قصة حب الجزء الثاني

عبقُ الماضي وآفاقُ الحاضر

بقلم مريم الحسن

عندما بزغتْ خيوطُ الشمسِ الأولى، وامتدتْ أشعتها الذهبيةُ لترسمَ لوحةً بديعةً على جدرانِ "قصر الريحان"، كانتْ "ليلى" قدْ استيقظتْ منذُ ساعات. لم يكنْ نومها عميقاً، بل كانَ متقطعاً، تغشاهُ أحلامٌ متداخلةٌ بينَ همساتِ الماضي ورنينِ المستقبل. كانتْ رائحةُ القهوةِ العربيةِ الممزوجةِ بعطرِ الهيلِ تفوحُ من المطبخِ الرئيسي، تعلنُ بدايةَ يومٍ جديدٍ، يومٍ يحملُ وعداً بلقاءٍ ينتظرهُ الكثيرون.

نزلتْ "ليلى" درجَ القصرِ الفاخر، بخطواتٍ هادئةٍ تكادُ لا تُسمع. كانتْ ترتدي ثوباً حريرياً بلونِ الياقوتِ الأحمر، يتناسبُ معَ شعرها الأسودِ المنسدلِ على كتفيها. كانَ جمالها هادئاً، يميلُ إلى الغموض، كما لوْ كانَ يحملُ سراً دفين. لم يكنْ جمالها صارخاً، بل كانَ متدفقاً، يتسللُ إلى النفوسِ برقةٍ ولطف.

في قاعةِ الطعامِ الرحبة، كانتْ "الحاجة زبيدة" قدْ اجتمعتْ بـ "نور"، ابنةِ عمها. كانتْ "نور" تتمتعُ بجمالٍ مختلفٍ عن "ليلى". كانَ جمالها مشرقاً، كشمسِ الصباح، مليئاً بالحياةِ والحيوية. كانتْ تتحدثُ بحماسٍ، وعيناها تلمعانِ ببريقٍ خاص.

"صباحُ الخيرِ يا جدتي، صباحُ الخيرِ يا "نور"." قالتْ "ليلى" بصوتٍ هادئ، ثمَّ جلستْ بجوار "نور".

"صباحُ النورِ يا "ليلى"!" أجابتْ "نور" بابتسامةٍ واسعة. "لقدْ كنتُ أحدثُ جدتي عنْ ترتيباتِ الحفلِ الكبير. كلُّ شيءٍ يسيرُ على ما يرام."

"ولكنْ، هلْ أنتِ سعيدةٌ يا "نور"؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ خفيض، لتسمعهُ "نور" وحدها.

نظرتْ "نور" إلى "ليلى" بتساؤل، ثمَّ غمرتها ابتسامةٌ حزينة. "السعادةُ يا "ليلى" هيَ أنْ نرضى بما قسمَ اللهُ لنا. وأنا أحاولُ ذلك."

"لكنْ… هلْ تحبينهُ؟" أصرتْ "ليلى".

تنهدتْ "نور" وقالتْ: "الحبُّ شعورٌ عميقٌ، يا "ليلى". وأنا… لا أعرفُ إنْ كانَ هذا الشعورُ موجوداً الآن. لكنني أعرفُ أنَّ "الشيخَ سليمان" رجلٌ صالح، وسيُعاملني بالحسنى. وهذا يكفي، أليسَ كذلك؟"

لم تجبْ "ليلى". كانتْ تعرفُ أنَّ "نور" كانتْ تخفي شيئاً، تخفي أملاً دفيناً في أنْ تجدَ الحبَّ الذي طالما قرأتْ عنه في الكتب، وعاشتْ أحلامَهُ في خيالها.

بدأتْ "الحاجة زبيدة" بالحديث: "غداً، سنذهبُ أنا و"نور" إلى المدينةِ لشراءِ بعضِ الأشياءِ الخاصةِ بالزواج. "ليلى"، هلْ تودينَ المجيءَ معنا؟"

نظرتْ "ليلى" إلى "نور" التي هزتْ رأسها بالموافقة، وبدا عليها بعضُ السرور. "ربما، أيتها الجدة. سأفكرُ في الأمر."

كانتْ "ليلى" تشعرُ بالفضولِ تجاهَ هذا "الشيخِ سليمان". منْ هوَ؟ وماذا يريدُ؟ هلْ هوَ مجردُ رجلٍ يبحثُ عنْ زوجةٍ صالحة؟ أمْ أنَّ وراءَ هذهِ الزيارةِ أسباباً أخرى؟

بعدَ انتهاءِ الإفطار، انصرفتْ "ليلى" إلى مكتبتها الخاصة، وهيَ غرفةٌ صغيرةٌ مليئةٌ بالكتبِ العتيقةِ واللوحاتِ الفنية. كانتْ المكتبةُ ملاذها، حيثُ تجدُ السكينةَ والهدوءَ بينَ رفوفِ الكتبِ التي تحملُ عبقَ الماضي. كانتْ "ليلى" تقضي ساعاتٍ طويلةً هنا، تقرأُ الشعرَ، وتتأملُ في تاريخِ عائلتها، وتستعيدُ ذكرياتِ والدتها.

فتحتْ أحدَ الكتبِ القديمة، وهوَ ديوانُ شعرٍ عربيٍّ عريق. وبينَ الصفحاتِ، وجدتْ ورقةً صغيرةً مطوية. فتحتها بحذر، فوجدتْ فيها قصيدةً كتبتها والدتها بخطٍ جميلٍ متقن. كانتْ القصيدةُ عنْ الحبِّ العميق، وعنْ الشوقِ الذي لا ينتهي. شعرتْ "ليلى" بدموعٍ تتجمعُ في عينيها. كانتْ هذهِ القصيدةُ كأنها رسالةٌ منْ الماضي، تذكرها بأنَّ الحبَّ يمكنُ أنْ يكونَ قوياً، صادقاً، وملتهباً.

فجأةً، سُمعَ صوتُ جلبةٍ خارجَ المكتبة. صخبٌ غيرُ معتادٍ في هذا الجزءِ من القصر. نهضتْ "ليلى" بسرعة، وانفتحتْ عليها الأبوابُ ببطء، لتكشفَ عنْ مشهدٍ أدهشها.

كانَ "الشيخُ سليمان" يقفُ في قاعةِ الاستقبال، محاطاً ببعضِ الرجالِ الذينَ يبدو أنهمْ مرافقوه. كانَ رجلاً في منتصفِ العمر، ذو ملامحَ صارمةٍ لكنها تحملُ وقاراً. كانَ يرتدي ثياباً أنيقةً، ويحملُ في يدهِ حقيبةً جلدية.

كانتْ "الحاجة زبيدة" و"نور" تستقبلانهُ بحرارة. تقدمتْ "ليلى" بحذر، وشعرتْ بأنَّ جميعَ الأعينِ تتجهُ إليها. مرتْ بنظرها سريعاً على وجهِ "الشيخِ سليمان"، وشعرتْ بشيءٍ غريب. لم يكنْ مجردَ فضولٍ، بل كانَ فيهِ شيءٌ منَ التحدي، وربما، شيءٌ منَ الاهتمامِ المفاجئ.

"أهلاً وسهلاً بكَ يا شيخَ سليمان." قالتْ "الحاجة زبيدة" بصوتٍ ترحيبي. "نحنُ سعداءُ جداً بلقائك."

"وأنا أسعدُ بلقائكم." أجابَ "الشيخُ سليمان" بصوتٍ عميقٍ وهادئ. ثمَّ نظرَ إلى "ليلى" بشكلٍ مباشر، وابتسمَ ابتسامةً خفيفة. "وهذهِ هيَ الآنسةُ ليلى، أليسَ كذلك؟"

شعرتْ "ليلى" بالارتباك. كيفَ عرفَ اسمها؟ "نعم، أنا هي." أجابتْ بصوتٍ يرتجفُ قليلاً.

"لقدْ سمعتُ الكثيرَ عنْ جمالِكِ وذوقكِ الفني." قالَ "الشيخُ سليمان"، وعيناهُ لا تزالانِ مثبتتينِ عليها. "وإنني سعيدٌ جداً بلقائكِ أخيراً."

شعرتْ "ليلى" بخفقانٍ متسارعٍ في قلبها. كانتْ هذهِ مجاملةٌ غيرُ متوقعة، خاصةً منْ رجلٍ لم يلتقِ بها منْ قبل. لكنْ، كانَ فيها شيءٌ منَ الصدقِ الذي لا يمكنُ إنكاره.

"شكراً لكَ، سيدي." أجابتْ "ليلى"، وحاولتْ أنْ تستعيدَ رباطةَ جأشها.

"الجمالُ والفنُّ هما هبةٌ منَ الله." قالَ "الشيخُ سليمان" بنبرةٍ تحملُ شيئاً منَ الحكمة. "ولكنْ، الأهمُّ هوَ الروحُ الطيبةُ والقلبُ الصادق."

استمرَّ اللقاءُ ببعضِ الأحاديثِ العامةِ عنْ أحوالِ المدينةِ وعنْ ترتيباتِ الزواج. لكنْ، "ليلى" لم تستطعْ أنْ تنزعَ عينيها عنْ "الشيخِ سليمان". كانتْ تشعرُ بأنَّ هناكَ شيئاً بينهما، شيئاً غامضاً، شيئاً ينتظرُ أنْ يكشفَ عنْ نفسهِ.

عندما حانَ وقتُ المغادرة، وقفَ "الشيخُ سليمان" أمامَ "ليلى". "لقدْ كانَ لقاءً ممتعاً، الآنسةُ ليلى." قالَ. "أتمنى أنْ نلتقيَ مرةً أخرى قريباً."

"وإنني أتمنى ذلكَ أيضاً، سيدي." أجابتْ "ليلى"، وشعرتْ بوخزةٍ غريبةٍ في قلبها.

خرجَ "الشيخُ سليمان" معَ مرافقيه، تاركاً وراءهُ فراغاً ملحوظاً في قاعةِ الاستقبال. نظرتْ "ليلى" إلى "نور" التي كانتْ تبتسمُ بسعادة، وإلى جدتها التي كانتْ تبدو راضيةً. لكنْ، في قلب "ليلى"، كانتْ هناكَ عاصفةٌ منَ المشاعرِ تتكشف. لقدْ تغيرَ شيءٌ ما في "قصر الريحان" اليوم. لقدْ دخلَ "الشيخُ سليمان" إلى هذا القصر، ولم يدخلْ فقطَ كخطيبٍ لـ "نور"، بل دخلَ كعاصفةٍ هبتْ على عالم "ليلى" الهادئ، مهددةً بقلبهِ، وربما، بقلوبٍ أخرى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%