الفصل 8 / 25

أنت وحدك

خيط رفيع من الأمل

بقلم سارة العمري

انقضت أيام قليلة، حملت معها نسمات من التغيير، بعضها لطيف كالنسيم، وبعضها الآخر عاصف كالهبوب. كانت بدر تشعر بتزايد تعلقها بالسيد مالك، وبأن كل كلمة يقولها، كل نظرة يرمقها بها، كانت تنسج خيطًا جديدًا في نسيج مشاعرها. في المقابل، كان السيد مالك يبذل قصارى جهده ليظهر أمامها بـ "الرجل المثالي" الذي تحلم به الفتاة، لكنه كان يشعر بأن هذا الدور يثقله، وأن خلف هذا القناع، هناك شاب يعاني من ثقل ماضٍ لم يفلح في التخلص منه.

في أحد الأيام، وبينما كانت بدر في مكتبة المنزل، تتصفح كتابًا قديمًا عن فنون الخط العربي، رن هاتفها. كان المتصل السيدة فاطمة، والدة صديقتها المقربة، مريم. "يا حبيبتي بدر، كيف حالك؟" قالت السيدة فاطمة بصوتها الدافئ. "بخير يا خالتي، الحمد لله. كيف حالك أنتِ؟" "بخير ما دمتِ بخير. أردت أن أبلغك بأننا سنقيم حفلاً لعيد ميلاد مريم الأسبوع القادم. سيكون تجمعًا عائليًا صغيرًا، ويسرنا حضورك." ابتسمت بدر. "بالتأكيد يا خالتي. سأكون هناك." كان لقاء الأصدقاء فرصة لبدر لتنفيس عن ضغوطها، وللتحدث بصراحة مع مريم، التي كانت دائمًا أذنًا صاغية وقلبًا رحيمًا.

في نفس الأسبوع، تلقى السيد مالك اتصالًا هاتفيًا أربكه. كان صوتًا مألوفًا، ولكنه يحمل معه خبرًا غير سار. كان المتصل المحامي الذي كان يشرف على بعض القضايا العائلية القديمة. "سيدي مالك، هناك مستجدات بخصوص قضية أرض الأجداد." قال المحامي بجدية. "تم استئناف الحكم، وهناك احتمال كبير بأن نخسر القضية إذا لم نقم ببعض الإجراءات العاجلة." شعر مالك ببرودة تسري في عروقه. "ماذا يعني ذلك؟" "يعني أن الشركة قد تتعرض لخسائر مالية كبيرة، بل قد تتأثر سمعتها أيضًا. نحتاج إلى مبلغ كبير لتسوية الأمور." كانت هذه الأرض هي الإرث الذي ورثه عن جده، وكانت تمثل جزءًا كبيرًا من ثروته ومستقبله. لم يكن يتوقع أن تعود هذه القضية لتطارده في هذا التوقيت بالذات، وفي الوقت الذي كان فيه يخطط لبناء مستقبل جديد.

خلال زيارة للسيدة أم أحمد، لاحظت بدر أن جدتها كانت أكثر انشراحًا من ذي قبل. كانت تحكي لها عن شبابها، وعن أيام كانت فيها الحياة أبسط وأكثر سعادة. "يا بدر،" قالت أم أحمد ذات يوم، بينما كانتا تجلسان في حديقة المنزل، تحت ظلال أشجار الليمون. "الحياة كالماء، تتدفق نحو مصبها. ولا يمكن لأحد أن يغير مجراها." "ولكن يمكننا أن نغير طريقة تدفقنا، يا جدتي؟" سألت بدر، مدركة ما تقوله. ابتسمت أم أحمد. "نعم، يمكننا. ولكن أحيانًا، يكون التغيير مؤلمًا. أحيانًا، علينا أن نتخلى عن شيء لنحصل على شيء أفضل. أو قد لا نحصل على شيء، ولكننا نكون قد حاولنا." كانت كلمات جدتها كأنها صدى لما كان يدور في ذهن مالك. هل كان عليه أن يتخلى عن شيء من ماضيه ليحصل على مستقبل مع بدر؟

في الحفلة، كانت مريم سعيدة. كانت تحكي لبدر عن خطيبها، شاب من عائلة محترمة، تفخر به. "إنها لمحة من الله يا بدر." قالت مريم وهي تحتضن بدر. "عندما تجدين الشخص المناسب، تشعرين بأن كل شيء أصبح واضحًا، وأن الله قد يسر لك الأمر." "أتمنى ذلك يا مريم." أجابت بدر، ولكن قلبها كان مثقلًا. هل كانت ترى في مالك هذه "اللمحة من الله"؟ أم كانت مجرد انجراف وراء مشاعر لم تدرسها جيدًا؟ في تلك الحفلة، قابلت بدر بالصدفة والد مالك، السيد خالد، وهو رجل هادئ، ذو ملامح مهيبة. تبادلا حديثًا قصيرًا، وبدا السيد خالد راضيًا عن بدر. "مالك يحدثني كثيرًا عنكِ يا آنسة بدر. إنه معجب بكِ." قال السيد خالد بابتسامة خفيفة. شعرت بدر بالحرج، ولكنها أيضًا شعرت بالدفء. كان هذا بمثابة تأكيد إضافي، وضوء أخضر من عائلته.

بعد الحفلة، قررت بدر أن تتصل بمالك. كانت ترغب في مشاركته هذه اللحظات السعيدة، ورؤية رد فعله. "مساء الخير يا مالك." قالت بدر عندما رد على الهاتف. "مساء النور يا بدر. كيف كان الحفل؟" سأل بلهفة. "كان رائعًا. مريم كانت سعيدة جدًا. ورأيت والدكِ." "حقًا؟ وماذا قال؟" "قال إنك تحدثه عني." ضحك مالك ضحكة خافتة، بدت فيها علامات التوتر. "هذا صحيح. إنه يهتم لأمر سعادتي." "وأنا أيضًا يا مالك. أنا أهتم لأمر سعادتك." كانت هذه الكلمات بسيطة، لكنها كانت تحمل وزنًا كبيرًا. شعر مالك بلحظة من الصفاء. ربما كانت بدر هي المنقذ الذي يحتاجه، هي النور الذي يمكن أن يبدد ظلال ماضيه.

ولكن بعد انتهاء المكالمة، عادت المخاوف لتعتل صدر مالك. قضية الأرض، والمبلغ المطلوب، كلها كانت كالسيف المسلط على رقبته. كيف سيحصل على هذا المال؟ هل سيضطر لبيع جزء من ممتلكاته؟ هل سيؤثر هذا على خططه المستقبلية، وعلى قدرته على تأمين مستقبل لبدر؟

من ناحية أخرى، بدأ السيد أحمد، والد بدر، يشعر بضغط متزايد. كان يحاول إيجاد حلول لمشاكله المالية، لكن كل الأبواب كانت تبدو موصدة. كان يفكر في مالك، وفي وعود الارتباط التي لم تترجم بعد إلى خطوة رسمية. هل يمكن أن يكون مالك الحل؟ أم أنه مجرد وهم جديد؟ "يا أم بدر،" قال أحمد لزوجته في إحدى الليالي، "هل تعتقدين أن مالك جاد في رغبته بالزواج من بدر؟" "لا أدري يا أحمد. يبدو أنه يحبها. ولكن هذا الارتباط يحتاج إلى استقرار، وليس مجرد مشاعر." "وأنا أخشى أن يكون مالك نفسه غير مستقر. لديه أموال، ولكن هل لديه الأمان الذي تحتاجه ابنتنا؟"

كانت هذه التساؤلات تدور في أذهان الأهل، بينما كانت بدر تعيش على خيط رفيع من الأمل. كانت ترى في مالك رجلًا استثنائيًا، ولكنها لم تكن تدرك أن خلف هذه الاستثنائية، تكمن تحديات كبرى، وأن العواصف قد تكون على وشك أن تضرب.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%