قصة حب الجزء الثاني
ظلالُ الماضي تلوحُ في الأفق
بقلم مريم الحسن
كانتْ الأيامُ تمضي في "قصر الريحان" بوتيرةٍ هادئةٍ متجددة. كانتْ "نور" منهمكةً في التحضيراتِ النهائيةِ لزواجها، تتنقلُ بينَ صالوناتِ القصرِ كالفراشةِ الملونة، تتحدثُ عنْ فستانِ الزفافِ وعنْ قائمةِ الضيوف. أما "ليلى"، فكانتْ تلتزمُ دورها الهادئ، تشاركُ أختَ عمها في بعضِ التفاصيل، لكنها كانتْ تظلُّ تفكرُ في لقاءاتها المفاجئةِ معَ "الشيخِ سليمان" في حديقةِ القصر.
كانتْ تلكَ اللقاءاتُ قدْ أصبحتْ عادةً تتكررُ كلما سنحتِ الفرصة. كانَ "الشيخُ سليمان" يجدُ الأعذارَ للحديثِ معها، وليستكشفَ عالمها الفنيَّ والأدبي. كانتْ "ليلى" تشعرُ بجاذبيةٍ غريبةٍ تجاهَ هذا الرجل، انجذابٌ لم تفهمه، انجذابٌ جعلها تتجاوزُ حاجزَ الحذرِ الذي بنتهُ حولَ قلبها. كانتْ تجدُ فيهِ روحاً تفهمُ ما لا تبوحُ به، وفكراً يلامسُ أعماقَ ذاتها.
في إحدى الأمسيات، وبينما كانتْ "ليلى" تجلسُ في مكتبتها، تقرأُ كتاباً قديماً عنْ تاريخِ العمارةِ الإسلامية، سمعتْ طرقاً خفيفاً على الباب. لم يكنْ طرقاً قوياً كطرقِ الخدم، بل كانَ لطيفاً، أشبهَ بنقراتِ الطيور.
"ادخل." قالتْ "ليلى"، وما إنْ فتحَ الباب، حتى وجدتْ "الشيخَ سليمان" يقفُ أمامه، يحملُ في يدهِ باقةً منَ الياسمينِ الأبيض.
"مساءُ الخيرِ، الآنسةُ ليلى." قالَ بصوتٍ هادئ. "أتمنى أنْ لا أكونَ قدْ أزعجتُكِ."
"أبداً، سيدي. تفضل." قالتْ "ليلى"، وهيَ تشعرُ بدفءٍ يتسللُ إلى قلبها.
وضعَ "الشيخُ سليمان" باقةَ الياسمينِ على طاولةٍ قريبة، ثمَّ جلسَ أمامها. "كنتُ ماراً، ورأيتُ ضوءَ المصباحِ يتسللُ منْ نافذتكِ. فقلتُ، لمَ لا ألقيَ نظرةً؟"
"أنتَ كريمٌ جداً." قالتْ "ليلى"، وشعرتْ بأنَّ كلماته تحملُ شيئاً منَ المجاملةِ الخجولة.
"ولكنْ، ما الذي تشغلُ بالكِ بهذهِ الليلة؟" سألَ "الشيخُ سليمان"، وعيناهُ تتفحصانِ وجهها. "تبدينَ وكأنكِ في عالمٍ آخر."
تنهدتْ "ليلى". "كنتُ أقرأُ عنْ تاريخِ أجدادنا، وكيفَ بنوا هذا القصرَ العظيم. وأفكرُ… كيفَ أنَّ كلَّ شيءٍ يمرُّ، ولا يبقى إلا الأثر."
"الأثرُ الجميلُ هوَ الذي يبقى." قالَ "الشيخُ سليمان". "والأعمالُ الصالحةُ والأخلاقُ الحسنةُ هيَ الأثرُ الحقيقيُّ الذي نتركهُ خلفنا."
"ولكنْ، ماذا عنْ المشاعر؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ مفاجئ. "ماذا عنْ الحبِّ الذي يشتعلُ في القلوب؟ هلْ يبقى لهُ أثرٌ؟"
نظرَ "الشيخُ سليمان" إليها بتفحصٍ، ثمَّ قالَ: "الحبُّ الصادقُ، الذي يبتغي وجهَ الله، هوَ أجملُ الأثر. إنهُ يضيءُ الأرواحَ، ويمنحُ الحياةَ معنى. ولكنْ، يجبُ أنْ يكونَ الحبُّ ضمنَ الحدودِ التي شرعها الله."
صمتتْ "ليلى". كانتْ كلماته تلامسُ قلقاً دفينياً في نفسها. كانتْ تشعرُ بشيءٍ تجاهَ "الشيخِ سليمان"، شيءٌ لا تعرفُ إنْ كانَ حلالاً أمْ حراماً. كانتْ تخشى أنْ يقعَ قلبها في حبٍّ لا يرضي الله.
"أنا… لا أعرفُ الكثيرَ عنْ هذهِ الأمور." قالتْ "ليلى" بخجل. "أنا فقط… أعيشُ حياتي كما هي."
"هذا جيدٌ." قالَ "الشيخُ سليمان". "ولكنْ، عندما نحتاجُ إلى إجابات، يجبُ أنْ نبحثَ عنها. الإسلامُ دينُ يسرٍ ورحمة، ولكنهُ أيضاً دينُ تنظيمٍ وضوابط."
في تلكَ اللحظة، سُمعَ صوتُ "نور" تنادي منْ خارجِ المكتبة: "ليلى! "الشيخُ سليمان"! هلْ أنتما هنا؟"
نهضَ "الشيخُ سليمان" بسرعة، وارتسمتْ على وجههِ ابتسامةٌ رسمية. "يبدو أنَّ وقتَ الزيارةِ قدْ انتهى."
"ربما، كانَ هذا جيداً." قالتْ "ليلى" وهيَ تشعرُ بارتياحٍ غريب.
"ربما." أجابَ، ثمَّ استقبلَ "نور" بابتسامةٍ دافئة.
"أتمنى أنْ أكونَ قدْ استمتعتَ بأمسيتك، سيدي." قالتْ "ليلى" وهيَ تخرجُ منَ المكتبة.
"بلْ استمتعتُ كثيراً." قالَ "الشيخُ سليمان". "ولكنْ، يجبُ أنْ أعترفَ، أنَّ سحرَ "قصر الريحان" ليسَ فقطَ في جدرانه، بل في روحِ منْ يسكنه."
انتهتْ تلكَ الأمسية، لكنَّ ظلالَ الماضي بدأتْ تلوحُ في الأفق. كانَ "الشيخُ سليمان" يخفي سراً، سراً يتعلقُ بماضيه، وببعضِ الأحداثِ التي جعلتهُ رجلاً يحملُ هذا الوقارَ وهذا العمق. كانتْ "ليلى" تشعرُ بذلك، ولكنها لم تجرؤْ على طرحِ الأسئلة.
وفي تطورٍ مفاجئ، وصلَ إلى "قصر الريحان" رسالةٌ غريبةٌ لـ "ليلى". كانتْ الرسالةُ موقعةً باسمٍ مجهول، لكنها حملتْ تحذيراً مبطناً، تحذيراً منَ "الشيخِ سليمان"، ومنْ نواياه. لم تستطعْ "ليلى" تجاهلَ هذهِ الرسالة. شعرتْ بأنَّ هناكَ أمراً جللاً يحدث، أمراً يتعلقُ بسعادةِ "نور"، وربما، يتعلقُ بقلبها هيَ أيضاً.