الفصل 6 / 25

أنت وحدك

العودة واليقظة

بقلم سارة العمري

جلست ليلى في غرفتها، ويداها تلفان حول كوبٍ من الشاي الساخن، وكأنها تبحث عن الدفء في قلبٍ اعتاد على برد الفراق. عودة عائلة مالك، كانت كصاعقةٍ أضاءت سماء حياتها الملبدة بالغيوم، لكنها لم تكن تعلم ما إذا كانت هذه الإضاءة ستحمل معها الخير أم الدمار.

"إبراهيم، والد مالك، يريد العودة للتواصل؟" كررت والدتها، السيدة فاطمة، وهي تتأمل وجه ابنتها الذي بدا شاحباً. "هذا غريبٌ، أليس كذلك؟ بعد كل هذه المدة."

"غريبٌ، ولكنه أمرٌ واقع." قال الشيخ عبد الرحمن، وهو يحدّق في ليلى. "الآن، السؤال هو: ماذا تريدين يا ليلى؟ هل تريدين أن تفتحي الباب لهذا التواصل؟ هل ما زلتِ تحملين أملاً في مالك؟"

كان قلب ليلى يخفق بعنف. أمل؟ نعم، كان هناك أملٌ، أملٌ لم تنطفئ جذوته أبداً، بل كانت مجرد شرارةٍ صغيرةٍ تنتظر نفخةً لتعود لهيباً. لكن هل هذا الأمل مبنيٌ على أساسٍ صلب؟ أم أنه مجرد وهمٌ آخر، إدمانٌ جديدٌ على الخيال؟

"أنا... لا أعرف يا أبي." قالت ليلى، وهي تشعر بأنّ كلّ الكلمات تخونها. "لقد ابتعد كثيراً. لم أعد أفهم ما يريده."

"ما يريده؟" قال الشيخ عبد الرحمن، بنبرةٍ تحمل قليلاً من السخرية. "هو يريد أن يعود إلى حياتكِ، بعد أن تركها. هل هذا منطقيٌ؟"

"ولكنه ربما... ربما كان لديه أسبابه." قالت ليلى، وهي تحاول أن تبرر له.

"ما هي الأسباب التي تجعل شاباً يرحل عن فتاةٍ كان على علاقةٍ بها، ثم يعود بعد عامين ليطلب يدها؟" سأل والدها. "هل هي مجرد صدفة؟ هل هي نزوة؟ هل هو مجرد تلاعبٍ بمشاعر؟"

كانت هذه الأسئلة تضرب قلب ليلى كالصخر. لم تكن تملك إجاباتٍ شافية. لقد نسجت له صورته المثالية، وصورته الشاعرية، لكنها نسيت أن تسأله عن واقعه.

"يا ليلى، أحمد ينتظر." قالت والدتها بحنان. "وهو رجلٌ طيبٌ، يملك كلّ مقوّمات الزوج الصالح. ألا ترين أنّ هذه فرصةٌ ذهبيةٌ لحياةٍ سعيدةٍ ومستقرة؟"

"لكن، هل يمكن أن أحب أحمد؟" سألت ليلى، بصوتٍ يكاد يكون مسموعاً. "هل يمكن أن أنسى مالك؟"

"النسيان يأتي بالوقت، يا ابنتي. وبالرغبة الصادقة في النسيان." قال الشيخ عبد الرحمن. "أحمد، هو فرصةٌ لكِ لتبدئي عملية النسيان هذه. إنّ إدمانكِ على ذكرى مالك، قد يكون هو ما يجعلكِ تعتقدين أنّكِ لن تحبي أحداً غيره. لكن، هل جربتِ حقاً أن تمنحي قلبكِ لشخصٍ آخر؟"

شعرت ليلى بصدق كلماته. لقد كانت تعيش في عالمٍ خاصٍ بها، عالمٍ نسجته من ذكرياتٍ وأشعارٍ ورسائل. لم تكن تمنح نفسها فرصةً لرؤية العالم من منظورٍ آخر.

"إذاً، ما هو القرار؟" سألت والدتها. "هل نردّ على والد مالك؟ أم نؤكد لأحمد أنّنا موافقون؟"

نظرت ليلى إلى النافذة. كانت الشمس قد بدأت تغيب، تاركةً وراءها ظلالاً طويلة. الظلال، تماماً مثل ذكريات مالك، كانت تلتف حولها.

"أتمنى... أتمنى لو أستطيع أن أرى مالكاً." قالت ليلى. "أريد أن أفهم. أريد أن أسمع منه. قبل أن أتخذ أي قرار."

تنهد الشيخ عبد الرحمن. "هذا أمرٌ خطيرٌ يا ليلى. أن تعودي للتواصل مع شخصٍ غامضٍ، وأنتِ على وشك الارتباط برجلٍ صالح. هذا قد يُفهم بشكلٍ خاطئ. ويُسبب المشاكل."

"ولكن يا أبي، أنا أخشى أن أظلم أحمد إن لم أكن صادقةً معه. وأخشى أن أعيش نادمةً على ما فات." قالت ليلى. "إذا كان مالك فعلاً يريدني، فليأتِ ويتحدث إليّ. وإذا كان رحيله بسببٍ وجيه، فليخبرني به."

"حسناً." قال والدها، بعد تفكيرٍ عميق. "سنفتح الباب للتواصل. ولكن بحذرٍ شديد. وسنوضح لهم أنّ ليلى في طور الخطوبة، وأنّ الأمور مع أحمد قد اتخذت مجراها. وأنّ أي تواصلٍ مع مالك، لا ينبغي أن يتجاوز حدود الاحترام والشرع."

كانت هذه الكلمات كسكينٍ تذبح شغف ليلى، لكنها كانت أيضاً كدواءٍ مرٍّ، لا بد منه. كان يعطيها فرصةً، لكنه يضع حدوداً.

بعد أيامٍ قليلة، تمّ ترتيب لقاءٍ عائليٍّ مختصرٍ في منزل الشيخ عبد الرحمن. حضر السيد إبراهيم ومالك. كان مالك يبدو مختلفاً. لقد اكتسبت ملامحه صلابةً، ووقاراً. كانت عيناه ما زالت تحملان نفس البريق، لكنها الآن كانت تحمل أيضاً ثقل تجارب.

"أهلاً بكم." قال الشيخ عبد الرحمن، بترحيبٍ حارٍّ ظاهري. "نتشرف بلقائكم مرةً أخرى."

جلس مالك قبالة ليلى. لم يكن هناك اتصالٌ مباشرٌ بين نظراتهما، بل كانا يتحدثان عبر كلماتٍ رسميةٍ، تحمل وراءها بحراً من المشاعر المتلاطمة.

"ليلى، أعتذر عن غيابي الطويل." قال مالك، بصوته الذي كان لا يزال يمتلك تلك الرنة الرومانسية. "لقد واجهتُ عائلتي ظروفاً صعبة، اضطررتُ للسفر معهم. ولم أكن أملك سبيلاً للتواصل."

"ولماذا لم تكتب لي؟" سألت ليلى، بصوتٍ متحشرج. "لماذا لم تخبرني؟"

"في تلك الفترة، كنتُ صغيراً، ولم أكن أدرك قيمة المشاعر. وخفتُ أن أُسبب لكِ ألماً. وعندما عدتُ، علمتُ أنّكِ على وشك الزواج. فترددتُ." قال مالك، وعيناه تتجولان في الغرفة.

"ولكنك الآن هنا." قالت ليلى، تشعر بخيبة الأمل. "لماذا عدتَ الآن؟"

"عندما علمتُ أنّ الأمور مع أحمد لم تُحسم نهائياً، وأنّكِ ما زلتِ تترددين، شعرتُ بمسؤوليةٍ تجاه ماضينا." قال مالك. "وأنّني يجب أن أتحدث إليكِ. لأرى ما إذا كان هناك أيّ أملٍ ما زال."

تنهد الشيخ عبد الرحمن. "مالك، ليلى ما زالت تتردد، ولكن ليس لأنها لا ترغب في أحمد. بل لأنّها كانت متعلقةً بماضٍ. والآن، وقد عاد هذا الماضي، وجدنا أنفسنا في وضعٍ لا نحسده عليه."

"يا ليلى،" قال مالك، ناظراً إليها مباشرةً هذه المرة. "هل ما زلتِ تشعرين بشيءٍ نحوي؟"

كان السؤال يلقي بظلاله على الجميع. كانت ليلى تشعر بأنّ قلبها يرتعش. أمامها رجلٌ حقيقيٌ، يقف هناك، يطلب منها أن تقرر. وأمامها إدمانها على الخيال، الذي بدأ يتجسد أمام عينيها.

"أنا... أنا لم أنساك يا مالك." قالت ليلى، بصدقٍ قاسٍ. "ولكنني أيضاً... لا أعرف ما هو مستقبلي."

"إذاً، الحلّ بسيطٌ." قال السيد إبراهيم، والد مالك. "إذا كانت ليلى لا تزال تحب ابننا، فنحن على استعدادٍ لتقديم طلب رسميٍ. وسنأخذ الأمور بجديةٍ. وإن لم يكن، فنتمنى لأحمد وليلى كلّ التوفيق."

كانت هذه الكلمات كالقنبلة. لم يكن الشيخ عبد الرحمن يتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد. لقد ظنّ أن مجرد حديثٍ مع مالك، كافٍ لليلى لترى الحقيقة. لكن إدمانها على ماضيه، كان أقوى من الحاضر.

"ليلى، هل أنتِ مستعدةٌ لترك أحمد، والعودة إلى هذا الرجل الذي ترككِ؟" سأل والدها، بصوتٍ يحمل خليطاً من الغضب والخيبة. "هل أنتِ مستعدةٌ لأن تبدئي كلّ شيءٍ من الصفر، مع شخصٍ لم يثبت لكِ ولاؤه؟"

كانت ليلى في أشدّ درجات الحيرة. إدمانها على وهمٍ، كان يقف الآن أمام واقعٍ جديد، واقعٍ يطالبها بقرارٍ حاسم. هل ستستطيع أن تتغلب على هذا الإدمان، وتختار الطريق الصحيح؟ أم أنّ سحر الماضي سيبقى يسيطر عليها، ويُضيّع عليها كلّ فرصةٍ للسعادة؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%