الفصل 4 / 25

أنت وحدك

وهج الذكريات وفتنة الحاضر

بقلم سارة العمري

كانت نسائم المساء تحمل معها عبير الياسمين وزهر الليمون، تداعب وجنات "ليلى" وهي تقف على شرفة دارها الفسيح، تتأمل النجوم التي بدأت تتلألأ في سماء الرياض الصافية. الشفق الأحمر كان يصبغ الغيوم بخيوط ذهبية، مشهدٌ يمتلك من الجمال ما يكفي لتهدئة أي نفس قلقة، لكن قلبها ظلّ معلقاً بخيوطٍ أخرى، خيوطٍ من ماضٍ لا يزال يئنّ تحت وطأة الحاضر.

"يا ليلى، ألا تدخلين؟ البرد بدأ يتسلل." صوت والدتها، السيدة "فاطمة"، جاء هادئاً يحمل دفء الأمومة المعهود، قاطعاً شرودها.

التفتت ليلى بابتسامة خجولة، تقول: "قادمة يا أمي. كنتُ أستمتع بالمنظر."

في الداخل، كانت رائحة القهوة العربية والهيل تفوح، تجعل المكان أشبه بمسكَنٍ للأرواح المتعبة. والدها، الشيخ "عبد الرحمن"، كان يجلس في صدر الديوان، يستقبل ضيفاً جديداً، شابٌ يافعٌ بدت عليه سمات الوقار والحياء. كان "أحمد"، الشاب الذي تحدثت عنه والدتها بلهجةٍ ملؤها الأمل.

جلس أحمد أمام الشيخ عبد الرحمن، وصوته كان واضحاً ونقياً وهو يتلو آيات من القرآن الكريم استهل بها حديثه، كأنما يستمدّ من كلام الله قوةً وبركة. كان الشيخ عبد الرحمن ينظر إليه بعينين تفيضان بالمحبة والتقدير، بينما كانت السيدة فاطمة تبتسم بحنوّ وهي تراقب هذه البداية الطيبة.

"أحمد، لقد سمعنا عن أخلاقك ودينك من آل فلان، وهم أهل ثقة. نعم، نعم، إنّ بيت المالكة كـ"سارة" هو بيتٌ كريمٌ، ونسلها طيب." قال الشيخ عبد الرحمن بترحيبٍ حارّ، يلمح إلى أن ابنتهم "سارة" هي ابنة عم ليلى، والتي أُشير إليها سابقاً كسببٍ محتملٍ لخطبة أحمد.

لكن ليلى، رغم حضورها، شعرت ببرودةٍ غريبة تسري في أوصالها. لقد أُشير إلى "أحمد" كخاطبٍ محتملٍ لسارة، وهي ابنة عمها. لم يكن هذا الخبر جديداً عليها تماماً، فقد سمعت همساتٍ هنا وهناك، لكن سماعها الآن، في هذا السياق، ووسط هذا الجوّ العائلي المبهج، أثار في نفسها شيئاً لم تستطع تفسيره.

كانت ليلى، في نظر الجميع، فتاةً مثالية؛ ذكية، أديبة، عفيفة، وذات جمالٍ هادئٍ أخّاذ. لكن تحت قناع الهدوء هذا، كانت هناك جبالٌ من المشاعر المتلاطمة، وأنهارٌ من الأفكار المتدفقة، أغلبها كان مرتبطاً بذلك الاسم الذي علق في روحها: "مالك".

مالك. الاسم الذي أصبح كوشمٍ لا يُمحى على صفحة أيامها. قبل عامين، في تلك الرحلة العائلية إلى وادي الدواسر، حيث امتدت الرمال الذهبية كبحرٍ لا نهاية له، التقت بمالك. كان شاباً شاعراً، ذو عينين عميقتين كآبار التاريخ، وروحٍ متدفقةٍ كغيوم الصحراء. نشأت بينهما صداقةٌ بريئةٌ، تطورت بصمتٍ، دون أن يجرؤ أي منهما على البوح بما يختلج في صدره. كان يرسل لها قصائد مكتوبة بخطٍّ رشيق، يصف فيها جمال الطبيعة، وحكمة الأشعار، ورقة المشاعر. كانت كل كلمةٍ منها تحمل دفئاً يغمر قلبها، وكل بيتٍ كان ينبض بصدقٍ جعلها تشعر بوجودها الكامل.

لكن القدر كان له رأيٌ آخر. اختفى مالك فجأةً. سافر مع عائلته إلى بلدٍ بعيد، ولم يبقَ له أثرٌ سوى ذكرياتٍ ما زالت تشتعل في وجدانها، ورسائلٌ احتفظت بها ككنوزٍ ثمينة. كانت تلك الذكريات، وتلك الرسائل، هي "وهمها"، هي "إدمانها" الذي استنزف من روحها الكثير.

"هل ستوافقين يا ابنتي؟" سأل الشيخ عبد الرحمن، موجهاً كلامه إلى زوجته السيدة فاطمة.

نظرت فاطمة إلى ليلى، ورأت في عينيها لمعاناً غريباً، كأنها تبحث عن شيءٍ ضائع. قالت بترددٍ وهي تتلمس يد ابنتها: "ليلى، هل لديكِ رأيٌ في الأمر؟ أحمد شابٌ فاضل، وسوف يكون لكِ خير سندٍ في حياتك."

شعرت ليلى بثقل الكلمات. كانت تعرف واجبها تجاه أسرتها، وتعرف ما يُطلب منها. لكن صوت مالك، صوت ضحكاته، نظراته، كلماته، كانت تتراقص أمام عينيها كالأشباح.

"إنّ أحمد شابٌ كريمٌ، ونحن نرتاح له كثيراً." قالت فاطمة، وهي تلمح إلى عيني ابنتها. "إنّ هذا الزواج سيكون مباركاً بإذن الله."

"أعلم يا أمي." قالت ليلى بصوتٍ يكاد يكون مسموعاً. "وإنّ رأيكِ هو رأيي. ولكن..."

توقفت، لم تستطع إكمال الجملة. كيف تشرح لهم؟ كيف تشرح لهم أنّ قلبها ليس حراً؟ كيف تشرح لهم أنّ خيالها ما زال مسكوناً بشبحٍ لم يرحل؟

"لكن ماذا يا عزيزتي؟" سألت والدتها بحنان.

"لا شيء يا أمي. فقط... فقط أحتاجُ بعض الوقت." قالت ليلى، وهي تشعر بأنّ الكلمات تخونها.

كان أحمد يراقبها بهدوءٍ، لم تكن نظراته تحمل تطفلاً، بل تفهماً لطيفاً. كان يرى الارتباك في عينيها، وربما كان يشعر بشيءٍ من الثقل الذي تحمله.

"لا بأس يا آنسة ليلى. فالحياة قرارٌ كبير، ولا يجب أن نتعجل فيه." قال أحمد بصوتٍ هادئٍ، ابتسامةٌ رقيقةٌ ترتسم على شفتيه. "الشيخ عبد الرحمن، السيدة فاطمة، إنّي أشكركم جزيل الشكر على هذا الاستقبال الطيب. سأترك لكم المجال للتفكير، وسأعود لأستمع إلى ردكم."

نهض أحمد، وانحنى الشيخ عبد الرحمن ليصافحه بحرارة. قالت السيدة فاطمة: "مرحباً بك دائماً يا أحمد. سنكون في انتظار ردكم."

بعد خروج أحمد، عاد الصمت المخيّم ليملأ الديوان. نظرت السيدة فاطمة إلى ابنتها بحيرةٍ.

"ليلى، ما الذي تخفينه؟" سألت والدتها. "هل لديكِ مشاعرٌ تجاه شخصٍ آخر؟"

انحنت ليلى، وبدأت الدموع تتسلل من عينيها. "يا أمي، لا أعرف كيف أبدأ. لقد... لقد أحببتُ شخصاً."

الصدمة لم تكن في الكلمة، بل في الاعتراف. كانت ليلى دائماً مثالاً للفتاة المحتشمة، التي لا تبدي مشاعرها إلا في إطارٍ شرعي.

"من هو؟" سأل والدها، صوته هادئٌ لكن فيه نبرةٌ حازمة.

"لا أعرفه جيداً يا أبي. كان... كان صديقاً." قالت ليلى، وهي تتذكر تلك الأيام الأولى. "التقيت به في رحلةٍ، وتبادلنا الرسائل. لكنه... اختفى."

"اختفى؟" كررت والدتها، والدهشة واضحةٌ على وجهها. "وهل كنتِ على علمٍ بأنّ هذا الحبّ سيؤدي إلى شيءٍ؟"

"لم تكن الأمور واضحة أبداً يا أمي. كانت صداقةً، ثم تحوّلت. لكنه رحل دون أن يقول شيئاً." قالت ليلى، وهي تدرك كم يبدو الأمر سخيفاً أمام عيني والديها.

"وهل هذه الرسائل التي تتبادلونها كانت رسائل عادية؟" سأل الشيخ عبد الرحمن، وعيناه تنظران مباشرةً إلى ليلى.

"كانت... تحمل مشاعر." قالت ليلى بصوتٍ خافت. "لكنها لم تتجاوز الحدود."

"ليلى، أنتِ تعلمين أنّ الخطبة والزواج هما الطريق الشرعي للتعبير عن المشاعر." قال والدها بحكمة. "ما فعلتِه، وإن كان بغير علمٍ منكِ، فقد تعلّق قلبكِ بمن هو ليس لكِ."

"وأنا الآن في حيرةٍ يا أبي. أحمد شابٌ طيب، ولكنه ليس... هو." قالت ليلى، وهي تشعر بالذنب. "أنا مدمنةٌ على ذكرى شخصٍ رحل. مدمنةٌ على خيالٍ ربما لم يكن حقيقياً تماماً."

"الإدمان على الذكرى، يا ابنتي، هو سجنٌ لا يخرج منه إلا بالإرادة القوية والتضرّع إلى الله." قال الشيخ عبد الرحمن، وهو يضع يده على كتفها. "مالك، هل هذا اسمه؟"

أومأت ليلى برأسها.

"مالك. هل تعرفين عنه شيئاً؟ أين هو الآن؟" سأل والدها.

"لا أعرف يا أبي. لقد حاولتُ البحث عنه، لكن لم أجد له أثراً." قالت ليلى، والشوق يتغلغل في صوتها.

"يا ابنتي، يجب أن تتغلبي على هذا الشعور. لا يمكن أن نبني مستقبلاً على أشباح الماضي." قالت والدتها، وحاولت أن تقنعها. "أحمد هو فرصةٌ لكِ. فرصةٌ لتبدئي حياةً جديدة، حياةً يباركها الله."

"ولكن كيف؟ كيف أنسى؟" سألت ليلى، والدموع تملأ عينيها. "لقد أصبح هو قصائدي، هو أفكاري، هو كلّ ما لديّ."

"بالدعاء، بالاستغفار، بالانشغال بما يرضي الله." قال الشيخ عبد الرحمن. "وأحمد، هو رجلٌ صالحٌ، ولديه القدرة على أن يمنحكِ السعادة. فكري جيداً يا ليلى. انظري إلى المستقبل، وليس إلى ما مضى. هل تريدين أن تظلي أسيرةً لذكرى قد لا تكون حتى سعيدة؟"

ساد الصمت. كانت ليلى تشعر بثقلٍ هائلٍ يضغط على صدرها. إدمانها على مالك، لم يكن مجرد إدمانٍ عاطفي، بل كان إدماناً على فكرةٍ، على حلمٍ، على خيالٍ نسجته هي بنفسها. وهذا الخيال، الآن، يقف حائلاً بينها وبين فرصةٍ حقيقيةٍ للسعادة، فرصةٌ يمثلها "أحمد". هل تستطيع أن تتخلّى عن وهج الذكريات، لتستقبل نور الحاضر؟ أم أنّ فتنة الماضي ستظلّ تلتهم حاضرها، وتُضيّع مستقبلها؟

لم تستطع ليلى أن تجيب. كان السؤال معلّقاً في الهواء، ينتظر صوتاً يهتدى به.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%