الفصل 5 / 25

أنت وحدك

خيوط العنكبوت ورياح الشك

بقلم سارة العمري

كان الليل قد بلغ منتصفه، والهدوء يخيم على أرجاء منزل الشيخ عبد الرحمن، إلا من غرفة ليلى التي كانت كمنارةٍ تتوهج فيها شمعةٌ وحيدة. لم تستطع أن تجد لنفسها سبيلاً للنوم. كانت كلمتا والدها لا تزالان تدويان في أذنها: "لا يمكن أن نبني مستقبلاً على أشباح الماضي."

شباح الماضي... نعم، هذا ما كان مالك بالنسبة لها. شبحٌ جميلٌ، لطيفٌ، لكنه غير حقيقي. كانت تدمن رسائله، تدمن أفكاره، تدمن القصائد التي كان ينسجها لها، يصف فيها وجدانها وكأنها كتابٌ مفتوحٌ. كانت تنسج له صورةً في مخيلتها، صورةً لم يرها إلا هي، وربما لم يرها هو نفسه.

كانت تجلس على سجادة صلاتها، تدعو الله أن يمنحها القوة، أن يزيح هذا الثقل عن صدرها، وأن يرشدها إلى الطريق الصحيح. نظرت إلى ألبوم صورٍ صغيرٍ كانت قد وضعته بجوارها. في إحدى الصور، كان مالك مبتسماً، يقف خلفها، وكانها التقاطةٌ عفويةٌ خلال رحلتهم. لم تكن تتذكر متى وكيف التقطت هذه الصورة، لكنها كانت تحتفظ بها كدليلٍ على وجوده.

"هل أنتَ حقاً موجود؟" همست ليلى، والدموع تتساقط على خدّها. "أم أنني خلقتُكَ في مخيلتي؟"

تسلل الشك إلى قلبها، وكأنه خيطٌ رفيعٌ من العنكبوت، بدأ يلتف حول تفكيرها. هل كانت تحب مالك حقاً، أم أنها كانت تحب فكرة الحب؟ هل كانت تعشق شخصه، أم أنها كانت تعشق رقة كلماته، ورومانسية أشعاره؟

لقد كان أحمد رجلاً حقيقياً، واقعياً. كان يقف أمامها، يتحدث مع والديها، يحترمها، يطلب يدها بالحلال. كان يمثل الاستقرار، الأمان، بيتٌ مبنيٌ على أسسٍ متينة. أما مالك، فكان حلماً، قصيدةً، سراباً.

لكن، يا له من سرابٍ جميل!

كانت تتذكر كيف كان ينظر إليها، كيف كانت عيناه تلمعان حين يتحدث عن الشعر، كيف كانت ابتسامته تشعّ دفئاً. كل هذه الذكريات كانت أقوى من كل منطقٍ. أهي مستعدةٌ للتخلي عن كل هذا، لمجرد رجلٍ لم تره منذ عامين، رجلٍ ربما يكون قد نساها تماماً؟

"لا، لا يمكن." تمتمت ليلى. "هذا ليس عدلاً."

فتحت هاتفها، وبدأت تبحث في جهات الاتصال القديمة. كان رقم مالك لا يزال محفوظاً. ترددت طويلاً، ثم أغلقت الهاتف. "ماذا سأقول له؟ ماذا لو كان متزوجاً؟ ماذا لو كان قد بدأ حياته بعيداً عني؟"

كانت هذه الأفكار تنهشها. كانت تعلم أن ما تفعله خاطئ، وأن التعلق بغير المكتوب له هو ضعفٌ وفتور. لكنها لم تستطع. كانت مشاعرها قويةً، جارفةً، وكأنها نهرٌ ثائر.

في صباح اليوم التالي، كان الجوّ مشحوناً بالترقب. تناول الجميع الإفطار في صمتٍ. كان الشيخ عبد الرحمن يقرأ في صحيفته، وكانت السيدة فاطمة تعدّ الشاي. ليلى، رغم أنها كانت تجلس معهما، إلا أنها كانت في عالمٍ آخر.

"ليلى، هل تحدثتِ مع أحمد؟" سأل والدها، دون أن يرفع عينيه عن الصحيفة.

"لم أتحدث معه يا أبي." قالت ليلى بصوتٍ ضعيف.

"ولماذا؟" سأل الشيخ عبد الرحمن، وأخيراً رفع عينيه. كانت نظرته تحمل فضولاً ممزوجاً بقليلٍ من الانزعاج.

"أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول له." قالت ليلى. "أخشى أن أخبره عن... عن مشاعري."

"مشاعركِ تجاه من؟" سأل والدها، بنبرةٍ أقرب إلى التحدي.

"تجاه... تجاه شخصٍ آخر." قالت ليلى، وهي تشعر بأنّ الأرض تبتلعها.

ارتعش وجه والدها قليلاً. "أنتِ تعلمين يا ليلى، أنّ هذا الأمر يتطلب وضوحاً. أحمد يستحقّ أن يعرف، وأن تُعطى له فرصةٌ للحياة، إن كنتِ لا تستطيعين أن تمنحيه قلبكِ."

"ولكنه ليس قراراً سهلاً يا أبي!" صاحت ليلى، لأول مرةٍ ترفع صوتها أمام والديها. "قلبي ليس بيدي. هذا الشعور... إنه أقوى مني."

"قوّة المشاعر لا ينبغي أن تكون سبباً للتساهل في الشرع، يا ابنتي." قال والدها بحزمٍ. "بل يجب أن تكون سبباً للبحث عن الحلّ الشرعي. إن كان هذا الشخص ما زال في حياتكِ، فليتقدم إلينا رسمياً، وليعرض علينا ما لديه. أما إن كان مجرد ذكرى، فلتبدئي في نسيانها. ولا يمكن أن تبدئي في بناء بيتٍ جديدٍ وأنتم تحملون أشباح البيوت القديمة."

"ولكنه رحل يا أبي! لم يعد موجوداً!" قالت ليلى، واليأس بدأ يتسلل إلى صوتها. "كيف أطلب منه أن يتقدم، وهو غائبٌ؟"

"إذاً، فهذا يعني أنّ الأمر ليس جدياً كما تظنين." قال الشيخ عبد الرحمن، وهو يعود إلى صحيفته. "يجب أن تفكري بمنطق، يا ليلى. لا بالخيال. أحمد ينتظر رداً. ولا يمكن أن نبقيه في حيرةٍ للأبد."

شعرت ليلى بأنّها محاصرة. من جهةٍ، ضغط والديها، ومن جهةٍ أخرى، صراعها الداخلي. إدمانها على خيال مالك، كان يجعلها تتجاهل حقائق الحياة، وتتجاهل المشاعر الصادقة التي كانت تُقدّم لها.

في تلك الأثناء، كان أحمد ينتظر على أحرّ من الجمر. كان يتحدث مع أصدقائه عن ليلى، عن جمالها، عن أخلاقها. كان يأمل أن تكون نصيبه. لكنه كان يشعر بشيءٍ من الحذر. فقد رأى في عينيها شيئاً من التردد، شيئاً من الانشغال.

"أحمد، هل أنتَ متأكدٌ من هذه الفتاة؟" سأل صديقه المقرب "خالد". "تبدو لي مترددةً بعض الشيء."

"لا يا خالد، لا تسيء الظن." قال أحمد. "هي فتاةٌ تربت في بيتٍ كريم، ولا أظنّ أن لديها ما تخفيه. ربما هي فقط خجولةٌ، وهذا طبيعيٌ في هذه المواقف."

"ولكن، إن كانت لا تزال تفكر في شخصٍ آخر، فهل هذا عدلٌ لك؟" سأل خالد، بنبرةٍ ناقدة. "الزواج شراكةٌ، ولا ينبغي أن يبدأ بالظلم."

"أعلم ذلك." قال أحمد. "ولكن دعنا ننتظر. ربما الأمور تتضح."

بعد يومين، استقبل الشيخ عبد الرحمن اتصالاً من عائلة مالك. كان والد مالك، السيد "إبراهيم"، يتحدث عن رغبتهم في إعادة التواصل مع عائلة الشيخ عبد الرحمن. كانت عائلة مالك قد هاجرت إلى كندا قبل عامين، وكانت الظروف صعبةً في التواصل. وقد سمعوا عن أمر ليلى، وعن رغبتهم في التقدم لخطبتها.

ارتعش قلب ليلى عند سماع الخبر. هل هذا يحدث حقاً؟ هل عاد مالك؟ هل يريد أن يتقدم؟

"يا ليلى، لقد اتصل بي والد مالك." قال الشيخ عبد الرحمن، ببرودٍ ظاهري. "يرغبون في العودة للتواصل. هل هذا الشخص الذي كنتِ تحدثين عنه؟"

أومأت ليلى برأسها، ولم تستطع أن تنطق بكلمة.

"وماذا تريدين منه؟" سأل والدها. "هل تريدين أن ترفضي أحمد، وتنتظري هذا الذي اختفى؟"

"أنا... أنا لا أعرف يا أبي." قالت ليلى، وهي تشعر بالدوار. "كلّ شيءٍ يبدو كالحلم."

"الحلم لا يبني بيوتاً، يا ابنتي." قال الشيخ عبد الرحمن. "وإدمانكِ على الوهم قد يضيع عليكِ فرصةً حقيقيةً. احمد رجلٌ صالحٌ، وهو يبادلكِ الاحترام. هل تفضلين الانتظار لشبحٍ، على رجلٍ حقيقيٍ يقف أمامكِ؟"

"ولكنه... ولكنه مالك!" قالت ليلى، كأنها تنادي صرخةً مدفونة.

"ومالك، لو كان يرغب فيكِ حقاً، لكان قد فعل شيئاً من قبل. أما الآن، فهو يعود بعد كل هذا الوقت. فهل تعتقدين أنّ انتظاركِ له كان في محلّه؟" سأل والدها.

نظرت ليلى إلى والدها، ثم إلى والدتها. كانتا تنظران إليها بتفهمٍ، لكنهما أيضاً كانتا تودّان رؤيتها تتخذ قراراً حكيماً.

"أحمد رجلٌ طيب، وهو هنا، ومستعدٌ لأن يبدأ حياته معكِ." قالت والدتها. "مالك، ذهب بعيداً، وعاد الآن. هل أنتِ متأكدةٌ أنكِ تريدين أن تتخلي عن أحمد، لتعودي إلى مطاردة سرابٍ؟"

كانت ليلى في مفترق طرقٍ مؤلم. إدمانها على ذكرى مالك، جعلها تتجاهل كلّ شيءٍ حولها. لكن عودة مالك، قد تكون فرصةً لها، أو قد تكون نهايةً لحلمٍ جميلٍ، وبدايةً لواقعٍ مرير. هل ستستطيع التغلب على إدمانها، أم ستظلّ حبيسة خيوط العنكبوت التي نسجتها حول قلبها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%