قصة حب الجزء الثاني
اللقاء الأول في أروقة الذكريات
بقلم مريم الحسن
كانت ريحان تشعر بوطأة الأيام وهي تتكئ على نافذة غرفتها، تستقبل أشعة الشمس الذهبية التي تداعب وجهها. لم تكن الشمس وحدها ما يدفئ قلبها، بل كان ذكرى لقائها الأول بـ"أيهم" تتسلل إليها كخيوط نور متجددة. كان ذلك في مكتبة جامعية عتيقة، تفوح منها رائحة الورق القديم وعبق التاريخ. ريحان، طالبة الأدب العربي، كانت تبحث عن ديوان شعر نفيس، فيما كان أيهم، طالب الهندسة المعمارية، يفرغ ذهنه من ضغوط الدراسة في أروقة التأمل بين الكتب.
تقاطعت مساراتهما حين سقط من بين يديها مجلد ثقيل، تناثرت صفحاته الصفراء على الأرض كأوراق خريف تودع أغصانها. هرع إليها أيهم دون تفكير، يجمع الصفحات بترتيب ينم عن عناية، وعيناه تلتقيان بعينيها في لحظة صمت مطبق. كانت نظرة أولى حانية، لم تحمل عتبًا بل مفاجأة وتقديرًا.
"آسف جدًا، لم أقصد إزعاجكِ," تمتمت ريحان وقد احمر وجهها خجلًا. ابتسم أيهم ابتسامة هادئة، "لا بأس أبدًا. كنتُ أبحث عن هدوءٍ هنا، ويبدو أنني وجدته بشكلٍ غير متوقع."
تبادلا أطراف الحديث، كان حديثًا عفويًا، بدأ بكتابٍ وانتهى بأحلامٍ وطموحات. اكتشفت ريحان في أيهم عقلاً متفتحًا، وروحًا طيبة، وعينين تحملان لمعانًا مختلفًا. أما أيهم، فقد أُسر بسحر ريحان، بذكائها اللامع، وكلماتها المنتقاة بعناية، وروحها المرحة التي تتسلل بين طيات جديتها.
"هل تحبين الشعر؟" سأل أيهم وهو يلتقط صفحة مهتزة. "أعشقه. إنه يترجم ما تعجز عنه الكلمات أحيانًا،" أجابت ريحان وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها. "وأنا، أعشق تحويل الأحلام إلى واقع ملموس، من خلال المباني والجسور. أرى في التصميم فنًا يعكس الروح، تمامًا كالشعر."
تحدثا حتى بدأت الشمس تميل نحو الغروب، وتلونت السماء بألوانٍ برتقالية ووردية. شعرت ريحان بأن الوقت قد طار، وأن هناك شيئًا قد بدأ يتشكل في قلبها، شيئًا دافئًا ومختلفًا. أيهم هو الآخر، شعر بنفس الشعور، كأن خيطًا رفيعًا من نورٍ قد ربطه بهذه الفتاة التي استطاعت أن تسلب عقله بحديثها وبساطتها.
"يجب أن أذهب الآن،" قالت ريحان وهي تجمع بقية أوراقها. "أتمنى أن نلتقي مجددًا،" قال أيهم دون أن يخفي رغبته. "بإذن الله،" أجابت ريحان، ثم غادرت المكتبة بخطواتٍ سريعة، وقلبٍ يخفق بقوة، وكأنها تحمل بين يديها ليس مجرد كتاب، بل بداية فصلٍ جديد.
في تلك اللحظة، لم تكن تعلم ريحان أن هذا اللقاء السعيد هو مجرد بداية لسلسلة من المواقف التي ستجمعها بأيهم، مواقف ستتطلب منها شجاعةً أكبر، وصبرًا أعمق، وتحديًا أكبر لصوت العقل في مواجهة همسات القلب.
مرت الأيام، وبدا أيهم يحرص على اللقاء بها في أروقة الجامعة. أصبحا يتشاركان وجبات الغداء في ساحة الجامعة الهادئة، يتبادلان الأحاديث عن دراستهما، عن عائلتيهما، عن أحلامهما التي تتداخل شيئًا فشيئًا. كان حديثهما دائمًا يصب في بوتقة الاحترام المتبادل، والتفاهم العميق، والتقدير الحلال. لم يتعدَّ حديثهما حدود الأدب واللياقة، لكن في كل كلمة، وفي كل نظرة، كان هناك وعدٌ ضمنيٌ بالحب، وبناء أسرةٍ مسلمةٍ فاضلة.
ذات يوم، وبينما كانا يسيران في حديقة الجامعة، حيث تتمايل الأزهار وتغرد الطيور، تحدث أيهم عن رغبته في التقدم لخطبة ريحان رسميًا. شعر بخوفٍ يسري في أوصاله، فهو يعرف أنها تنتمي إلى عائلةٍ محافظة، وتقدر العادات والتقاليد.
"ريحان،" بدأ أيهم بصوتٍ فيه تردد، "أود أن أتحدث معكِ بصراحة. لقد أحببتكِ، حقًا أحببتكِ. وأرى فيكِ الزوجة الصالحة، وشريكة الحياة التي أتمناها. أود أن أتقدم لخطبتكِ رسميًا، بعد أن نستأذن أهلكِ طبعًا. ما رأيك؟"
تجمدت ريحان للحظة، ثم ابتسمت ابتسامةً واسعة، تضيء وجهها بالحيوية. "أيهم، لا تتحدث عن الخوف. أنا أيضًا أحببتك، وأشعر أنك الشخص الذي يرسم لي مستقبلًا مشرقًا، مستقبلًا مليئًا بالحب والسكينة. بالطبع، موافقتي تأتي بعد موافقة أهلي، وأنا على يقينٍ من أنهم سيحبونك."
كانت كلماتها بلسمًا على قلب أيهم. شعر بسعادةٍ غامرة، وبأن الحياة تبتسم له. تمنى في تلك اللحظة أن يكون الأمر بهذه البساطة دومًا، أن تكون الأحلام قابلة للتحقيق بهذه السهولة.
ولكن، سرعان ما اكتشفت ريحان أن الأمر ليس بهذه السهولة. فقد علمت، من خلال حديثٍ عابر مع والدتها، أن هناك مشكلةً عائليةً قديمةً بين عائلتها وعائلة أدهم، مشكلةٌ تعود إلى سنواتٍ مضت، وترتبط بخلافٍ تجاريٍ قديم. لم تكن تعرف تفاصيل المشكلة، لكنها عرفت أنها قد تكون عائقًا أمام سعادتهما.
شعرت ريحان بالضيق، وتملكها القلق. هل يمكن لهذا الخلاف القديم أن يحول دون تحقيق حلمٍ بدأ ينمو في قلبها؟ هل ستكون الحبكة المعقدة للماضي سببًا في كسر سيمفونية الحب التي بدأت تعزف بينهما؟
وفي المقابل، كان أيهم ينتظر موعدًا للقاء والد ريحان، مترقبًا رد الفعل، ومتسلحًا بالصدق والأمل. لم يكن يعلم شيئًا عن الخلاف العائلي، بل كان يعتقد أن التحدي الوحيد هو كسب ثقة والدها.
انتهى الفصل التاسع ببدايةٍ مشجعة، لكنه ختم بلمحةٍ من التوتر، ورسم بذرة شكٍ في مستقبلٍ كان يبدو لامعًا. كان على ريحان وأيهم مواجهة ليس فقط مشاعر الحب، بل أيضًا تعقيدات الماضي، وظلاله التي قد تلقي بظلامها على مستقبلهما.