أنت قدري الجزء الثاني
عاصفة المفاجآت تلوح في الأفق
بقلم ليلى الأحمد
كانت الشمس ترسل خيوطها الذهبية الأولى عبر سماء الرياض، مبشرةً بيوم جديد، ولكنه يوم يحمل في طياته ثقلًا لا يمكن استيعابه بسهولة. في قصر آل الشاهين، كان الجو هادئًا، ولكن هذا الهدوء كان أشبه بسكون ما قبل العاصفة. نور، التي لم تنم كثيرًا، كانت تشعر بوطأة المسؤولية تلقي بظلالها على كل خلية في جسدها. فكرة لقاء فواز وعائلته، لشرح موقفها، كانت تبعث فيها قلقًا شديدًا.
جلست على حافة سريرها، تتأمل زهور البنفسج التي كانت تزين نافذتها. كانت تلك الزهور تذكرها بجمال البساطة، وسلامة النوايا. ولكن، هل كانت الأمور ستظل بسيطة؟ هل كانت نواياها ستظل نقية؟
"نور، حبيبتي، هل أنتِ مستيقظة؟" صوت والدتها الملائكي قاطع أفكارها.
استدارت نور، وابتسمت. "نعم يا أمي. لم أستطع النوم."
"أعرف. هذا أمرٌ صعب. ولكن، أنا فخورة بكِ. فخورة بشجاعتكِ، وبصدقكِ."
"ولكن، هل هذا هو القرار الصحيح؟ هل أستطيع فعلاً إلغاء خطبتي؟"
"إذا كان قلبكِ لا يميل لفواز، فمن الظلم له أن تستمر في هذا الطريق. الحب الصادق هو أساس الزواج الناجح، ولا يمكن بناءه على مجرد واجب أو التزام."
"ولكن، ماذا لو لم يكن عامر صادقًا؟ ماذا لو كانت عودته مجرد محاولة لاستعادة ما فقده؟"
"هذا هو التحدي يا نور. عليكِ أن تكوني قوية. أن تستمعي لعقلكِ، ولإحساسكِ. ولا تدعي أحدًا يملي عليكِ قراركِ. والدكِ وجدتكِ معكِ. ونحن جميعًا سندكِ."
في هذه الأثناء، كان عامر يشعر بشيء من التوتر. لقد قرر أن يذهب إلى والد نور، ليطلب منه الإذن بالتحدث معها مرة أخرى، وربما التقدم لخطبتها بشكل رسمي. كان يعلم أن الأمر لن يكون سهلًا، خصوصًا بعد ما حدث في الماضي، وخصوصًا مع وجود خطبة أخرى.
وصل عامر إلى منزل والد نور، واستقبله هو بابتسامة تحمل بعض التردد.
"أهلاً بك يا عامر. تفضل بالجلوس." قال والد نور، وهو يشير إلى مقعد مريح.
"شكرًا لك يا عمي. لقد جئت اليوم لأطلب منك شيئًا هامًا." بدأ عامر، وشعر بأن قلبه يتسارع.
"تفضل. أنا أسمعك."
"لقد تحدثت مع نور، وأعتذرت لها عن كل ما حدث. وقد شرحت لها ظروفي. وأعتقد أنها تفهم الآن. ولكن، أنا أدرك أن ما حدث كان خطأ كبيرًا، وأنني جرحت مشاعرها. ولكنني لم أنسها قط. وقد جئت اليوم لأطلب يد ابنتك نور، مرة أخرى، وبشكل رسمي. وأنا على استعداد لإثبات حسن نيتي، ولكي أبني معها مستقبلًا صالحًا، مبنيًا على الصدق والحب."
نظر والد نور إلى عامر، وتأمل كلماته. كان يرى في عينيه صدقًا، وندمًا، وتصميمًا. ولكنه كان يعلم أيضًا أن هناك خطبة أخرى.
"عامر،" بدأ والد نور، بصوت هادئ. "أنا أقدر شجاعتك، وأقدر صدقك. وبالتأكيد، نور هي ابنتي، وسعادتها هي ما يهمني. ولكن، كما تعلم، نور مرتبطة بخطبة مع فواز. وهذه الخطبة قد تمت باتفاق، ومن الصعب التراجع عنها بهذه السهولة."
شعر عامر ببرودة تسري في عروقه. "ولكن… هل ما زالت نور مرتبطة بفواز؟ هل ما زالت ترغب في هذه الخطبة؟"
"هذا ما سنكتشفه قريبًا. نور وفواز على وشك اللقاء اليوم، لشرح الوضع. إذا شعرت نور بأنها لا تستطيع المضي قدمًا، فسوف نتحدث مع فواز وعائلته. ولكن، أرجوك، لا تعطي نور أي وعود لا تستطيع الوفاء بها. لقد عانت من قبل."
"أنا لن أفعل ذلك يا عمي. أنا مستعد للانتظار. ومستعد لكل ما يلزم."
بعد مغادرة عامر، شعر والد نور ببعض القلق. كان يعلم أن نور تحب عامر، ولكن كان يخشى أن يسبب لهما هذا الارتباط الآخر المزيد من الأذى.
في نفس الوقت، كان فواز يتلقى اتصالًا من والد نور. كان يعلم أن هناك شيئًا ما يحدث.
"أهلاً بك يا عمي. كيف حالك؟" قال فواز، وهو يشعر ببعض القلق.
"الحمد لله يا فواز. ولكني اتصلت بك اليوم لأتحدث معك في أمر هام. هو أمر يخص نور، وهو أمر شخصي."
"تفضل يا عمي. أنا أسمعك."
"يا فواز، أعرف أنك شاب طيب، ونبيل، وأنك ستقدر صدقي. نور، ابنتي، تشعر بأن مشاعرها تجاهك ليست كافية لبناء زواج سعيد. لقد كانت هناك علاقة سابقة في حياتها، وهذه العلاقة عادت للظهور، ويبدو أنها ما زالت تحمل بعض المشاعر تجاهه. وهي تشعر بأنها لا تستطيع الاستمرار في هذه الخطبة، لأنها لا ترغب في أن تخذلك، أو تخذلك عائلتك."
صدم فواز. لم يتوقع هذا أبدًا. كان يشعر بالتقدير لنور، وكان يأمل في بناء حياة سعيدة معها.
"يا عمي… أنا… أنا لا أعرف ماذا أقول. هذا أمرٌ مفاجئ." قال فواز، وصوته يحمل بعض الألم. "ولكن، إذا كانت نور لا تشعر بالراحة، فمن الظلم لها أن تستمر. أنا أريد سعادتها، قبل كل شيء."
"هذا الكلام طيب منك يا فواز. وسوف نتحدث معك في التفاصيل. ربما نلتقي غدًا."
"بالتأكيد يا عمي. سأكون حاضرًا."
أغلق فواز الهاتف، وشعر بشعور غريب. كان يشعر بالحزن، ولكنه كان يشعر أيضًا بالاحترام لنور. كانت شجاعة منها أن تتحدث بصراحة.
وبينما كانت الأمور تتبلور بهذا الشكل، كان هناك شخص آخر يراقب من بعيد. كانت "ليلى"، ابنة عم نور، التي كانت دائمًا تشعر بالغيرة من قرب نور من عائلتها، ومن اهتمام الجميع بها. كانت تعرف قصة حب نور وعامر القديمة، وكانت ترى في عودة عامر فرصة لإحداث فوضى في حياة نور، وبذلك تقترب هي من "فواز"، الذي كانت تشعر تجاهه بإعجاب شديد.
"يا للعجب،" همست ليلى لنفسها، وهي تراقب من نافذة غرفتها. "عامر يعود. وفواز يترك. يبدو أن الأمور تسير في صالحي. نور، أنتِ لا تزالين تعيشين في الماضي. وأنا، سأبني مستقبلي على أنقاض أحلامك."
كانت ليلى تخطط لشيء ما. كانت عيناها تلمعان ببريق الشر، وهي تفكر في كيف يمكنها استغلال هذا الموقف لصالحها. كانت تعلم أن لدى عامر بعض الأسرار، وأسرار أخرى قد لا يعلمها إلا هي.
في هذه الأثناء، كانت نور تشعر ببعض الارتياح بعد حديثها مع والدها. كانت تعلم أن الطريق لم يكن سهلًا، ولكنه كان الطريق الصحيح.
"أمي،" قالت نور لوالدتها، وهي تحتضنها. "شكرًا لكِ. شكرًا لأنكِ تفهمينني."
"دائمًا يا حبيبتي. دائمًا."
في المساء، وبينما كان الجميع يجتمعون لتناول العشاء، كان هناك توتر خفي في الجو. عامر كان حاضرًا، وشعر بنظرات نور تخترقه. كانت نظرة تحمل مزيجًا من الشوق، والقلق، والأمل.
"عامر،" قالت جدة نور، بصوت قوي. "لقد تحدثت مع نور. وهي تفهم الأمور الآن. وهي مستعدة للاستماع إليك، وإلى قلبها."
ابتسم عامر ابتسامة خفيفة، شعر فيها ببعض الراحة.
"ولكن،" أضافت الجدة، ونظرت إلى الجميع، "هناك أمرٌ آخر. فواز، ووالده، قد حضروا إلى هنا. فهم يريدون التحدث إليكم، ولنور بشكل خاص."
ارتعش قلب نور. لقد جاء فواز. كانت هذه هي اللحظة الحاسمة.
في هذه الأثناء، كانت ليلى تراقب من بعيد، وابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيها. كانت تعرف أن هذه الليلة ستحمل مفاجآت كبيرة، وأنها ستكون شاهدة على بداية النهاية لبعض الأحلام، وبداية لقصص جديدة.