أنت قدري الجزء الثاني

همسات الماضي ووشوشات المستقبل

بقلم ليلى الأحمد

كانت نور تسير في أروقة منزل جدتها، تتأمل تفاصيل المكان الذي احتضنها في طفولتها، وها هو يحتضنها مجددًا في مرحلة جديدة من حياتها. كل زاوية، كل قطعة أثاث، كل صورة معلقة على الجدران، كانت تحمل قصة. ولكن الآن، كانت القصص القديمة تتداخل مع همسات قصة جديدة، قصة كتبها لقاء عامر، وكلماته المليئة بالندم.

جلست في مكتب جدها الراحل، ذلك المكتب الذي لطالما شعرت فيه بالأمان والسكينة. كانت رائحة الكتب القديمة تفوح في المكان، معطرةً الهواء بعبق التاريخ والمعرفة. مدت يدها نحو أحد الرفوف، ومررت أصابعها على أغلفة الكتب السميكة. كان كل كتاب منها بمثابة نافذة على عالم آخر، على أفكار وحكم تتجاوز حدود الزمان والمكان.

"هل أنتِ بخير يا عزيزتي؟" صوت جدتها العميق، المليء بالحكمة، قاطع صمتها.

استدارت نور، وابتسمت لوالدة والدها. "نعم يا جدتي، فقط كنتُ أتذكر."

"أتذكرين أيام جدك؟" قالت الجدة، وابتسامة حانية ارتسمت على شفتيها. "لقد كان رجلًا عظيمًا، وحكيمًا. كان لديه رؤية ثاقبة للحياة."

"نعم، لقد كان كذلك. ودائمًا ما كان يقول لي أن أستمع لقلبي، ولكني أيضًا أن أزن الأمور بعقلي."

"وهذا هو المبدأ الصحيح يا ابنتي. لا تدعي المشاعر تغمركِ، ولكن لا تقمعيها أيضًا. ابحثي عن التوازن."

"عامر… لقد تحدث معي." قالت نور، وكان صوتها يحمل ترددًا.

نظرت الجدة إلى حفيدتها، وفهمت على الفور. "وأنا أعلم. لقد رأيتُه. يبدو أن السنوات قد حملت له الكثير من التفكير."

"لقد اعتذر، وشرح لي ظروفه. ولكن… لا أعرف يا جدتي. الأمر معقد."

"كل الأمور المعقدة تحمل في طياتها حلولًا بسيطة، إذا نظرنا إليها بقلب مفتوح وعقل هادئ." قالت الجدة، وأشارت إلى كرسي قريب. "اجلسي يا نور. دعيني أسمع منكِ."

جلست نور، وبدأت تسرد لجدتها كل ما قاله عامر، بكل تفاصيله. كانت الجدة تستمع بانتباه، وعيناها الحكيمتان تراقبان تعابير وجه حفيدتها.

"لقد قدم اعتذارًا صادقًا، يا نور." قالت الجدة بعد أن انتهت نور من حديثها. "والظروف التي ذكرها… ليست سهلة. مسؤولية عائلية، ضغوط مالية، وقرارات صعبة. لا يمكننا الحكم عليه دون أن نكون مكانه."

"ولكن، هل كان يجب أن يرحل بهذه الطريقة؟ دون كلمة؟" سألت نور، وكان صوتها يحمل بقايا الألم.

"البعض يظن أن الرحيل هو الحل الوحيد في لحظات الضعف. وقد يندمون لاحقًا على قراراتهم. المهم الآن، هو ما الذي ترغبين به أنتِ؟"

"لا أعرف يا جدتي. عقلي يخبرني أن أكون حذرة، وأن أزن كل خطوة. وقلبي… ما زال يتذكر."

"القلب والقلب هما من يدلكان على الطريق الصحيح. ولكن العقل هو من يحميكِ من الانجراف. لقد كنتِ دائمًا فتاة ذكية، ونقية. لا تدعي الماضي يعيق مستقبلكِ. إذا كان عامر صادقًا في ندمه، وإذا كان يريد إعادة بناء العلاقة، فامنحيه فرصة. ولكن امنحيه فرصة مدروسة. فرصة تسمح لكِ بأن تكوني قوية، وأن تحافظي على كرامتكِ."

"وماذا عن خطبتي من فواز؟" سألت نور، متذكرةً الاتفاق الذي تم بين العائلتين.

تنهدت الجدة. "هذا هو التعقيد الأكبر. لقد وعدتِ. والمحافظة على العهود أمرٌ هام في ديننا. ولكن، ما الذي تشعرين به تجاه فواز؟"

"فواز رجل طيب، ومحترم. ولكني لا أشعر تجاهه بنفس المشاعر التي… التي كانت لدي لعامر." قالت نور، بخجل.

"الحب ليس دائمًا يأتي دفعة واحدة، يا نور. قد ينمو مع الوقت، مع العشرة الطيبة، ومع الاحترام المتبادل. فواز قد يكون خيارًا جيدًا، إذا استطعتِ بناء علاقة صحيحة معه. ولكن، لا يمكننا أن نجبر قلوبنا على الحب. إذا كانت مشاعركِ لا تزال مع عامر، أو إذا كنتِ تشعرين أن هناك فرصة حقيقية لإعادة بناء علاقة صحيحة معه، فربما يجب أن نتحدث مع فواز وعائلته. الصراحة في هذه الأمور هي الأفضل."

"ولكن، هل هذا ممكن؟ هل يمكن أن ألغي خطبتي؟"

"الأمور ممكنة، يا عزيزتي، إذا كانت بنية القلوب صادقة. إذا كان هناك سوء فهم، أو إذا كانت هناك مشاعر مختلفة، فمن الأفضل توضيح ذلك مبكرًا، قبل أن تتعمق الأمور أكثر."

شكرت نور جدتها، وشعرت ببعض الارتياح. كانت جدتها دائمًا مصدر قوتها وحكمتها.

في هذه الأثناء، كان عامر يلتقي بخاله، رجل الأعمال الهادئ والرصين، في أحد المقاهي الهادئة. كان عامر يشرح لخاله تفاصيل لقائه بنور.

"لقد اعتذرتُ، خالي. وشرحتُ لها كل شيء. وبدت وكأنها تستمع. ولكنها لم تمنحني قرارًا بعد." قال عامر، وكان يرتشف قهوته.

"وهذا طبيعي يا عامر. لقد تركتَ جرحًا. والجروح تحتاج وقتًا لتلتئم. الأهم أنك قمت بما عليك. لقد قدمتَ الحقيقة، واعتذرت. الآن، الأمر متروك لها، ولظروفها."

"ولكن، ما الذي يمكنني فعله؟ كيف يمكنني أن أثبت لها أنني تغيرت؟"

"اثبت لها ذلك بتصرفاتك. كن صبورًا. كن صادقًا. كن حاضرًا. لا تضغط عليها. ودعها ترى بنفسها. إذا كان حبكما ما زال موجودًا، فسوف تجد طريقه. وإذا لم يكن، فسترى ذلك بوضوح، وسيكون عليك تقبل الأمر."

"ولكن، ماذا عن الخطبة؟" سأل عامر، بقلق. "هل ما زالت قائمة؟"

"هذا هو السؤال الأهم. إذا كانت نور ما زالت مرتبطة بخطيب آخر، فالأمر سيزداد تعقيدًا. ولكن، بناءً على ما أعرفه عن عائلة نور، فإنهم لا يجبرون بناتها على ما لا يرغبن فيه. إذا كانت نور تشعر بأنها لا تستطيع المضي في هذه الخطبة، فسوف تجد الطريقة المناسبة للتحدث معهم. ربما يجب عليك التحدث مع والدها، أو مع جدتها. هم أقرب الناس إليها."

"سأفعل ذلك. سأتحدث مع جدتها. أعتقد أنها امرأة حكيمة، ويمكن أن تساعدني في فهم الأمور."

"أتمنى لك التوفيق يا عامر. لقد مرت سنوات طويلة، ولكن الحب الحقيقي، إذا كان صادقًا، لا يموت. فقط ينتظر الفرصة المناسبة لينبعث من جديد."

في المساء، قررت نور أن تتحدث مع والدها. جلست معه في صالة المنزل، بعد أن اطمأنت على أن الجميع قد استقر.

"أبي، أود أن أتحدث معك في أمر هام." قالت نور، وكان صوتها يحمل بعض التوتر.

نظر والدها إليها، وعيناه تفيضان بالحب والاهتمام. "تفضلي يا ابنتي. أنا أسمعك."

"عامر… لقد تحدث معي. واعتذر. وشرح لي الظروف التي جعلته يرحل. وهي ظروف… صعبة."

"لقد علمتُ بذلك. والد عامر اتصل بي. قال إن ابنه يريد توضيح كل شيء."

"وأنا… أشعر بالكثير من المشاعر المختلطة. عقلي يخبرني أن أكون حذرة، وأن ما حدث كان خطأ كبيرًا. ولكن قلبي… لا أعرف."

"نور، أنتِ ابنتي. وحريتكِ وسعادتكِ هي أهم ما يهمني. إذا كنتِ تشعرين بأن هناك شيئًا ما بينكِ وبين عامر، وأن هناك فرصة لإعادة بناء العلاقة، فلا تدعي شيئًا يعيقكِ. ولكن، يجب أن تكوني صريحة وواضحة."

"ولكن، الخطبة… خطبتي من فواز؟"

"هذا هو الأمر الذي يجب أن نتحدث فيه بوضوح. إذا كانت مشاعركِ لا تزال مع عامر، أو إذا كنتِ تشعرين بأنكِ غير قادرة على المضي في هذه الخطبة، فيجب أن نتحدث مع فواز وعائلته. الصدق، حتى لو كان صعبًا، هو أفضل حل. لا يمكننا بناء مستقبل على أساس غير صحيح."

"أنا… لا أشعر تجاه فواز بنفس المشاعر. أنا أعرف أنه رجل طيب، ولكني… أعتقد أن مشاعري لا تزال مرتبطة بعامر."

نظر والد نور إلى ابنته، ورأى في عينيها صدقًا ورغبة في تحقيق سعادتها. "إذًا، يجب أن نتحدث مع فواز. يجب أن نوضح له الوضع. لا يمكننا أن ندع الأمور تتفاقم. سنذهب إليه غدًا، وسنتحدث معه بهدوء واحترام. ومهما كان قراره، سنحترمه."

شعرت نور بالامتنان الشديد لوالدها. لقد كان دائمًا سندها.

وبينما كانت نور تتحدث مع والدها، كان عامر يشعر ببعض الأمل. لقد تحدث مع جدة نور، وكانت تفهم موقفه. ووعدت بأنها ستتحدث مع نور، وستساعدها على رؤية الأمور بوضوح.

"عامر،" قالت جدة نور، وعيناها تلمعان بالحكمة. "لقد ارتكبت خطأ، وهذا واضح. ولكن، ما تفعله الآن، بمواجهتك للماضي، وبمحاولتك إصلاح ما أفسدته، هو دليل على نضجك. نور فتاة قوية، ولكنها أيضًا حساسة. امنحها وقتها، وكن صادقًا معها."

"سأفعل ذلك يا جدتي. سأكون صادقًا، وسأكون صبورًا. ولن أتركها هذه المرة."

كان الليل قد أسدل ستاره على المدينة، حاملًا معه هدوءًا وأملًا. كانت قلوب الأبطال تخفق بنبضات مختلفة، نبضات تحمل في طياتها أسئلة، وترقبًا، وأحلامًا لم تولد بعد. كان فصل جديد على وشك أن يبدأ، فصل يحمل في طياته إمكانيات لا حصر لها، ولكنه يحمل أيضًا تحديات جمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%