أنت قدري الجزء الثاني
خيوطُ الماضي المتشابكة
بقلم ليلى الأحمد
بينما كانت أمواج البحر تداعب الشاطئ بنعومةٍ، وأشعة القمر ترسم درباً فضياً متلألئاً على سطح الماء، كان يوسف يكشف عن سرٍ دفينٍ طالما أثقل كاهله. استمع خالد بإنصاتٍ شديد، وقلبه يتأرجح بين الصدمة والقلق، وبين الشفقة على صديقه. لم يكن يتخيل قط أن حياة يوسف، الذي بدا له دائماً نموذجاً للشاب الناجح والطموح، تخفي مثل هذه التعقيدات والأحزان.
"يا خالد، الأمر بدأ منذ سنوات، قبل أن تتورط عائلتي في مشكلةٍ ماليةٍ كبيرة." بدأ يوسف، وصوته ما زال يحمل نبرةً من الألم. "والدي، رحمة الله عليه، كان رجلاً طيباً، ولكنه كان ساذجاً بعض الشيء. كان لديه صديقٌ قديم، يدعى "سليم". سليم هذا، كان يبدو ودوداً، ولكنه كان جشعاً ومخادعاً. استغل طيبة والدي، وورطه في استثماراتٍ وهمية، واعداً إياه بأرباحٍ طائلة. في النهاية، تبين أن كل ذلك كان مجرد وهم. خسر والدي جزءاً كبيراً من ثروته، وانهارت سمعته."
صمت يوسف للحظة، وكأنه يستعيد ذكرياتٍ مؤلمة. "بعد ذلك، اكتشفنا أن سليم لم يكتفِ بذلك. بل كان يملك وثائقَ، يزعم أنها تخص عائلة والدتي، وتتعلق بحقوقٍ ماليةٍ قديمة. كان يهدد والدي بنشرها، وإحداث فضيحةٍ كبيرة. كان ذلك هو السبب الرئيسي للضغوطات التي تعرض لها والدي، وللمرض الذي أودى بحياته."
"وما علاقة هذا بـ "ريم"؟" سأل خالد، وهو يحاول ربط الخيوط. "ريم، هي ابنة أخت والدتي. لم نكن نعرف بوجودها إلا بعد وفاة والدي. كانت تعيش في ظروفٍ صعبة، ولم يكن لديها أي معلوماتٍ عن تاريخ العائلة. ثم، وبطريقةٍ ما، اكتشفت ريم هذه الوثائق. ومن الواضح أن سليم، بطريقته الملتوية، كان يتلاعب بها أيضاً. فقد أخذ منها الوثائق، ووعدها بمساعدتها في الحصول على حقها، ولكنه في الحقيقة كان يستغل حاجتها."
"وهل ساعدتها أنت؟" سأل خالد، وعيناه تراقبان ردة فعل يوسف. "حاولت. عندما اكتشفت أن ريم في مأزق، وأن سليم يستغلها، قررت أن أتدخل. لقد رأيت في عينيها يأس أمٍ تبحث عن الأمان لابنها. وابنها... مريضٌ جداً، يا خالد. يحتاج إلى علاجٍ مكلفٍ جداً. وقد أخبرتني ريم أن سليم هدّدها بفضح والدتها، ووالدي، إذا لم تتعاون معه."
"تهديد؟ بأي شيء؟" سأل خالد. "بفضح ماضٍ قديم، يتعلق بوالدتي. وأخشى أن يكون ذلك شيئاً قد يؤثر على سمعة العائلة، وعلى عائلتنا أنا وفاطمة." قال يوسف، وكان صوته يحمل قلقاً حقيقياً. "ثم... وجد سليم طريقةً أخرى للضغط عليّ. بدأ يهدد بكشف معلوماتٍ قديمةٍ تخص والدي، وربما تورطه في أمورٍ غير قانونية، لم أكن أعرف بها. لم أكن أعرف ما الذي سيفعله."
"وهل هذا هو السبب الذي جعلك تتعامل مع ريم بهذه الطريقة؟" سأل خالد، وهو يشير إلى اللقاء الذي رأته فاطمة. "نعم. كنت أحاول أن أجد حلاً. كنت أحاول أن أفصل بين مشاعر الأمومة لدى ريم، وبين تهديدات سليم. وكنت بحاجةٍ إلى بعض المال، لكي أدفع لسليم، لكي يكف عن تهديدنا."
"تدفع لسليم؟ وبأي طريقة؟" سأل خالد، وتزايد الشك في ذهنه. "من أين لك كل هذه الأموال؟" "هذا هو الجزء الأصعب." قال يوسف، وبدا عليه التردد. "لقد... كنت بحاجةٍ ماسةٍ إلى المال. وسليم كان يطالب بمبلغٍ كبير. فكرت، ثم فكرت... وقررت أن أستخدم بعض الموارد التي تركها والدي. ثروةٌ قديمة، لم يكن لدي علمٌ كاملٌ بها. كان هناك بعض الأشياء الثمينة، وبعض الأموال المجمدة. اضطررت لبيعها، لكي أدفع لسليم."
"هل تقصد أنك بعت ممتلكاتٍ عائلية؟" سأل خالد، وهو يشعر بالصدمة. "نعم. لقد فعلت. ولم أستطع أن أخبر أحداً. خاصةً فاطمة. أخشى أن تفكر أنني... قد أضعت كل شيء. أو أنني متورطٌ في شيءٍ مشين."
"ولكن سليم لم يتوقف، أليس كذلك؟" قال خالد، وهو يربط بين كل ما سمعه. "لقد استمر في التهديد. وربما... طلب المزيد." "نعم. لقد طلب المزيد. وبدأ يشعر أنني أتلاعب به. فأصبحت تهديداته أكثر شدة." قال يوسف، وعيناه مليئتان بالخوف. "وكانت ريم... قد فقدت الأمل. وبدأت هي أيضاً تشعر أنني لم أقدم لها المساعدة الكافية."
"وماذا عن المرأة التي رأتها فاطمة؟ هل كانت ريم؟" سأل خالد. "نعم. كانت ريم. وهي... كانت تأتي إليّ طلباً للمساعدة. وكنت أحاول أن أطمئنها. ولكن الوضع كان يزداد سوءاً."
"يوسف، هل أنت متأكدٌ أن كل ما قلته صحيح؟ هل سليم هو الوحيد الذي يقف خلف هذه القصة؟" سأل خالد، فهو لا يزال يشعر ببعض الشك. "أنا متأكدٌ من أن سليم هو العقل المدبر. هو من كان يتلاعب بالجميع. ولكني أخشى أن يكون هناك أطرافٌ أخرى... لم تظهر بعد."
"وماذا عن تلك الوثائق؟ هل ما زالت مع سليم؟" سأل خالد. "نعم. وما زالت تشكل خطراً. أخشى أن يستخدمها ضدنا."
"إذن، ما هي خطتك الآن؟" سأل خالد، وهو يدرك حجم المشكلة. "لا أعرف. لقد فقدت السيطرة على الأمور. كل ما أريده هو أن تنتهي هذه الكوابيس. وأن أحمي فاطمة. وأن أستعيد حياتنا."
"يا يوسف، لا تبتئس. نحن معاً. وسنجد حلاً." قال خالد، وهو يحاول أن يزرع الأمل في قلب صديقه. "ولكن... نحتاج إلى دليل. نحتاج إلى شيءٍ يدين سليم. شيءٍ يثبت أن كل ما يقوله كذب. أو أن تهديداته لا أساس لها."
"وكيف سنجد ذلك؟" سأل يوسف، وبدا عليه اليأس. "أنا لا أعرف بالضبط. ولكن... أعتقد أننا بحاجةٍ إلى بعض الوقت. ونحتاج إلى التفكير. هل أنت مستعدٌ لكي نتعاون؟ أنا وفاطمة؟" نظر يوسف إلى خالد، وبدت في عينيه بعض الراحة. "نعم. أنا مستعد. ولكن... أرجوك، لا تخبر فاطمة بكل التفاصيل الآن. أخشى أن يؤذيها ذلك."
"سنتحدث معها. ولكن سنكون حذرين. سنكشف ما يلزم، وما هو ضروري. والآن، علينا أن نفكر كيف سنتعامل مع سليم. وكيف سنستعيد تلك الوثائق."
انتهت ليلةٌ طويلة، بدأت بلقاءٍ هادئ، وانتهت بكشفٍ مرعب. أدرك خالد أن القصة لم تنتهِ بعد، بل إنها في الحقيقة قد بدأت للتو. كان عليه أن يحمي فاطمة، وأن يساعد يوسف، وأن يكشف حقيقة سليم، وأن يعيد الأمور إلى نصابها.