قصة حب الجزء الثاني

لقاء الظلال وبوح الأسرار

بقلم مريم الحسن

جلست ليلى، وقلبها يخفق بعنف، أمام الرجل الذي عرفته الآن بأنه أخاها. لم يكن مجرد رجل غريب، بل كان جزءاً من ماضي والدها، جزءاً من قصتها التي لم تكن تعرفها. كان يدعى "فهد".

"فهد؟" قالت ليلى، وكان اسمها يخرج منها كأنه سؤال.

أومأ فهد برأسه. "نعم، ليلى. أنا فهد. أخوكِ الأكبر."

صمتٌ ثقيل خيّم على الطاولة، لم يقطعه سوى صوت فنجان قهوة يرتطم بالطبق. كانت ليلى تبحث في ملامحه عن أي أثر لوالدها، عن أي تفصيل يربطه بذلك الرجل الذي لم تعد تراه إلا في صورها وذكرياتها.

"لم أتوقع… أبداً… أن ألتقي بكَ هكذا،" قالت ليلى أخيراً، وهي تحاول استجماع أفكارها.

ابتسم فهد مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت ابتسامته تحمل مرارة واضحة. "وأنا كذلك. الحياة تأخذنا أحياناً في دروب لم نحسب لها حساباً."

طلب فهد من النادل كوب ماء، ثم استند إلى الخلف، وبدأ يحكي. كانت قصته رحلة طويلة، مليئة بالتيه والبحث. تحدث عن طفولته التي قضاها بعيداً عن الأب، عن أمه التي كانت تحكي له عنه بحنين، لكنها لم تمنحه فرصة للقاء. تحدث عن سعيه لمعرفة المزيد عن والده، عن البحث المضني الذي استغرق سنوات.

"كنتُ أعرف أن له عائلة أخرى،" قال فهد وعيناه تنظران بعيداً، كأنه يرى تلك السنوات تتجسد أمامه، "كنتُ أعرف أنه تزوج مرة أخرى، ورزق بابنة. كنتُ أشعر دائماً بأن هناك جزءاً ناقصاً في حياتي، جزءاً كنتُ أبحث عنه دون كلل."

نظرت ليلى إليه، تشعر بمزيج من الشفقة والفضول. كل هذه السنوات، وهو يبحث عنها، وعنها هي أيضاً، دون أن تدري.

"كيف… كيف عرفتَ عني؟" سألت ليلى، وهي تتذكر مكالماته الأولى.

"توفي والدي… رحمه الله… قبل عدة سنوات. وجدتُ بين أوراقه بعض الرسائل القديمة. بعضها كان لوالدتي، وبعضها كان… لك. رسائل منه إليكِ. من خلال تلك الرسائل، عرفتُ أكثر. ثم بدأتُ أبحث عنكِ، عن طريق والدتكِ… الأستاذة عائشة. لم أرد أن أزعجكم، أردتُ فقط أن أتأكد."

"والدتي؟" تساءلت ليلى، متذكرة حديث والدتها عنها.

"نعم، لقد تواصلتُ معها. كانت رحيمة جداً، وفتحت لي قلبها. هي التي شجعتني على طلب لقائكِ."

شعرت ليلى بحرج شديد. كيف استطاعت والدتها أن تكون بهذه الرحمة، وهي التي كانت تعتقد أن كل شيء عن والدها أصبح طي الماضي؟

"هل… هل كنتَ تعرف أنني مخطوبة؟" سألت ليلى، والكلمة الأخيرة خرجت منها بصعوبة.

رفع فهد حاجبيه قليلاً. "نعم، أخبرتني والدتكِ. مبارك لكِ. أتمنى لكِ كل السعادة."

تنهدت ليلى. "شكراً لكَ. عمر… خطيبي… رجل طيب للغاية. وهو… وهو يعلم كل شيء عني، وعن عائلتي."

"أتفهم ذلك،" قال فهد، ثم نظر إلى ساعته. "لم أكن أريد أن أطيل عليكِ. كنتُ أريد فقط أن أرى وجهكِ، وأن أطمئن. وأن أخبركِ بالحقيقة كاملة."

"لكن… هل أنتَ هنا لتبقى؟" سألت ليلى، والكلمة حملت معها خوفاً وقلقاً.

"لا أعرف يا ليلى. حياتي مليئة بالالتزامات، وأعيش في مدينة بعيدة. لكنني سأزوركِ بالتأكيد. وسأبقى على تواصل معكِ. أنتِ أختي."

نظر فهد في عيني ليلى، ورأت فيهما صدقاً عميقاً. كان هناك شعور بالارتباط، شعور غريب ولكنه حقيقي.

"هل… هل لديكَ عائلة؟" سألت ليلى، وهي تحاول أن تعرف المزيد.

"نعم، متزوج، ولدي طفلان. ابنة تشبهكِ في عمرها تقريباً."

ابتسمت ليلى. "هذا رائع."

"هل لديكِ أطفال؟" سأل فهد.

"لا، لم أتزوج بعد."

"أتمنى أن يكون زواجكِ سعيداً ومباركاً."

نهض فهد، ومد يده إلى ليلى. "حان وقت رحيلي. لا أريد أن أتأخر أكثر. لكنني سأتصل بكِ قريباً، وسنتحدث أكثر. وما رأيكِ في أن نلتقي أنا ووالدتكِ قريباً؟"

"بالتأكيد،" قالت ليلى، وشعرت بأن ثقلاً كبيراً قد أزيح عن صدرها.

صافحت ليلى يد فهد، وشعرت بمدى قوته. كانت تلك المصافحة أشبه بربط لخيط كان مقطوعاً منذ زمن طويل.

عندما غادر فهد المقهى، بقيت ليلى جالسة، تفكر في كل ما سمعته. كانت المعلومات كثيرة، والصدمة لا تزال تتردد في أعماقها. أخٌ لم تعرفه، ماضي غامض، وحقيقة بدأت تتكشف.

ذهبت ليلى إلى المنزل، وقلبها مليء بالمشاعر المتناقضة. وجدت والدتها في الحديقة، تقرأ كتاباً.

"أمي!" نادت ليلى، والصوت يحمل حزناً وفرحاً في آن واحد.

التفتت الأستاذة عائشة، ورأت في عيني ابنتها إجابات لأسئلتها. "ماذا قال؟"

"لقد… لقد تحدثنا."

"وهل…؟"

"نعم يا أمي. إنه أخي. اسمه فهد. قصته… معقدة. لكنه رجل طيب. وقد أتى ليراني."

احتضنت الأستاذة عائشة ابنتها بحنان. "الحمد لله. كنتُ قلقة جداً."

"لكن يا أمي، كيف؟ كيف كل هذا؟"

"الأقدار يا ابنتي. الأقدار تنسج خيوطها بطرق لا نفهمها. والدكِ كان رجلاً طيباً، لكنه عانى كثيراً. واختياراته كانت… في بعض الأحيان… صعبة."

"لكن… عمر؟ كيف سأخبره؟"

"سنتحدث مع عمر سوياً، يا ليلى. سنوضح له كل شيء. هو رجل عاقل، وسيتفهم. المهم الآن أنكِ تعرفين الحقيقة، وأنكِ لستِ وحدكِ."

جلست ليلى بجوار والدتها، تتأمل في غصون الأشجار. كانت الحقيقة مؤلمة، لكنها كانت أيضاً بداية لمرحلة جديدة. مرحلة لم تكن تتوقعها أبداً. كانت نقطة اللاعودة قد تجاوزت، وبات عليها الآن أن تواجه المستقبل، بكل ما يحمله من مفاجآت.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%