قصة حب الجزء الثاني
فوضى الروح
بقلم مريم الحسن
لم تكن نهاية المحاضرة سوى بدايةٍ لفصلٍ جديدٍ من التخبط في حياة سالم. كلمات نسمة، التي كانت تحمل في طياتها حباً صادقاً وقلقاً مبرراً، ارتطمت بجدارٍ صلبٍ من قناعاته الجديدة، لم يستطع اختراقها. بل ربما، لم يرغب في اختراقها. لقد استمتع سالم، وللأسف، بنشوة الشعور بالتميز، بالانفراد عن الآخرين. لقد أصبحت أفكاره الغامضة، تلك المستقاة من مجلداتٍ قديمةٍ ورموزٍ لم يفهمها إلا هو، بمثابة الدرع الذي يحميه من العالم الخارجي، ومن صدمات الواقع.
في تلك الفترة، بدأ سالم يتحدث بصوتٍ أعلى عن "الحقيقة المخفية" و"الوعي المتسامي". كان يقضي وقتاً طويلاً في قراءة كتبٍ لا تمت بصلةٍ لدراسته الأكاديمية، كتبٍ تتحدث عن الأديان القديمة، عن الفلسفات الباطنية، وعن نظرياتٍ غريبةٍ عن الكون والإنسان. في كل مرةٍ يكتشف فكرةً جديدة، كان يشعر بأن خيطاً جديداً ينسج في شبكة وهمه، ويزيده اقتناعاً بأنه على الطريق الصحيح.
كانت لديه زميلةٌ في الجامعة، تدعى عائشة، كانت فتاةً ذكيةً، ومجتهدةً، ومتدينةً، وكان يعلم أنها كانت قلقةً عليه. في إحدى المرات، استوقفته بعد محاضرةٍ، وقالت له بنبرةٍ فيها مزيجٌ من الشفقة والحزم: "يا سالم، لقد سمعت الكثير عن التغيرات التي تمر بها. أرجوك، تذكر من أنت. تذكر تعاليم ديننا، وتذكر من رباك. لا تدع هذه الأفكار المنحرفة تسيطر عليك."
نظر إليها سالم ببرود، "الأفكار المنحرفة هي التي تحرر العقل يا عائشة. أما ما تسمينه 'تعاليم ديننا'، فهو مجرد قيودٍ وضعها البشر على أنفسهم."
صدمت عائشة. "كيف تقول هذا؟ هذا كلامٌ خطيرٌ جداً. كيف لك أن تنكر دينك، وأن تنكر ربك؟"
"أنا لا أنكر، بل أكتشف." قال سالم، وهو يشعر ببرودةٍ مفاجئةٍ في صوته. "هناك حقائق أعمق، لا تصل إليها الأديان التقليدية."
"حقائق أعمق؟" رفعت عائشة حاجبيها. "ما هي هذه الحقائق؟ هل هي موجودةٌ في تلك الكتب المظلمة التي تقرأها؟"
"إنها موجودةٌ في كل مكان، لمن يملك البصيرة لرؤيتها." أجابها سالم، وهو يشعر بنوعٍ من الانزعاج من أسئلتها. "ربما لم تصل أنتِ إلى هذه المرحلة بعد."
"مرحلة الضلال؟" قالت عائشة بمرارة. "لا، شكراً لك. أنا أختار طريق النور، طريق الحق."
تركت عائشة سالم وهو يقف وحيداً، يشعر بشيءٍ من الانكسار، لكنه سرعان ما قمع هذا الشعور. كان يعتقد أن الجميع ضدّه، وأنهم لا يفهمون ما يمر به. كان هذا الشعور بالعزلة، وبأنهم "النخبة" التي أدركت الحقيقة، يمنحه نوعاً من القوة الوهمية.
لم تتوقف والدته عن محاولاته. كانت تصلي له في جوف الليل، وتتضرع إلى الله أن يهديه. حاولت أن تتحدث إليه، أن تذكره بأخلاقه، بقيمه، لكنه كان يعاملها بفتور، وبشيءٍ من الاستعلاء. كان يراها امرأةً بسيطة، لا تفهم عمق أفكاره.
"يا أمي، أنتِ تفكرين بعقلكِ الصغير. هناك عوالمٌ لا تستطيعين تصورها." قال لها ذات مرة، حينما حاولت أن تقنعه بالذهاب إلى المسجد.
شعر قلبه بألمٍ لم يعرفه من قبل. هل وصل به الأمر إلى هذه الدرجة؟ هل أصبح ينظر إلى أمه، تلك التي ضحت بكل شيءٍ من أجله، بنظرةٍ متعالية؟ لقد كان مدمناً، إدماناً حقيقياً، لم يعد فيه عقله ملكاً له. كان إدماناً بالأفكار، بالهذيان، بالوهم.
في تلك الأثناء، كانت نسمة تحاول أن تعيش حياتها، لكن ظلال سالم كانت تلاحقها. كانت تراه في كل مكان، في كل وجهٍ يمر بها. لم تستطع أن تنساه، رغم كل ما حدث. كانت تعلم أن ما يمر به هو مرض، مرضٌ روحيٌ عميق.
بعد عدة أسابيع، تلقت نسمة مكالمةً هاتفيةً من ليلى. "نسمة، سالم في وضعٍ حرج. والدته قلقةٌ جداً عليه. لقد أصبح ينعزل عن الناس تماماً، ولا يأكل، ولا ينام. أعتقد أنه يحتاج إلى مساعدةٍ طبيةٍ ونفسية."
شعرت نسمة بالخوف يغمرها. "ماذا حدث؟"
"لا أعرف بالضبط، لكن يبدو أن أفكاره قد تغلبت عليه. والدته حاولت أن تأخذه إلى طبيبٍ نفسي، لكنه رفض رفضاً قاطعاً. يقول إنهم يريدون تدميره."
"يجب أن نفعل شيئاً." قالت نسمة بلهجةٍ جادة. "لا يمكننا أن نتركه هكذا."
"لهذا اتصلت بكِ. أعتقد أنكِ الوحيدة التي قد يستمع إليها، ولو قليلاً." قالت ليلى. "والدته ستسمح لنا بالذهاب إليه غداً، إذا وافقتِ."
وافقت نسمة دون تردد. رغم كل الألم الذي سببه لها، ورغم خوفها من التعرض لأفكاره الغريبة مرةً أخرى، إلا أن شعورها بالواجب، وبأن هناك روحاً تضيع، كان أقوى من أي شيءٍ آخر.
في اليوم التالي، ذهبت نسمة إلى منزل سالم مع والدته وليلى. كان المنزل هادئاً، قاتماً. لم يكن هناك أي أثر للحياة التي كانت تعرفها. بدت والدة سالم منهكةً، وعيناها حمراوان من البكاء.
دخلت نسمة غرفته، وكانت المفاجأة أكبر مما توقعت. كانت الغرفة أشبه بعشٍ مهمل. الأوراق مبعثرةٌ في كل مكان، الكتب ملقاةٌ على الأرض، والستائر مسدلةٌ تمنع دخول الضوء. كان سالم جالساً في زاوية الغرفة، جسده نحيلاً، وملابسه بالية. كانت عيناه غائرتين، تحملان نظرةً فارغةً، كمن فقد كل شيء.
"سالم؟" نادت نسمة بصوتٍ حنون.
رفع سالم رأسه ببطء، لم يتعرف عليها في البداية. ثم، حينما رأى وجهها، بدا عليه شيءٌ من الارتباك، ولم يكن هناك أي أثر للفرح في عينيه.
"نسمة؟" قال بصوتٍ واهن. "ما الذي تفعلينه هنا؟"
"أتيت لأطمئن عليك." قالت، وهي تقترب منه ببطء. "رأيت أنك لست على ما يرام."
"أنا بخير." قال، وحاول أن يبتسم، لكن ابتسامته كانت مزيفةً ومؤلمة. "بل أنا أفضل من أي وقتٍ مضى. لقد فهمت."
"ماذا فهمت يا سالم؟" سألت بلطف. "هل فهمت أن هذه الأفكار تدمرك؟"
ضحك سالم ضحكةً خاليةً من أي معنى. "تدمرني؟ بل تنقذني. إنها تحررني من سجن هذا الواقع."
"لكن هذا ليس واقعاً يا سالم، هذه أوهام." قالت نسمة، وقلبها ينفطر. "هذه الأفكار ليست حقيقية، إنها مجرد تلاعب بعقلك."
"ليس تلاعباً." قال، وبدأت عيناه تلمعان بحماسٍ مفاجئ. "بل هي حقائق أعمق. حقائق لم يصل إليها أغلب الناس."
"وما فائدة هذه الحقائق إذا كانت تجعلك تعيش في هذا العذاب؟" سألت نسمة، وهي تنظر حولها في الغرفة الموحشة. "انظر إلى نفسك، إلى والدتك. هل هذا هو الانتصار الذي كنت تبحث عنه؟"
نظر سالم إلى والدته، التي كانت تقف عند الباب، وعيناها مليئتان بالدموع. للحظة، بدا عليه شيءٌ من التأثر، لكنه سرعان ما عاد إلى عالم أفكاره.
"هذه ضريبة الفهم يا نسمة." قال بجدية. "كل من يدرك الحقيقة يتعرض للاضطهاد. إنهم لا يريدون للناس أن يعرفوا."
"من هم 'هم' يا سالم؟" سألت ليلى، التي كانت تراقب المشهد بصمت. "من هم الذين يضطهدونك؟"
"السلطة، النظام، الجهل." قال سالم، وهو يشير بيديه بشكلٍ عشوائي. "إنهم لا يريدون أن يتحرر الناس."
شعرت نسمة بأنها تقف أمام متاهةٍ لا نهاية لها. لقد ضاع سالم، حقاً ضاع. لم يكن يريد المساعدة، بل كان يتوهم أنه على حق، وأن العالم كله ضده. كان عالقاً في فخ أفكاره، ولم يعد يرى أي مخرج.
"سالم، أرجوك." قالت نسمة، وهي تقف أمامه مباشرة، محاولةً أن تلتقي بنظراته. "لا تدع هذه الأفكار تدمر حياتك. هناك حبٌ في هذا العالم، هناك أمل. عُد إلينا."
نظر إليها سالم طويلاً، ولأول مرة، بدا عليه شيءٌ من التفكير. هل رأى في عينيها صدقاً؟ هل شعر بصدىً من عالمه القديم؟ ثم، وكأن شعلةً خافتةً قد أُطفئت، قال ببرود: "لا يمكنني. لقد وجدت طريقي. ولا يمكنني العودة إلى ما كنت عليه."
شعرت نسمة بانهيارٍ داخلي. لقد أدركت، وبشكلٍ مؤلم، أن سالم لم يعد الرجل الذي عرفته. لقد استسلم تماماً لعالمه الداخلي، وأصبحت معركتها معه معركةً مستحيلة.