قصة حب الجزء الثاني
لقاءٌ في حديقةِ الأسرار
بقلم مريم الحسن
بعدَ مغادرةِ "الشيخِ سليمان"، سادَ جوٌّ منَ النشاطِ والسعادةِ في "قصر الريحان". كانتْ "نور" غارقةً في أحلامِ زواجها، وتتحدثُ باستمرارٍ عنْ تفاصيلِ الفستانِ والحفل. أما "الحاجة زبيدة"، فكانتْ تتابعُ الأمورَ بعينِ الحكمةِ والخبرة، مطمئنةً الجميعَ بأنَّ كلَّ شيءٍ سيتمُّ على أكملِ وجه.
أما "ليلى"، فكانتْ لا تزالُ تحتَ تأثيرِ اللقاء. لم يكنْ الأمرُ مجردَ اهتمامٍ عابر؛ بل كانَ شيئاً أعمق، شعوراً بالغَوضِ والفضولِ الذي لم تستطعْ تفسيره. لماذا شعرَتْ بهذا الارتباكِ أمام "الشيخِ سليمان"؟ ولماذا شعرَتْ بأنَّ عينيهِ تخترقانِ دروعَ حذرها؟
في صباحِ اليومِ التالي، قررتْ "ليلى" أنْ تخرجَ في نزهةٍ إلى حديقةِ القصرِ الخلفية، وهيَ مكانٌ نادرُ الزيارة، مليءٌ بالأشجارِ العتيقةِ والأزهارِ البرية. كانتْ هذهِ الحديقةُ بمثابةِ واحتها السرية، حيثُ تلجأُ إليها عندما تشعرُ بالحاجةِ إلى الهدوءِ والتأمل.
كانتْ الشمسُ قدْ بلغتْ كبدَ السماء، وكانتْ أصواتُ العصافيرِ تملأُ المكانَ بأغنياتٍ عذبة. مشتْ "ليلى" بينَ الأشجارِ الطويلة، تتأملُ في سحرِ الطبيعةِ الخلاب. كانتْ الأوراقُ المتساقطةُ تشكلُ سجادةً ذهبيةً على الأرض، وكانتْ رائحةُ الترابِ الرطبِ تمتزجُ برائحةِ الأزهارِ العطرة.
جلستْ "ليلى" تحتَ شجرةِ عنبٍ معمرة، وبدأتْ تتأملُ في خيوطِ الندى المتلألئةِ على أوراقِ العنب. كانتْ تشعرُ براحةٍ غريبة، وبصفاءٍ نادرٍ في روحها. بدأتْ ترسمُ في دفترها الصغير، تتخيلُ عالماً مثالياً، عالماً يخلو منَ التعقيداتِ والهموم.
فجأةً، سُمعَ صوتُ خطواتٍ تقترب. رفعتْ "ليلى" رأسها، وقلبها يدقُّ بسرعة. هلْ هوَ أحدُ الخدم؟ أمْ أنَّ "نور" أتتْ لتبحثَ عنها؟
لكنْ، ما رأتهُ جعلها تتجمدُ في مكانها. كانَ "الشيخُ سليمان" يقفُ على بعدِ أمتارٍ قليلة، ينظرُ إليها بابتسامةٍ هادئة. لم يكنْ يتوقعُ أنْ تلتقيَ بهِ هنا، في هذا المكانِ المعزول.
"آه، الآنسةُ ليلى. لم أتوقعْ أنْ أراكِ هنا." قالَ "الشيخُ سليمان" بنبرةٍ تحملُ بعضَ المفاجأة.
"وأنا أيضاً، سيدي." أجابتْ "ليلى"، محاولةً أنْ تبدو هادئةً قدرَ الإمكان. "كنتُ أستمتعُ بالهدوءِ هنا."
"هذهِ الحديقةُ جميلةٌ جداً." قالَ، ثمَّ اقتربَ منها ببطء. "أتساءلُ، هلْ تسمحينَ لي بالجلوسِ هنا لبعضِ الوقت؟"
ترددتْ "ليلى" للحظة، ثمَّ هزتْ رأسها بالموافقة. "بالطبع، تفضل."
جلسَ "الشيخُ سليمان" بجوارها، لكنْ معَ مسافةٍ احترمتْ الحدود. سادَ الصمتُ لبعضِ الوقت، صمتٌ لم يكنْ مريحاً تماماً، بل كانَ محملاً بالأسئلةِ والترقب.
"تبدينَ شاردةَ الذهن." قالَ "الشيخُ سليمان" أخيراً. "هلْ هناكَ ما يزعجكِ؟"
نظرتْ "ليلى" إلى الأرض، ثمَّ أجابتْ بصوتٍ منخفض: "لا شيء، سيدي. فقطْ أفكرُ في الأمور."
"الأمورُ غالباً ما تكونُ أكثرَ تعقيداً مما تبدو عليه." قالَ. "ولكنْ، أحياناً، كلُّ ما نحتاجُ إليهِ هوَ شخصٌ ليسمعَ لنا."
شعرتْ "ليلى" بأنَّ كلماته تحملُ معنًى أعمق. هلْ كانَ يتحدثُ عنْ "نور"؟ أمْ أنهُ كانَ يتحدثُ عنْ نفسها؟
"أنا… لا أحبُّ أنْ أتحدثَ كثيراً عنْ نفسي." قالتْ "ليلى". "أفضلُ أنْ أرى الأمورَ بنفسي."
ابتسمَ "الشيخُ سليمان" ابتسامةً حقيقيةً هذهِ المرة. "هذا أمرٌ جيدٌ. القوةُ الحقيقيةُ تكمنُ في فهمِ الذات. ولكنْ، ألا تعتقدينَ أنَّ مشاركةَ أفكارنا معَ الآخرينِ يمكنُ أنْ تمنحنا منظوراً جديداً؟"
"ربما." أجابتْ "ليلى"، ثمَّ رفعتْ بصرها لتلتقيَ بعينيه. "ولكنْ، كيفَ يمكنُني أنْ أثقَ في الآخرين؟"
"الثقةُ تُبنى، يا الآنسةُ ليلى." قالَ. "وتُبنى على الصدقِ والوفاء. وهيَ عملةٌ نادرةٌ في هذا الزمن."
صمتتْ "ليلى" لبعضِ الوقت، ثمَّ قالتْ: "لقدْ سمعتُ أنكَ قادمٌ إلى هنا لتتمَّ ترتيباتِ زواجكِ منْ ابنةِ عمي، "نور"."
"نعم، هذا صحيح." أجابَ. "وهيَ فتاةٌ طيبةٌ جداً، وأنا سعيدٌ بزواجي منها."
"هلْ… هلْ تحبها؟" سألتْ "ليلى"، لم تستطعْ كبحَ فضولها.
نظرَ "الشيخُ سليمان" إلى السماء، وبدا عليهِ بعضُ التفكير. "الحبُّ يتخذُ أشكالاً مختلفة، يا الآنسةُ ليلى. هناكَ حبٌّ يشبهُ العشقَ، وحبٌّ يشبهُ المودةَ والصداقة. وأنا… أحترمُ "نور" كثيراً، وأقدرُ عائلتها. وسأبذلُ قصارى جهدي لجعلها سعيدة."
شعرتْ "ليلى" ببعضِ الارتياح. كانَ "الشيخُ سليمان" صادقاً في كلامه، ولم يحاولْ التظاهرَ بما ليسَ في قلبه. ولكنْ، كانتْ هناكَ نظرةٌ في عينيه، نظرةٌ لم تستطعْ أنْ تفهمها، نظرةٌ تحملُ شيئاً منَ الحزنِ المخفي، أو ربما، منَ التحدي.
"أنا سعيدةٌ لسماعِ ذلك." قالتْ "ليلى" بصوتٍ هادئ. "أتمنى لكما كلَّ التوفيق."
"شكراً لكِ. وأنا أيضاً أتمنى لكِ كلَّ الخير." قالَ، ثمَّ وقفتْ. "يبدو أنَّ الوقتَ قدْ تأخر. عليَّ الذهابُ الآن. ولكنْ، أودُّ أنْ أقولَ شيئاً أخيراً."
توقفتْ "ليلى" ونظرتْ إليهِ بترقب.
"الحياةُ رحلةٌ غامضة، يا الآنسةُ ليلى." قالَ. "وأحياناً، نجدُ أنفسنا أمامَ مفترقاتِ طرقٍ لم نتوقعها. المهمُ هوَ أنْ نختارَ الطريقَ الذي يرضي اللهَ، ويحفظُ كرامتنا."
أومأَتْ "ليلى" برأسها، ولم تجدْ الكلماتِ المناسبةَ لتردَّ بها. ثمَّ غادرَ "الشيخُ سليمان"، تاركاً "ليلى" وحدها في حديقةِ الأسرار، محملةً بأفكارٍ جديدة، وبشعورٍ غامضٍ بأنَّ هذهِ الرحلةَ التي بدأتْ للتو، قدْ تكونُ أكثرَ تعقيداً وإثارةً مما كانتْ تتصور.