الفصل 7 / 25

أنت وحدك

شباك الأوهام

بقلم سارة العمري

كانت ليالي بدر تختلط، تتحول أيامها إلى مساحات رمادية باهتة لا يكاد يلوح فيها بصيص أمل. منذ لقائها الأخير بالسيد مالك، تغلغل في أعماق روحها شعور غريب، مزيج من الرهبة والرجاء، يشدها نحو عالم لم تعشه، عالم يفوق تخيلاتها. في كل صباح، كانت تستيقظ وقلبها يخفق بترقب، وكأنها تنتظر إشارة، وعدًا، شيئًا يكسر جمود واقعها. لم يعد شغفها بالقراءة كما كان، بل أصبحت الصفحات تروي قصصًا عن مصائر متخيلة، عن حب يتجاوز كل العقبات، وعن تضحيات تنير دروبًا مظلمة. أينعت في قلبها فكرة، بذرة تم سقيها بخيالها الجامح، بذرة تقول لها إن هناك طريقًا آخر، طريقًا قد يكون أصعب، ولكنه يعد بالسعادة التي ظلت تراودها في أحلام يقظتها.

في تلك الأيام، بدت جدتها، أم أحمد، كمرآة لروح بدر القلقة. كانت ترى في عينيها الحنونتين حكمة السنين، وفي يديها التي اعتنقت خيوط الغزل لسنوات، دفئًا لا ينضب. لكنها في الآونة الأخيرة، لاحظت شيئًا مختلفًا. كانت أم أحمد أكثر صمتًا، تفكيرها يبدو شاردًا، وعيناها غالبًا ما تتجهان نحو النافذة، كما لو كانت تبحث عن شيء غائب. ذات مساء، بينما كانت بدر تساعدها في ترتيب أغراض قديمة، وقعت يدها على صندوق خشبي صغير، مزخرف بنقوش باهتة. فضولها دفعها لفتحه. لم يكن بداخله سوى بعض الرسائل القديمة، مغلفة بورق أصفر، وقطعة قماش بالية، تحمل رائحة عطر نسائي قديم.

"ما هذا يا جدتي؟" سألت بدر، وصوتها يرتجف قليلاً. رفعت أم أحمد رأسها، ببطء، وارتسم على وجهها تعبير غامض. "هذه ذكريات، يا بنيتي. ذكريات من زمن مضى." "رسائل؟" أشارت أم أحمد برأسها. "نعم، رسائل. من شخص كان يعني لي الكثير." لم تسأل بدر المزيد. شعرت بأنها اخترقت حجابًا من الخصوصية، وأنها تقف على أعتاب قصة قديمة، قصة لم تُحكَ لها من قبل. في تلك الليلة، لم تستطع النوم. كانت أفكارها تتخبط بين ما قرأته في رواياتها، وبين ما لمحت إليه جدتها. هل كانت جدتها، أم أحمد، عاشت يومًا قصة حب ممنوعة؟ هل كانت هناك فرصة ضاعت، أو اختيار صعب تم اتخاذه؟

في المقابل، كان السيد مالك يراقب بدر من بعيد. لم يكن يخفي إعجابه بها، بل كان يعتقد جازمًا أنها الفتاة التي ستجلب لحياته نورًا لم يعرفه من قبل. لكنه كان يعرف أيضًا أن طريقه إليها ليس مفروشًا بالورود. كان هناك عقبات، ليس فقط اجتماعية، بل شخصية أيضًا. كان يصارع داخليًا ذكريات ماضٍ لم يستطع التخلص منه تمامًا. صورٌ باهتة لامرأة أخرى، لم تكن حب حياته، لكنها كانت جزءًا من تشكيل هويته، وجزءًا من الخطأ الذي ارتكبه ذات يوم.

في إحدى جلساته مع صديقه المقرب، المهندس ناظم، الذي كان يعمل معه في مشروع تطوير العقارات، فتح مالك قلبه قليلاً. "أشعر يا ناظم بأنني في مفترق طرق." قال مالك، وهو يحتسي قهوته بهدوء. "أعجبت ببدر، وأعتقد أنها تستحق الأفضل. لكن هناك... هناك ظلال من الماضي تلاحقني." ابتسم ناظم ابتسامة هادئة، ابتسامة تحمل في طياتها خبرة السنين. "كلنا يا مالك، لدينا ظلال. المهم هو ألا نسمح لهذه الظلال بأن تخنق نور المستقبل." "ولكن ماذا لو كانت هذه الظلال متجذرة بعمق؟ ماذا لو كانت جزءًا من تكويني؟" "تكوينك يا مالك هو ما صنعته اليوم. الماضي تجربة، وليس سجنًا. إذا كنت تؤمن ببدر، فاستجمع قوتك. لا تدع ماضيك يحدد مستقبلك، أو مستقبلهما معًا."

كان مالك يفكر في كلام ناظم. هل كان يستحق بدر؟ هل كان قادرًا على منحها السعادة التي تنشدها، وهي فتاة بهذا النقاء والجمال؟ كان يعلم أن عائلة بدر، ورغم بساطتها، تتمتع بمبادئ راسخة. ولن يرضوا عنه إلا إذا رأوا فيه الزوج الكفء، المسؤول، والملتزم. وكان هو، في هذه اللحظة، يشعر بأنه ليس كذلك تمامًا. كان هناك تردد، خوف من تكرار أخطاء الماضي، أو إلحاق الأذى بفتاة لم تفعل له شيئًا سوى إضفاء البهجة على أيامه.

عادت بدر إلى غرفتها، بعد حديثها مع جدتها. أمسكت بالرسائل القديمة، وأمعنت النظر في خط يدها المائل، الذي يحكي قصة حنين وشوق. قرأت بعض الكلمات المتفرقة، كلمات حب، ووعد، وفراق. شعرت بأنها تتصل بعالم أعمق، عالم كانت جدتها تعيشه بصمت. لكنها لم تكن تعرف القصة كاملة. هل كان هذا الرجل هو والدها؟ هل كان هناك زواج سري؟ أسئلة كثيرة بدأت تتناسل في رأسها، تحمل في طياتها عبئًا ثقيلًا.

في هذا الوقت، كان والدها، السيد أحمد، يبدو أكثر إرهاقًا من المعتاد. كان وجهه شاحبًا، وخطوط القلق مرسومة على جبينه. كان يعرف أن ظروفهم المالية بدأت تتأزم، وأن مشروع تجارته الصغيرة لم يعد كما كان. كان يحاول أن يخفي قلقه عن بدر وأمها، لكنه لم يكن يستطيع دائمًا. في إحدى الأمسيات، جلس مع زوجته، والدة بدر، في هدوء. "أم بدر، إن الأمور ليست على ما يرام." قال بصوت خفيض. نظرت إليه زوجته بقلق. "ما الذي يحدث يا أحمد؟" "الديون بدأت تتراكم. وأنا لا أعرف كيف سأتدبر أمرنا." تنهدت زوجته. "إن الله مع الصابرين يا أحمد. سنحاول. سنبيع بعض الأشياء. سنقلل النفقات." "ولكن بدر... إنها في سن الزواج. وقد رأيت كيف تبدو مشغوفة بالسيد مالك. هل تعتقدين أن هذا الارتباط سيكون لنا عونًا؟" صمتت زوجته لبرهة، تفكر. "السيد مالك رجل أعمال ناجح. ولكن… ألا تشعر بأن هناك شيئًا غامضًا في حياته؟" "الغوض ليس دائمًا سيئًا يا أم بدر. قد يكون وراءه خير لنا. ولكنني أخشى أن تكون بدر لا ترى سوى الظاهر، وأن تنجرف وراء أحلام وردية." كانت هذه هي المخاوف الحقيقية التي تسيطر على عائلة بدر. خوف من المستقبل المجهول، وخوف من أن تقع ابنتهم في حب رجل قد لا يكون سندًا لها، بل عبئًا.

في شباك الأوهام هذا، كانت بدر تحاول أن ترسم لنفسها طريقًا. كانت تؤمن بأن الحب قادر على كل شيء، وأن الإيمان بالله والتوكل عليه هما مفتاح السعادة. لكنها لم تكن تفهم أن الحياة ليست مجرد أحلام، وأن الواقع يتطلب قوة وصبرًا، وأحيانًا، تضحيات. كانت ترى في مالك الأمل، وفي حبه الخلاص، ولكنها كانت تجهل أن هذا الخلاص قد يكون له ثمن، وأن الأوهام، مهما كانت جميلة، قد تتحول يومًا إلى جدران تصد عن الواقع.

في تلك الليلة، بينما كانت بدر تنظر إلى النجوم من نافذة غرفتها، شعرت بوخزة ألم مفاجئة. لم تكن تعرف مصدرها، لكنها أحست بأنها على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة قد تكون أكثر تعقيدًا مما تتخيل. هل كانت هذه الآلام هي بداية طريقها نحو الحقيقة، أم مجرد وهم آخر من أوهام قلبها المتعلق بالأحلام؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%