أنت قدري الجزء الثاني
مواجهةٌ تحت ضوء القمر
بقلم ليلى الأحمد
كانت سماء جدة تزدان بنجومٍ تتلألأ كألماسٍ نثر على مخملٍ أسود، فيما كان نسيمٌ عليلٌ يحمل معه عبق الياسمين المتناثر من حدائق المدينة. في هذا الجو الهادئ، كان قلب خالد يضطرب بعنف، محملاً بعبءٍ ثقيلٍ من الشكوك والأسئلة. بعد لقاءٍ مسائيٍ مع فاطمة، حيث تبادلا الحديث عن مخاوفهما وتأكيد عزمهم على كشف الحقيقة، قرر خالد أن لا ينتظر أكثر. إن سرّ يوسف، ذلك الطبيب الذي كان يوماً يمثل مثالاً للشاب الناجح والطموح، بدأ يتكشف ببطء، كطبقاتٍ من ضبابٍ كثيفٍ لا يريد أن ينجلي.
أجرى خالد اتصالاً هاتفياً بيوسف، وكان صوته يحمل نبرةً من الجدية لم يعهدها يوسف منه من قبل. "يوسف، أريد أن أراك. الأمر ضروري. الآن." شعر يوسف بشيءٍ من الدهشة، لكنه أجاب بصوتٍ هادئٍ يخفي خلفه اضطراباً متزايداً: "الآن؟ ولكن... هل هناك مشكلة؟" "أجل، هناك مشكلة. وأفضل أن نتحدث وجهاً لوجه. في مكانٍ هادئ. أرجو أن توافق."
وافق يوسف، متفقين على اللقاء في حديقةٍ مطلةٍ على البحر، بعيداً عن أعين الناس. كان المكان ساحراً، حيث تتراقص أمواج البحر بخفةٍ على الشاطئ، وتهمس بقصصٍ أزلية. جلس خالد على أحد المقاعد الخشبية، ناظراً إلى الأفق البعيد، وقلبه يثقل مع كل دقيقةٍ تمر.
وصل يوسف بعد قليل، بدا عليه التوتر، وارتسمت على وجهه علاماتٌ من التفكير العميق. "أهلاً بك يا خالد. ما الذي جعلك تبدو بهذه الجدية؟" نظر إليه خالد، وعيناه تتفحصان ملامح وجهه، تبحثان عن أي دليلٍ أو إشارة. "يوسف، يجب أن نكون صريحين مع بعضنا البعض. ألا ترى أن هناك شيئاً يخفيه يوسف؟" عبس يوسف، وبدا عليه الارتباك. "لا أدري عما تتحدث. أنا صريحٌ معك دائماً." "هل أنت حقاً كذلك؟" سأل خالد، وبدأ يروي له ما رآه، دون ذكر اسم فاطمة. "رأيتك أمس، بالقرب من المستشفى. مع امرأةٍ... لم تكن زوجتك. كان بينكما تقاربٌ غريب. ثم سمعت جزءاً من حديثكما... عن قضيةٍ قديمة."
تغير لون وجه يوسف، وارتعش صوته قليلاً وهو يجيب: "يا خالد، أنت تفهم الأمور بشكلٍ خاطئ. تلك كانت... مجرد صديقةٍ قديمة. وهي تمر بظروفٍ صعبة." "صديقة؟" سأل خالد بتهكم، ثم تابع: "وهل الصديقات القديمات يحتضنّ بهذه الطريقة؟ وهل يتحدثن عن قضايا قديمةٍ بهذا القدر من السرية؟"
أخذ يوسف نفساً عميقاً، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. "يا خالد، هناك أمورٌ لا يمكنك فهمها. لا يمكنني أن أفصح عنها الآن." "لماذا؟ هل هي قضيةٌ تتعلق بسمعتك؟ بسمعة عائلتك؟ أم سمعة شخصٍ آخر؟" سأل خالد، وهو يرمقه بنظراتٍ حادة. "أخبرني بالحقيقة يا يوسف. من هي هذه المرأة؟ وما هي هذه القضية؟"
تنهد يوسف، وبدا وكأنه يخوض معركةً داخلية. "يا خالد، أنت تضغط عليّ كثيراً. لا أستطيع." "لا تستطيع؟ أم لا تريد؟" قال خالد بجدية. "تذكر، نحن أصدقاء. وفاطمة... فاطمة تهتم لأمرك. ولكن عندما ترى ما رأيت... كيف تتوقع أن تشعر؟"
توقف يوسف للحظة، ثم قال بصوتٍ متهدج: "هل رأيت فاطمة؟" "لا، لم أرها. لكنها... لو رأت، فستكون صدمتها أكبر." قال خالد، وهو يعرف جيداً أن إدخال فاطمة في الموضوع قد يكون سلاحاً ذا حدين. "يا خالد، أنت لا تفهم. هذه القضية... قديمةٌ جداً. تتعلق بوالدي."
هذه الكلمة، "والدي"، جعلت خالد يتوقف. هل كان يوسف يتحدث عن والده الذي توفي منذ سنوات؟ أم عن شخصٍ آخر؟ "والدك؟ وما علاقة والدك بهذا الأمر؟" سأل خالد، والفضول يدفعه لمعرفة المزيد.
بدأ يوسف يروي، بخوفٍ واضحٍ في صوته، وكأنما يكشف عن جرحٍ غائر. "والدي... كان لديه أخت. لم يتحدث عنها كثيراً. كانت حياتها مليئةٌ بالصعوبات. وفي مرحلةٍ ما... تورطت في مشكلةٍ كبيرة. قضيةٌ ماليةٌ معقدة. دفع ثمنها غالياً. لقد أثر ذلك على عائلتنا بأكملها."
"ومن هي المرأة التي رأيتها؟ هل هي ابنة هذه الأخت؟" سأل خالد، وهو يربط بين خيوط القصة. "نعم. هي. اسمها ريم. وهي... لديها ابنٌ. ولدٌ مريضٌ جداً. وهي تبحث عن مساعدة. وقد كنت... أحاول مساعدتها." قال يوسف، وكان يبدو عليه الإرهاق.
"مساعدة؟ وبأي طريقة؟ هل بهذه الطريقة التي رأيتها بها؟" سأل خالد، ولم يخفِ دهشته. "يا خالد، أنت لا تعلم حجم المعاناة التي مرت بها. إنها أمٌ، وتحاول إنقاذ ابنها. وقد واجهت الكثير من الظلم." قال يوسف، ودفاعه عن ريم كان قوياً، مما أثار المزيد من الشكوك في قلب خالد.
"الظلم؟ ولكن... هل كل ما تفعله له أسبابه؟ وهل هذا يبرر إخفاء الأمر عن أقرب الناس إليك؟ عن فاطمة؟" سأل خالد. "الأمر معقدٌ جداً يا خالد. هذه القضية... لها أبعادٌ أخرى. أخشى أن أفصح عنها، أن يؤذي ذلك أشخاصاً آخرين. أشخاصاً بريئين."
"وأنت بذلك تؤذي فاطمة. وتؤذينا جميعاً." قال خالد بجدية. "يوسف، أنا أعرف أنك تحب فاطمة. وهي تحبك. ولكن لا يمكنك بناء علاقةٍ على أساسٍ من الأسرار. خاصةً عندما تكون هذه الأسرار بهذا الحجم."
صمت يوسف، واحتضن وجهه بيديه. "يا خالد، أنت لا تفهم. لقد حاولت أن أجد حلاً، حلاً يرضي الجميع. ولكن الأمر... أصبح خارج سيطرتي."
"وماذا عن الأموال؟ هل ساعدتها بأموالك؟" سأل خالد، متذكراً ما رآه في الملف القديم. "هل هذه الأموال... من أين جاءت؟" بدا على يوسف علامات الارتباك الشديد. "الأموال؟ نعم... كانت هناك بعض المساعدات. ولكن..." "ولكن ماذا؟" ألح خالد. "هل أنت متورطٌ في شيءٍ غير قانوني؟"
"لا، لا يا خالد! أقسم لك! لم أفعل شيئاً خاطئاً." قال يوسف بحماس، ولكن نبرة صوته لم تكن مطمئنة. "إذن، كيف تمكنت من توفير كل هذه الأموال؟ هل كانت من ثروتك؟ وهل كان ذلك بالتنسيق مع تلك المرأة؟"
"لم يكن لدي خيارٌ آخر." قال يوسف، وبدأت الدموع تتكون في عينيه. "لقد اضطررت... اضطررت لأن أفعل ذلك. كان هناك تهديدٌ كبير." "تهديد؟ من؟" سأل خالد، وكل كلمةٍ جديدةٍ كانت تزيد من تعقيد الموقف.
"لا أستطيع أن أقول. أرجوك، لا تضغط عليّ أكثر. يكفي ما يحدث." قال يوسف، وبدا عليه الانهيار. "يوسف، إذا كنت تحب فاطمة حقاً، فعليك أن تخبرها. وأن تخبرني. لا يمكننا أن نستمر هكذا. إن هذه الأسرار كالصخرة التي ستتحطم عليها حياتنا."
نظر يوسف إلى خالد، وعيناه مليئتان باليأس. "يا خالد، أنت صديقي. وأنا أثق بك. ولكن... أخشى أن تدمّر هذه الحقيقة كل شيء." "الحقيقة دائماً ما تكون أقوى من أي وهم. حتى لو كانت مؤلمة." قال خالد، بنبرةٍ حازمة. "أرجوك، أخبرني. من الذي يهددك؟ وما هي طبيعة هذه القضية؟"
تنهد يوسف، وبدا وكأنه استسلم. "حسناً. سأخبرك. ولكن... يجب أن تعدني بشيء. أن تبقى هذه القصة بيننا. وأن تساعدني في إيجاد حل." "أعدك." قال خالد، وبدأ يشعر بثقل المسؤولية.
وبدأ يوسف يروي، قصةً معقدةً، مليئةً بالخيانة، والجشع، والمؤامرات. قصةً عن ثروةٍ مخفية، وعن شخصٍ كان يتلاعب بالجميع. قصةً ستغير كل شيء.