

"ليلى، هل أنتِ مستعدة للحديث؟" سأل بهدوء.

أومأت ليلى برأسها.

"لقد تم التحقيق مع سيف." قال والدها، وهو يجلس بجوارها. "كانت اعترافاته مفصلة. لقد اعترف بكل شيء. كان يتلقى المال والمعلومات من جهات خارجية، بهدف إضعاف مملكتنا. لقد كان يعتقد أنه يقوم بعمل بطولي، وأنه سيصبح بطلاً لدى هؤلاء الأعداء."

"مال؟" سألت ليلى بصوت خافت. "هل كان يفعل ذلك من أجل المال؟"

"لم يكن الأمر مجرد مال. لقد كان هناك وعد بالجاه والسلطة. لقد وعدوه بمنصب رفيع إذا نجحت خطتهم. كان يرى في نفسه أنه أحق من غيره. لقد انخدع ببريق الدنيا، وأضاع نفسه."

شعرت ليلى بغثيان. هل كان هذا هو سيف الذي عرفته؟ الرجل الذي كان يتحدث عن الزهد والقناعة؟ هل كان كل ذلك زيفًا؟

"ولماذا فعل ذلك؟ هل كان لديه سبب شخصي؟ هل أسأنا إليه؟" سألت، وهي تبحث عن أي تفسير قد يخفف من وطأة الألم.

"لم يكن هناك سبب شخصي مباشر. لقد كان يعتقد أنه مستبعد، وأن الآخرين يحصلون على فرص لا يستحقونها. ولكنه في الحقيقة، كان ضحية للتلاعب. هناك شخص آخر، شخص ماكر، استغل طموحه وغروره، وزرع في قلبه بذور الحقد والضغينة. هذا الشخص هو العقل المدبر، وسيف كان مجرد أداة."

"وهل عرفتم من هو هذا الشخص؟" سألت ليلى بأمل، وكأن العثور عليه سيخفف من وطأة خيانة سيف.

"نعم، لقد عرفنا. إنه شخص قريب منا، شخص كان يظن أنه صديق. لقد كان يتآمر في الخفاء، ويستغل ضعفات الآخرين. لقد تم القبض عليه أيضًا، وسينال عقابه العادل."

شعرت ليلى بشيء من الارتياح، ولكن الألم لم يختفِ. لقد كان هذا الانكشاف مؤلمًا، ولكنه كان ضروريًا. كانت الحقيقة، مهما كانت قاسية، أفضل من العيش في وهم.

"لقد ألغيت الخطوبة رسميًا يا ليلى. وتم إبلاغ عائلة سيف بالأمر. كانت ردة فعلهم بالصدمة والإنكار في البداية، ولكنهم ما لبثوا أن اقتنعوا بالأدلة." قال والدها.

"هل سيحاكم؟" سألت ليلى، وهو صوتها بالكاد يخرج.

"نعم. ستكون محاكمة عادلة، وفقًا لشريعة الله وقوانين الدولة. ولا مفر له من العقاب إذا ثبتت إدانته."

نظرت ليلى إلى والدها، ورأت في عينيه حزنًا عميقًا، ليس فقط على ما حدث، بل على ما كان يمكن أن يكون.

"أعلم أن هذا مؤلم جدًا لكِ يا ليلى. ولكن عليكِ أن تتذكري أنكِ لم تكنِ على خطأ. لم يكن هو على حق. لقد أضاع هو نفسه، وأضاع معه فرصة سعيدة لنا جميعًا. والآن، علينا أن ننظر إلى الأمام."

"إلى الأمام؟ كيف لي أن أنظر إلى الأمام وأنا لا أزال أرى وجهه؟" سألت بصوت مختنق.

"بالدعاء يا ليلى. بالصبر. وبالثقة في أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. لقد حدث ما حدث. وما علينا الآن إلا أن نتعلم من هذه التجربة، وأن نزداد قوة، وأن نتقرب إلى الله أكثر."

لم تستطع ليلى أن ترد. بقيت صامتة، وقلبها ينزف. كانت هذه الليلة، هي الليلة التي بدأت فيها حقًا رحلة الشفاء، رحلة طويلة وشاقة، ستتطلب منها كل ما لديها من قوة وإيمان. كانت أصداء خيانة سيف ستظل تلاحقها، ولكنها كانت مصممة على ألا تدعها تهزمها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%