أنت قدري الجزء الثاني
الفجر الجديد: بين الشك واليقين
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمة الصباح العليلة تتسلل بخجل عبر نافذة غرفة "ليلى"، تحمل معها عبير الياسمين وزهور البرتقال، لكنها لم تجد لها أثراً في قلبها المضطرب. استيقظت قبل أن ينساب ضوء الشمس الذهبي على أرجاء الغرفة، وقلبها يخفق بقوة أشبه بقرع طبول المعركة. كان حديث "أحمد" في الليلة الماضية يتردد صداه في أذنيها كصرخة عميقة، يملأ كيانها بمزيج من المفاجأة والارتباك. "لكِ في قلبي مكانة لم يبلغها أحد قبلكِ، يا ليلى. وإن لم نكن معاً، فذلك قدرٌ كتبه الله لنا". كانت كلماته كمنقوشات من نور وظمأ، دفءٌ يقابل بردُ شكٍ عميق.
جلست على حافة السرير، ناظرة إلى انعكاسها الشاحب في المرآة. من هي "ليلى" حقاً؟ هل هي الفتاة التي عرفت عن نفسها طوال حياتها، ابنة العائلة المرموقة، الوريثة الطموحة، والقلب الذي يميل إلى الاستقرار على أسسٍ متينة؟ أم أنها تلك الروح المتمردة التي شعرت بنبضٍ مختلف في حضرة "أحمد"؟ هل كان ما شعرت به مجرد إعجابٍ عابر، أم أنه بداية حبٍ صادق، حبٌ قد يتخطى كل الحواجز والتقاليد التي نسجت حولها؟
تذكرت نظراته، ذلك الشغف الذي كان يتقد في عينيه حين يتحدث عن أحلامه، عن رؤيته لمستقبلٍ يجمع بين الأصالة والمعاصرة. تذكرت كيف كان حديثه عن كتاباته، عن شغفه باللغة العربية وآدابها، كيف كانت كلماته تنساب كالنهر، حاملةً معها دفئاً وبلاغةً قلما وجدتهما في غيره. كانت لديه تلك القدرة الفريدة على جعلها ترى العالم بعيونٍ جديدة، بعيونٍ ترى الجمال في أبسط الأشياء، وتستشعر عمق الحكمة في أبسط العبارات.
لكن أمام كل هذه المشاعر المتدفقة، كان يقف الشك صامداً كالجبل. والدها، ذلك الرجل الذي بنى سمعته على الحزم والنزاهة، كيف سيتقبل فكرة ارتباط ابنته برجلٍ لم يلتقِ به حتى الآن، رجلٍ لا تملك عنه سوى كلمات "أحمد" نفسه؟ وهل كانت "أحمد" جاداً حقاً في كل ما قاله؟ هل كان القلب الذي شعرت به في حضرته هو مجرد وهمٍ خلقته وحدتها ورغبتها في الحب؟
نهضت ببطء، وتوجهت نحو خزانة ملابسها. اختارت ثوباً بسيطاً بلون السماء الصافية، وغسلت وجهها بماءٍ بارد محاولةً إيقاظ عقلها من سباته. نزلت إلى غرفة الطعام حيث كانت والدتها، السيدة "أمينة"، تعد الفطور. رائحة القهوة العربية تفوح في المكان، ممزوجةً بعبق الهيل والزعفران، ورائحة الخبز الطازج.
"صباح الخير يا ابنتي" قالت السيدة "أمينة" بابتسامةٍ هادئة، وهي تضع فنجاناً من القهوة أمام "ليلى". "صباح النور يا أمي" أجابت "ليلى"، تحاول أن ترسم ابتسامةً مماثلة على وجهها. "ما بالكِ؟ تبدين شاردة الذهن اليوم" لاحظت والدتها بحدسها الأبوي. ترددت "ليلى" لحظة. هل تخبر والدتها بما يدور في خلدها؟ إنها تثق بوالدتها، لكنها تخشى أن يكون كلامها مجرد زيادةٍ للقلق. "لا شيء يا أمي، فقط قليلٌ من الأرق" قالت، وهي تلتقط قطعة خبز. "الأرق يأتي أحياناً حين يثقل القلب بالهموم" قالت السيدة "أمينة" وهي تجلس مقابل ابنتها، عيناها تسبران أعماق عيني ابنتها. "هل من شيءٍ يزعجكِ؟"
شعرت "ليلى" بأن جدار الصمت الذي بنته حولها بدأ يتصدع. "أمي... هل يمكن أن أتحدث معكِ بصراحة؟" "دائماً يا حبيبتي. كلامكِ محل اهتمامي واحترامي" تنفسّت "ليلى" بعمق. "بالأمس، تعرفت على شخصٍ... شاب. اسمه أحمد." لاحظت تغيراً طفيفاً في تعابير وجه والدتها، لكنها واصلت. "كان حديثنا طويلاً، وكان... مميزاً." "مميزاً كيف؟" سألت السيدة "أمينة" بهدوء، لكن نظراتها كانت تحمل فضولاً ممزوجاً بالحذر. "كان حديثاً عن الحياة، عن الأحلام، عن... مشاعر. شعرت وكأنني أعرفه منذ زمن طويل. وكان... كان هناك شيءٌ في عينيه، وفي كلماته... جعلني أشعر بشيءٍ لم أشعر به من قبل." صمتت "ليلى" تراقب ردة فعل والدتها. "وما هو هذا الشيء الذي شعرت به؟" سألت السيدة "أمينة" بصوتٍ خالٍ من أي لهجة، كأنها تبحث عن وصفٍ دقيق. "لا أدري كيف أصفه يا أمي. شعرت بارتياحٍ كبير، وبأنني أتحدث مع شخصٍ يفهم ما في قلبي دون أن أتكلم. وشعرت... بالانجذاب." ابتسمت السيدة "أمينة" بخفة. "الانجذاب شعورٌ طبيعي، خاصةً في عمركِ. لكن هل هو انجذابٌ ينم عن إعجابٍ عميق، أم مجرد فضول؟" "هذا ما لا أعرفه يا أمي. لكن ما أعرفه أن كلماته تركت في نفسي أثراً كبيراً. وهو... أعرب عن مشاعره." "وأنتِ؟ هل تشعرين بمشاعرٍ تجاهه؟" "أظن ذلك يا أمي. لكنني خائفة. خائفة من ردة فعل أبي. وخائفة أن أكون أتوهم كل هذا." جلست السيدة "أمينة" بجانب "ليلى" وضمتها إلى صدرها. "يا ابنتي، الحياة ليست سوى مزيجٌ من الشك واليقين. من الطبيعي أن تشعري بالخوف، خاصةً حين يتعلق الأمر بقلبكِ. أما بالنسبة لوالدكِ، فهو رجلٌ يحب أن يرى سعادتكِ. ولكن قبل كل شيء، علينا أن نتأكد من أن هذا الشعور... صادقٌ وعميق، وليس مجرد سراب." "وكيف نتأكد يا أمي؟" "بالصبر. بالوقت. وبالدعاء. سنصلي جميعاً، وسنرى ما يكتبه الله لنا. لا تستعجلي الحكم على مشاعركِ، ولا تستعجلي الحكم على "أحمد". اتركي الأمور تأخذ مجراها الطبيعي. وإذا كان الأمر مقدراً، فسيكون." ارتسمت ابتسامةٌ رقيقة على وجه "ليلى". دفء حضن والدتها كان بلسمًا لجراح قلبها. كانت تعلم أن والدتها لن تدفعها نحو طريقٍ خاطئ.
في ذلك الأثناء، وفي مكانٍ آخر من المدينة، كان "أحمد" يتجول في سوقٍ قديم، رائحة البهارات والتوابل تملأ المكان. كان يبحث عن كتابٍ نادرٍ ذكره له أحد أصدقائه. كان يتجنب التفكير في "ليلى" قدر استطاعته، محاولاً التركيز على عالمه الخاص، لكن صورتها كانت تتسلل إلى ذهنه كالنسمة العليلة، صورة فتاةٍ تملك سحراً خاصاً، عيوناً تحكي قصصاً عميقة.
تذكر تفاصيل حديثه معها، تلك الصراحة التي خرجت من بين شفتيها، تلك اللمعة في عينيها حين تحدثت عن أحلامها. لقد شعر بأنها تشبهه، وأنها تبحث عن شيءٍ مماثل. كان يعلم أن الطريق أمامه لن يكون سهلاً، فالفرق بين عالميهما كبير. لكنه آمن بأن الحب الصادق لا يعرف حدوداً، وأن الله هو مقسم الأرزاق ومقدر الأقدار.
"أين أنتِ يا ليلى؟" تمتم لنفسه وهو يلمس جيب سترته، حيث يحتفظ بورقةٍ صغيرةٍ عليها عنوان منزلها. "أتمنى أن تكوني قد فهمتِ ما أردتُ قوله. أتمنى ألا يكون كلامي قد سبب لكِ قلقاً." شعر بأن هناك قوةً خفيةً تجذبه نحوها، قوةٌ أشد من كل الحواجز الاجتماعية أو الفوارق المادية. لقد رأى فيها ما لم يره في غيرها، رأت فيه ما لم تره في غيره. كان ذلك كافياً ليبدأ بذرة أملٍ تتفتح في صحراء حياته. "عليّ أن أثبت لأبيها، ولها، أنني رجلٌ يعتمد عليه، وأنني أستحق هذه الثقة." قرر "أحمد" في نفسه، وهو يسير بخطواتٍ واثقة نحو تحقيق هدفه.
في تلك الليلة، قبل أن تنام "ليلى"، تلقت رسالةً نصيةً من رقمٍ مجهول. ترددت قليلاً قبل أن تفتحها، وقلبها ينقبض. "مساء الخير يا من سكنتِ قلبي. أردتُ فقط أن أطمئن عليكِ. لا تجعلي الشكوك تسيطر على يقينكِ. ما شعرتِ به بالأمس، هو بدايةُ رحلةٍ جميلة. تصبحين على خير، يا قدري." كانت الكلمات كالشمس التي أشرقت في سماء ليلها. عرفت أن "أحمد" هو من أرسل الرسالة. ابتسمت وهي تغمض عينيها، مستشعرةً دفء كلماته، واثقةً بأن فجراً جديداً قد بدأ.