قصة حب الجزء الثاني

فخ الوهم

بقلم مريم الحسن

كانت نسمة، تلك الفتاة التي أضاءت حياته ببريقها، قد انسحبت الآن تاركةً فراغاً موحشاً في صدره. لم تكن مجرد غياب، بل كانت طعنةً عميقةً اخترقت شغاف قلبه، وأيقظت فيه وحوشاً كامنةً كان يظن أنه قهرها إلى الأبد. لم يكن يدري كيف استطاعت كلماتها، رغم رقتها الظاهرة، أن تحدث كل هذا الدمار. "لا أستطيع أن أتزوج رجلاً يضيع في بحر الوهم، يا سالم. قلبي يتوق إلى اليقين، إلى يدٍ تقودني إلى بر الأمان، لا يدٌ تتأرجح بين الحقيقة والخيال." تلك الجملة، كحجرٍ أُلقي في بئرٍ عميق، أحدثت تموجاتٍ لا تهدأ في روحه.

جلس سالم وحيداً في غرفته التي كانت فيما مضى ملاذه، والآن تبدو له سجناً. الأوراق المتناثرة على مكتبه، التي كانت شواهد على اجتهاده وسعيه نحو التميز، باتت الآن رموزاً لضياعه. كان يتنقل بين الكتب، صفحات التاريخ، أساطير الأولين، روايات لم تكتمل، كلها محاولات يائسة للهروب من الواقع. الوهم، ذلك الضيف الثقيل الذي لازمه منذ نعومة أظفاره، عاد ليقبض على زمام أموره، ليس كضيفٍ عابر، بل كسيدٍ متملك.

كانت لديه موهبةٌ لا يختلف عليها اثنان؛ قدرته على نسج القصص، خلق عوالمَ لا وجود لها، وملء الفراغات بنماذجَ مثاليةٍ وساحرة. لطالما فُتن بهذه القدرة، بل استمد منها ثقته بنفسه. لكن الآن، انقلبت النعمة نقمة. أصبح يرى في الواقع بهتاناً، وفي الأحلام بهاءً. يتوق إلى تلك الأفكار الجامحة، إلى الشخصيات التي يبتكرها، إلى النصر الذي يحققه فيها. أما واقعُه، فهو يفتقر إلى كل ذلك. يفتقر إلى نسمة، إلى استقرار، إلى ذلك الشعور بالأمان الذي لم يعرفه إلا في عوالمه الافتراضية.

كان يقضي ساعاتٍ طوالاً أمام شاشة حاسوبه، يكتب، يمحو، يعيد الكتابة. لم يعد الأمر شغفاً، بل إدماناً. يغوص في عالمٍ اخترعه، عالمٌ لا يخضع لقوانين الحياة المملة، عالمٌ تسوده العدالة والجمال الذي يريده. لم ينتبه للوقت، ولا للجوع الذي يعتصر معدته، ولا للعالم الخارجي الذي يدور من حوله. كل ما كان يهمه هو إشباع هذا الظمأ الداخلي، هذا الفراغ الذي يتسع كلما ابتعد عن واقعه.

تسلل صوت أمه من خلف الباب، "يا سالم، الغداء جاهز. لم تأكل شيئاً منذ الصباح."

نهض متردداً، كمن يفيق من سباتٍ عميق. دخل المطبخ، حيث كانت أمه تعد طعام العشاء، ورائحة الزعتر والشاي تفوح في الأرجاء. لكن حتى هذا المشهد المألوف لم يستطع أن يعيده إلى صوابه. وجوه أهله، التي كانت تمنحه الدفء والأمان، بدت الآن باهتةً، بعيدة.

"هل أنت بخير يا بني؟" سألت أمه بقلقٍ واضحٍ في صوتها. "لم أرك على طبيعتك منذ أيام."

تظاهر بالابتسام، "أنا بخير يا أمي، فقط بعض ضغوط العمل."

كذبةٌ أخرى، أضفها إلى رصيده المتزايد. لقد أصبح بارعاً في التمثيل، في ارتداء قناعٍ يخفي حقيقته. لكن والدته، بحدسها الأنثوي، كانت تشعر بأن شيئاً ما ليس على ما يرام. عيناه التي كانت تشع بالحياة، باتت غائرةً، تحمل ندوباً من سهرٍ طويل، وحزناً دفين.

في تلك الأثناء، كانت نسمة تعيش صراعاً داخلياً موازياً. لقد أحبت سالم، حباً عميقاً وصادقاً، لكنها لم تستطع أن تتجاهل ما رأته. لم تكن رغبتها في الزواج المبني على أساسٍ متينٍ مجرد نزوة. لقد عانت في حياتها من التذبذب والضياع، ولم تكن مستعدةً لتكرار التجربة. كانت ترى في سالم رجلاً ذا قلبٍ طيب، ذكاءً حاداً، ورؤيةً واسعة، لكنه كان محاصراً بفخ الوهم.

في إحدى الليالي، بينما كانت نسمة تتحدث مع صديقتها المقربة، الأستاذة ليلى، المشرفة على مركز التدريب النسائي، قالت لها ليلى بنبرةٍ هادئةٍ وحكيمة: "يا نسمة، الحب ليس مجرد شعورٍ عابر، بل هو اختيارٌ يومي. اختيارٌ بأن تبني، بأن تساند، بأن تكون مرساةً في بحر الحياة. أرى في سالم ما ترين، ولكني أرى أيضاً بذرة خيرٍ عظيمة. ربما يحتاج فقط إلى يدٍ تمسك به، لا لتسلمه، بل لتقوده."

تنهدت نسمة، "لكني لا أعرف كيف يا ليلى. أشعر أنني أقف أمام جدارٍ عالٍ، لا أستطيع اختراقه. كلما حاولت الاقتراب، زاد الابتعاد. هل من الممكن أن يكون الحب وحده كافياً؟"

أجابت ليلى بابتسامةٍ خفيفة، "الحب هو الشرارة، ولكنه يحتاج إلى وقودٍ ليشتعل. والوقود هو التفاهم، والصبر، والمحاولة. لا تدعيه يستسلم لوهمه، فربما هو نفسه لا يريد أن يستسلم، لكنه لا يملك القوة الكافية. أنتِ، يا نسمة، تملكين هذه القوة."

كلمات ليلى أشعلت في نفس نسمة بصيص أمل، لكنها لم تخفف من وطأة الخوف الذي كان يعتريها. كانت تخشى أن تخوض هذه المعركة، وأن تفشل. كانت تخشى أن تخاطر بقلبها مرةً أخرى، وأن تجد نفسها وحيدةً وسط هذا الضباب.

في تلك الليلة، لم يستطع سالم أن ينام. وقف أمام نافذته، ينظر إلى سماءٍ ملبدةٍ بالغيوم. شعر بالبرد يتسرب إلى عظامه، بردٌ لم يكن له علاقة بالجو. كان برد الوحدة، وبرد الخوف. لقد أدرك أخيراً، وبشكلٍ مؤلم، أن نسمة لم تكن مجرد حبٍ عابر، بل كانت استقراراً، وأماناً، وحياةً كان يخشى أن يضيعها. لقد شعر بفداحة ما فعله، كيف سمح لوهمه أن يسيطر عليه، وكيف كاد أن يخسر أغلى ما لديه.

"هل أنا حقاً ضعيفٌ لهذه الدرجة؟" سأل نفسه بصوتٍ خافتٍ كهمس الريح. "هل سأظل أعيش في هذه العوالم الخيالية، بينما تضيع مني الحقائق الثمينة؟"

لم يكن لديه جواب. كل ما شعر به هو ثقلٌ هائلٍ في صدره، ورغبةٌ ملحةٌ في التغيير، لكنها كانت رغبةً لا تملك القوة اللازمة لتجاوز جبال الوهم الراسخة. كيف له أن ينهض من هذا السقوط، وأن يجد طريقه مرةً أخرى؟ كيف له أن يستعيد ثقة نسمة، بل ثقته بنفسه؟ كان السؤال يتردد في ذهنه، دون أن يجد له صدىً مجيباً. غابت الشمس، وحل الظلام، وظل سالم واقفاً، يتأمل في ظلام روحه، وظلام المستقبل الذي يبدو غامضاً ومخيفاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%