قصة حب الجزء الثاني

ظلال الماضي على مستقبل واعد

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات المساء تحمل معها عبير الياسمين والفل، تتسلل عبر شبابيك غرفة المعيشة الواسعة، لتداعب شعور ليلى وهي تجلس قبالة والدتها، الأستاذة عائشة. لم تكن الأحاديث العادية بينهما، بل كانت أشبه بجلسة استجواب هادئة، لكنها محفوفة بقلق متزايد. ليلى، بعينيها الواسعتين اللتين اعتادتا أن تبثا الفرح، بدت الآن كمرآة تعكس عاصفة داخلية.

"يا ابنتي،" بدأت الأستاذة عائشة بصوت رقيق يخلو من أي لوم، لكنه كان يحمل ثقلاً من الخبرة والحكمة، "لقد لاحظتُ تغيراً في سلوككِ الأيام الماضية. تلك المكالمات الهاتفية المتأخرة، والشرود الذهني الذي لا يفارقكِ. هل هناك ما يشغل بالكِ؟"

نظرت ليلى إلى الأرض، حيث كانت بقعة ضوء تتراقص على السجاد المزخرف. لم يكن الأمر يتعلق بفرح، أو بشيء من هذا القبيل. كان يتعلق بسؤال واحد يتردد صداه في أرجاء قلبها، سؤال ترفضه في دواخلها، لكنه يصر على الظهور.

"أمي،" تلعثمت ليلى، "الأمر… ليس بالأمر الهين."

تنهدت الأستاذة عائشة، ثم انحنت قليلاً للأمام، واضعة يدها بحنان على يد ابنتها. "ما هو الذي يثقل صدركِ يا حبيبتي؟ أنتِ تعلمين أنني أحملكِ في عيني، وأن أي همٍ يصيبكِ يصيبني."

جمعت ليلى شجاعتها، وبدأت تتحدث، كلماتها تخرج متقطعة، تحمل ثقل الاعتراف. "منذ فترة، بدأت أتلقى اتصالات… من رقم غريب."

رفعت الأستاذة عائشة حاجبيها بفضول، لكن وجهها ظل هادئاً. "غريب؟ ومن هذا الرقم؟"

"في البداية، اعتقدتُ أنه خطأ، لكن المتصل كان يعرف اسمي. ثم بدأ يذكر أشياء… عني." ارتسمت علامات القلق على وجه ليلى. "أشياء لم يدركها إلا أشخاص قريبون جداً مني. بل أكثر من قريب."

اتسعت عينا الأستاذة عائشة قليلاً، وبدأت تتذكر. "هل تذكرين يا ليلى، حينما كنتم صغاراً، كنتِ تحلمين بأن يكون لديكِ شقيق أكبر؟"

تساءلت ليلى عن سبب هذا السؤال المفاجئ، لكنها أومأت برأسها. "نعم يا أمي، أتذكر. كنتُ أتمنى دائماً أن يكون لدي أخٌ يحميني."

"ما رأيكِ يا ليلى لو علمتِ أن لديكِ أخاً؟ أخاً لم تعرفيه قط، وأن هذا الشقيق هو الذي يتواصل معكِ؟"

ارتعشت يد ليلى تحت يد والدتها. "أخٌ؟ من؟ وكيف؟"

"القصة معقدة يا ابنتي،" قالت الأستاذة عائشة بصوت خافت، يشي بحزن عميق، "والدكِ، رحمه الله، كان لديه زيجة سابقة قبل أن يلتقي بي. من هذه الزيجة، رزق بطفل، ولد. لكن الظروف لم تسمح له بتربيته، فضل البعض… أو الأسباب، أن يظل هذا الأمر سراً."

صدمة عميقة اعتلت وجه ليلى. لم تستطع أن تنطق بكلمة. أخٌ؟ سر؟ كل هذه السنوات؟

"لكن… لماذا الآن؟ ولماذا كل هذه الغموض؟" سألت ليلى أخيراً، وصوتها يكاد لا يُسمع.

"أعتقد أنه يريد معرفة عائلته. ربما يمر بظروف صعبة، أو ربما يبحث عن هويته. لقد أرسل لي رسالة، عبر أحد المقربين، يطلب فيها مقابلتكِ."

"مقابلتي؟" تكررت ليلى الكلمة، وشعرت بدوار مفاجئ. "لكن… لماذا لا يتصل بوالدتي؟"

"أمّه… لم تعد على قيد الحياة يا ابنتي."

ازداد ثقل الخبر على قلب ليلى. لم تكن مستعدة لهذا. حياتها كانت تسير في طريق واضح، طريق الخطبة الميمونة من عمر، طريق يحمل وعداً بمستقبل هادئ ومستقر. وهذا الخبر، كالصاعقة، هدم كل هذا الهدوء.

"وماذا عن عمر؟" سألت ليلى، وقلبها يعتصر خوفاً. "هل يعرف؟"

"لم أستطع إخباره بعد، يا ابنتي. الأمر يحتاج إلى تعقّل، وإلى تدبير. قد يفسر هذا الأمر بشكل خاطئ. وأنا لا أريد أن أضع أي ضغط على علاقتكما."

"لكن يا أمي، كيف يمكنني أن أخفي أمراً كهذا عن عمر؟ إنه خطيبي! إنه شريكي في الحياة المستقبلية! لا يمكنني أن أبني زواجاً على الخفاء."

"أتفهم قلقكِ يا ليلى، وأنا أشارككِ إياه. لكننا نحتاج إلى وقت. وقت للتفكير، ووقت للتخطيط. أعتقد أنه من الأفضل أن تلتقي بهذا الشقيق أولاً، بمعزل عن الجميع، لتفهمي الوضع. ثم نقرر بعدها كيف ومتى نخبر عمر. ما رأيكِ؟"

نظرت ليلى إلى والدتها، بعينيها الواسعتين تعكسان حيرة عميقة. كان منطق والدتها سليماً، لكن قلبها كان يصرخ بالصدق والشفافية. هل يمكنها أن تخفي هذا السر عن عمر؟ وهل يمكنها أن تواجه هذا الأخ المجهول، الذي يحمل معها نفس الدم، لكنها لم تعرفه قط؟

في تلك الليلة، لم تستطع ليلى أن تنام. صور والدها، والدتها، عمر، وهذا الشقيق المفترض، كانت تتصارع في ذهنها. شعرت بأنها تقف على مفترق طرق، طريق يقود إلى ماضي غامض، وطريق آخر إلى مستقبل كان يبدو واضحاً، ولكنه الآن غدا محفوفاً بالظلال.

بعد أيام قليلة، تلقت ليلى رسالة نصية من رقمها الأول. لم تكن تلك الرسالة صوتاً، بل كانت تحمل كلمات مكتوبة، لكنها بدت كهمسات خفية من عالم آخر.

"أعلم أنكِ مترددة، وأعلم أن الأمر مفاجئ. لكنني أرغب حقاً في مقابلتكِ. أريد أن أرى وجه أبي مرة أخرى، من خلال عينيكِ. هناك مكان هادئ، بعيد عن الأنظار. غداً، عند الظهيرة. إذا قبلتِ، انتظري في المقهى المطل على حديقة الأندلس."

شعرت ليلى برجفة تسري في عروقها. كان القرار صعباً. مخاطبة هذا المجهول، مقابلة هذا السر. لكن غريزة ما، ربما غريزة الدم، أو ربما فضول لا يقاوم، دفعها إلى اتخاذ قرار. قرار قد يغير كل شيء.

في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى وقلبها يدق بسرعة. ارتدت ملابس محتشمة، لكنها كانت تشعر بأن كل عين تراقبها. ذهبت إلى الجامعة، حاولت أن تركز في محاضراتها، لكن كل كلمة كانت تتسرب من أستاذها. كانت تفكر في تلك الحديقة، في ذلك المقهى، وفي ذلك الوجه الغريب الذي قد يكون أخاها.

عندما حان الموعد، شعرت وكأن خطواتها أصبحت أثقل. وصلت إلى حديقة الأندلس، وهي واحة من الهدوء في قلب المدينة الصاخبة. وجدت المقهى، وجلست في ركن منعزل، وقلبها يتأرجح بين الخوف والشوق.

مرت الدقائق كأنها ساعات. كانت تراقب كل شخص يدخل المقهى. لم يكن هناك وجه مألوف. بدأت اليأس يتسرب إليها. ربما لن يأتي. ربما كان مجرد وهم.

فجأة، رأت رجلاً يدخل المقهى. كان رجلاً في أواخر الثلاثينات، طويل القامة، ذو لحية خفيفة، وملامح تبدو مألوفة بشكل غامض. لم يكن وسيماً بالمعنى المتعارف عليه، لكن كانت هناك قوة وهدوء يشعان منه. عيناه، كانتا تحملان نفس العمق الذي كانت تراه في عيني والدها في بعض الأحيان.

تقدم الرجل ببطء نحو طاولتها. توقف أمامها، ونظر إليها بعينين فيهما مزيج من الشوق والحيرة.

"ليلى؟" سأل بصوت خشن قليلاً، لكنه كان يحمل دفئاً مفاجئاً.

نظرت ليلى إليه، وارتسمت علامات الصدمة على وجهها. كان هناك شيء في عينيه، في طريقة وقفته، يذكرها بشيء بعيد، شيء لم تستطع استدعاءه.

"أنت… أنت هو؟" سألت بصوت متهدج.

ابتسم الرجل ابتسامة باهتة. "نعم. أنا أخوك."

جلست ليلى، تشعر بأن الأرض تميد بها. لم تكن تعرف كيف تبدأ. لم تكن تعرف ما تقوله. أمامها يقف رجل، يحمل نفس الدم، يحمل ذكريات والدها، ويحمل معها سراً عظيماً. نقطة اللاعودة قد تم تجاوزها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%