أنت قدري الجزء الثاني
سرٌّ يتكشف في عتمة الليل
بقلم ليلى الأحمد
كانت ليالي الشتاء في مدينة جدة تكتسي برداءٍ فضيٍ بارد، تتسلل أشعة القمر فيه لترسم ظلالاً طويلة على أسطح المنازل، وتنسج قصصاً هامسة بين حبات الرمال. في أحد هذه الليالي، وبينما كانت فاطمة، تلك الفتاة ذات القلب المرهف والعينين الواسعتين كبحرٍ هادئ، تحدق في سماءٍ غائمةٍ تحمل وعداً بالمطر، كانت عواصفٌ أشد وطأةً تتخمر في دواخلها. بعد لقاءٍ دامٍ بالدكتور يوسف، الذي شهدته بالصدفة عند مدخل المستشفى، لم يعد يوسف الشاب الواثق والطبيب اللامع في عينيها، بل أصبح شخصاً آخر، غامضاً، محملاً بأسرارٍ لم تفهمها.
اتصلت فاطمة بخالد، بخطواتٍ مترددةٍ وروحٍ مشوشة. كان صوتها يرتعش حين قالت: "خالد، أحتاج أن أراك. الآن." لم تكن بحاجةٍ لوصفٍ تفصيلي، فخالد، بحدسه الثاقب وقلبه المحب، أدرك أن شيئاً جللاً قد حدث. لم يسألها عن تفاصيل، بل اكتفى بعبارةٍ مطمئنةٍ سرعان ما خففت من وطأة قلقها: "سأكون عندكِ في أقرب وقت، يا حبيبتي. لا تقلقي."
وصل خالد إلى منزل فاطمة، كان صمت الليل العميق قد أحاط بالمكان، ولم يكسره سوى حفيف أوراق الشجر اليابسة التي كانت تلعب بها رياحٌ خفيفة. وجدت فاطمة في انتظاره عند الباب، وجهها شاحبٌ وعيناها تعكسان حزناً عميقاً. فور أن رآها، اقترب منها واحتضنها بقوة، كأنما يريد أن يمسح من قلبها كل ما يقض مضاجعها.
"ماذا بكِ يا فاطمة؟" سأل بصوتٍ هادئٍ مليءٍ بالحنان. أخذت فاطمة نفساً عميقاً، ثم بدأت تروي ما رأته، كلمةً كلمة، بكل ما فيها من ذهولٍ وارتباك. "لقد رأيت يوسف... رأيته مع امرأةٍ غريبة عند المستشفى. لم تكن زوجته. كانت... كانت تعانقه بحرارة، وكان هو يبدو سعيداً جداً. لم يكن ذلك الوجه الذي أعرفه. ثم... ثم سمعت جزءاً من حديثهما. كانا يتحدثان عن... عن قضيةٍ قديمة، عن شيءٍ يتعلق بالماضي. شعرتُ بشيءٍ غريب، خالد. شعرتُ أن هناك سراً كبيراً يلف هذا الرجل."
كانت كلماتها تتردد في أرجاء الغرفة المظلمة، وكأنها أشباحٌ تستيقظ من سباتها. استمع خالد بصمتٍ، وقلبه يثقل تدريجياً. لم يشك أبداً في يوسف، لكن الأدلة التي قدمتها فاطمة كانت قوية، وتتطلب تحقيقاً أعمق.
"وهل تحدثتِ معه؟" سأل خالد، وعيناه ترصدان كل تعبيرٍ يمر على وجه فاطمة. "لا، لم أستطع. شعرتُ بالخجل، وبالارتباك. كيف يمكنني أن أسأله عن أمرٍ كهذا؟ بدا كل شيءٍ سريعاً ومفاجئاً. ثم... ثم تذكرتُ حديثنا السابق عن ثقته بنفسه، وكيف أنه لم يكشف عن كل شيءٍ لنا. ربما... ربما هناك أسبابٌ له."
"لا يا فاطمة. الثقة لا تعني إخفاء الحقائق الجوهرية. خاصةً إذا كانت تتعلق بمسائلٍ قد تؤثر علينا جميعاً." قال خالد بجديةٍ، ثم أكمل: "ما رأيتِه مهمٌ جداً، ويجب أن نكتشف حقيقته. لا يمكننا أن نترك الأمور هكذا. لا أريدكِ أن تقلقي. سأتولى الأمر بنفسي. سأحاول أن أقترب من يوسف، وأرى ما يمكنني استخلاصه."
كانت عينا فاطمة مليئتين بالرجاء. "لكن كيف؟ أخاف أن يؤذينا هذا الأمر، أو أن يزيد الأمور سوءاً." "سنكون حذرين. أنتِ معي، ونحن معاً. أليس كذلك؟" قال خالد مبتسماً ابتسامةً خفيفة، كانت كشعاع أملٍ في عتمة قلقها.
في صباح اليوم التالي، ذهب خالد إلى المستشفى، ليس لمقابلة يوسف كمريضٍ أو زميل، بل كشخصٍ يحمل شكوكاً عميقة. بدأ بتلميحاتٍ بسيطة، بأسئلةٍ تبدو عادية، لكنها كانت تحمل في طياتها محاولةً لاستكشاف مدى صدق يوسف. كان يوسف، كالعادة، هادئاً، واثقاً، لكنه كان يبدو مشغولاً أكثر من اللازم، وتجنب التواصل البصري المباشر مع خالد.
"كيف حالك يا يوسف؟ لم أرك منذ فترة." بدأ خالد بطريقةٍ ودية. "بخير، الحمد لله. العمل كثيرٌ هذه الأيام." أجاب يوسف، دون أن يرفع عينيه عن الأوراق التي أمامه. "بالتأكيد. سمعتُ أنك مشغولٌ بقضيةٍ جديدة. هل هي معقدة؟" سأل خالد، محاولاً أن يشير إلى جزءٍ من حديث فاطمة.
توقف يوسف للحظة، وبدا عليه الارتباك. "قضية؟ لا، ليست قضية بالمعنى الذي تفكر فيه. مجرد متابعةٍ لبعض الحالات." "آه، حالات. بالطبع." قال خالد، وهو يراقب ردة فعل يوسف. "لكنني رأيتك البارحة... بالقرب من مدخل المستشفى. بدوتَ مشغولاً جداً."
اتسعت عينا يوسف قليلاً، ثم استعاد هدوءه بسرعة. "نعم، كنتُ في عجلةٍ من أمري. لديّ التزاماتٌ خاصة." "التزامات؟" كرر خالد، بلهجةٍ تحمل تساؤلاً خفياً. "لم أكن أعرف أن لديكِ التزاماتٌ خارج العمل كهذه. هل كل شيءٍ على ما يرام؟"
كانت كلمات خالد أشبه بفخٍ صغير، أراد أن يقع فيه يوسف ليعترف بشيء. لكن يوسف، بقدرته على التخفي، استطاع أن ينجو. "كل شيءٍ على ما يرام، خالد. لا تقلق. هل هناك شيءٌ آخر؟" شعر خالد بخيبة أملٍ طفيفة، لكنه لم يستسلم. "لا، لا شيء. أردتُ فقط الاطمئنان. فالصداقة تقتضي ذلك."
بعد هذه المحادثة، قرر خالد أن يتبع أسلوباً آخر. بدأ بالبحث عن معلوماتٍ تتعلق بـ "قضيةٍ قديمة" تحدث عنها يوسف. استخدم علاقاته، وبعض المصادر الموثوقة، ليبحث في سجلات المستشفى القديمة، وفي بعض القضايا الطبية التي قد تكون تركت أثراً. في أحد الأيام، بينما كان يراجع ملفاتٍ قديمة، وقع بصره على اسمٍ مألوفٍ جداً. اسمٌ ارتبط بتاريخ عائلته، ولكنه كان مسجلٌ تحت عنوان "مريضٌ سابق".
لم يكن الأمر مجرد اسم. كان هناك تفاصيلٌ متعلقةٌ بعلاجٍ معقد، وحالةٍ طبيةٍ حرجة، ورسومٌ ماليةٌ ضخمة. تفاصيلٌ بدت وكأنها لا تتناسب مع يوسف الذي يعرفه. بدأت علامات الاستفهام تتكاثر في ذهنه. من هو هذا المريض؟ ولماذا ارتبط اسمه بيوسف؟
عاد خالد إلى فاطمة، وكان في عينيه بريقٌ من القلق، ولكن أيضاً من الإصرار. "يا فاطمة، لقد وجدتُ شيئاً. شيئاً قد يغير كل شيء." روى لها ما وجده، عن الملف القديم، والاسم الغريب المرتبط بيوسف. "لم أفهم كل شيءٍ بعد، لكنني أشعر أن هذا الملف يحمل مفتاح اللغز. أعتقد أن يوسف يخفي شيئاً يتعلق بأحد أفراد عائلته، أو ربما... بشخصٍ قريبٍ منه جداً. والامرأة التي رأيتها معه... ربما تكون مرتبطةً بهذا الملف."
كانت فاطمة تستمع بقلبٍ يخفق. "ولكن، من هو هذا الشخص؟ ولماذا لم يخبرنا يوسف؟" "هذا ما سنكتشفه. لكنني أحتاج منكِ شيئاً يا فاطمة. أحتاج أن تكوني قوية. وأن تثقي بي. لقد بدأنا في هذا الطريق، ولا يمكننا التراجع. علينا أن نصل إلى الحقيقة، مهما كانت."
في تلك الليلة، لم ينم خالد. كان يحدق في السقف، ويدور في ذهنه ألف سؤالٍ وسؤال. بدأ يربط بين خيوطٍ متناثرة: لقاء يوسف الغريب، حديثه المقتضب، والملف الطبي القديم. كان يشعر أن هناك مؤامرةً أو سراً كبيراً يحاك حولهم، وأن يوسف هو مفتاح كل ذلك.
ثم، وبينما كان يراجع رسائل قديمة تركها والده، وجد رسالةً بخطٍ يدويٍ متعرج، تحمل تاريخاً قديماً. فتحها بفضول، وكانت الرسالة موجهةٌ إليه مباشرة. كاتبها كان غامضاً، لكن كلماته كانت تحمل قوةً وتحذيراً. "يا بني، هناك ظلامٌ يحيط ببعض الأقرباء. لا تدع المظاهر تخدعك. بعض القلوب تخفي جراحاً عميقة، وبعض الأسرار تدمر. كن قوياً، وابحث عن الحقيقة. فقد يكون قد خُدع الكثيرون."
ازداد قلق خالد. من هذا الكاتب؟ ولماذا يوجه له هذه الرسالة؟ هل كان والده على علمٍ بشيءٍ يخص يوسف؟ عاد إلى فاطمة في اليوم التالي، وفي عينيه إصرارٌ جديد. "يا فاطمة، أعتقد أن علينا أن نواجه يوسف. لن أسمح له بأن يستمر في إخفاء الحقيقة. سنذهب معاً. وسنطلب منه أن يخبرنا بكل شيء."
وقفت فاطمة أمام والدها، وبدت عليها علامات الارتباك. "أبي، هل يمكنني أن أسألك عن شيء؟" نظر إليها والدها بتروٍ. "تفضلي يا ابنتي." "هل تعرف... طبيباً اسمه يوسف؟" كان السؤال بسيطاً، ولكنه ألقى بظلالٍ ثقيلةٍ على وجه والدها. تأملها لبرهة، ثم قال بصوتٍ متعب: "يوسف؟ نعم، أعرفه. طبيبٌ متميز. ولكن... ما سبب سؤالك؟" "مجرد فضول. هل تعرف عنه أي شيءٍ غريب؟ أي شيءٍ لا يبدو عادياً؟"
ارتسمت على وجه والدها علاماتٌ من عدم الارتياح. "يا فاطمة، الحياة مليئةٌ بالألغاز. والأشخاص ليسوا دائماً كما يبدون. ولكن... يوسف شابٌ طيب، ومن عائلةٍ كريمة. لا أدري لماذا تسألين عن أمورٍ كهذه." "لأنني... رأيت شيئاً، يا أبي. شيئاً جعلني أتساءل." قالت فاطمة، وبدأت تشرح لوالدها ما رأته، دون أن تذكر اسم خالد.
استمع والدها بصبر، ثم قال: "يا ابنتي، في بعض الأحيان، تكون الشكوك مجرد وهم. لا تدعي الخيال يقودكِ. الأفضل أن تتحدثي مع خالد، فهو دائماً ما يكون معكِ، ويفهمكِ."
كان هذا بمثابة إشارةٍ واضحةٍ لخالد. كان يعلم أن والد فاطمة، وإن كان يحبها، لا يريد أن يتورط في أمورٍ قد تسبب لها ألماً. كان عليه أن يتصرف بنفسه. في ذلك المساء، قرر خالد أن يكشف كل شيء. لم يعد يحتمل الصمت والغموض. كان عليه أن يواجه يوسف، وأن يضع حداً لهذا التوتر الذي بدأ يلتهم حياتهم.