أنت قدري الجزء الثاني

خفقانٌ تحت عباءة القدر

بقلم ليلى الأحمد

في صباح اليوم التالي، استيقظت "لينا" على أشعة الشمس الذهبية التي توغلت من نافذة غرفتها، تحمل معها هدوءاً لم تشعر به منذ زمن. لم يكن الهدوء مجرد غيابٍ للصخب، بل كان امتداداً لسكينةٍ استقرت في روحها منذ ليلة الأمس. صورة "أدهم" وملامحه الجادة، وصوته العميق، وكلماته التي تركت أثراً عميقاً، كانت تتراقص أمام عينيها. لم تكن تنسى تفاصيل لقائهما المفاجئ تحت شجرة الزهراء، ذلك اللقاء الذي فاجأها بقدرته على اختراق جدران صمتها، وفتح أبواباً لأملٍ دفين.

كانت "لينا" فتاةً حكيمة، تقدر قيمة العلاقات المبنية على الاحترام والتقدير المتبادل، وتؤمن بأن الزواج هو رباطٌ مقدس، لا يجب التسرع في إبرامه. لكن حديثها مع "أدهم" قد منحها شعوراً مختلفاً. لم يكن حديثاً عابراً، بل كان تبادلاً لوجهات نظرٍ متشابهة، ولمحاتٍ من فهمٍ متبادلٍ لروحانيات الحياة وقيمها. كان كل كلمةٍ قالها، وكل نظرةٍ تبادلها، تحمل وزناً ومعنى.

في عصر اليوم نفسه، وبينما كانت "لينا" منهمكةً في رسم مخططاتٍ جديدةٍ لأحد المشاريع، رنّ هاتفها. كان الرقم غريباً. ترددت للحظةٍ قبل أن تجيب.

"مرحباً؟" قالت بتردد.

"مرحباً، لينا. معكِ أدهم."

ارتعش صوتها قليلاً عند سماع صوته. "أهلاً بك، أدهم. كيف حالك؟"

"بخير، الحمد لله. كيف حالكِ أنتِ؟"

"بخير، شكراً لك."

"أردتُ فقط أن أتصل لأطمئن عليكِ، ولأشكركِ مجدداً على لقائنا بالأمس. لقد استمتعتُ بالحديث معكِ كثيراً."

"وأنا أيضاً، أدهم. لقد كان لقاءً مميزاً."

"تذكرتُ شيئاً قلتهِ بالأمس عن إعجابكِ بـ 'المنحوتات الحجرية' في ساحة 'البازار القديم'. هناك معرضٌ جديدٌ سيُقام غداً مساءً لمجموعةٍ من الفنانين الشباب، أعتقد أنه قد يثير اهتمامكِ."

شعرت "لينا" بسعادةٍ غامرة. لم تتوقع أن يتذكر هذه التفصيلة الصغيرة، وأن يبادر بدعوتها. كان ذلك دليلاً على اهتمامه الحقيقي.

"هذا رائع! أنا بالتأكيد مهتمة."

"جميل. إذاً، هل يمكنني أن أراكِ غداً في تمام الساعة السابعة مساءً عند مدخل المعرض؟"

"نعم، بالتأكيد. يسعدني ذلك."

"ممتاز. إلى اللقاء غداً، بإذن الله."

"إلى اللقاء، أدهم."

بعد أن أنهت المكالمة، شعرت "لينا" بموجةٍ من السعادة والترقب. كان هذا اللقاء الثاني بمثابة تأكيدٍ لاحتمالية وجود رابطٍ أعمق بينهما. بدأت تتساءل عن طبيعة هذا الرابط، وعن المسار الذي قد تتخذه هذه العلاقة. كانت تعلم أن "أدهم" رجلٌ جادٌ، يبحث عن الاستقرار والارتباط الحلال. وهي أيضاً.

في اليوم التالي، ارتّدت "لينا" فستاناً بسيطاً لكنه أنيق، بلونٍ سماويٍّ هادئ، ووضعت حجابها بعناية. كانت تشعر بترقبٍ ممزوجٍ بالخوف، لكنه ترقبٌ جميل، ترقبُ البدايات الواعدة. عندما وصلت إلى مكان المعرض، كان "أدهم" ينتظرها. كان يقف بانصبابٍ ورزانة، كعادته. وعندما رآها، ابتسم ابتسامةً دافئةً زالت بها كل آثار الجدية التي كانت تعلو وجهه.

"مرحباً بكِ، لينا. كنتُ أنتظركِ."

"مرحباً بك، أدهم. المعرض يبدو رائعاً."

"آمل أن ينال إعجابكِ. هذه فرصةٌ لمشاهدة إبداعاتٍ جديدة."

دلفا إلى داخل المعرض، وبدأت "لينا" تستعرض الأعمال المعروضة. كانت منحوتاتٌ متنوعة، بعضها يمثل الطبيعة، وبعضها الآخر يحمل رموزاً ثقافيةً عميقة. كان "أدهم" يتحدث معها عن كل قطعةٍ فنية، يشرح لها رؤية الفنان، ويشاركها رأيه. كانت تلاحظ كيف يتحدث بعمقٍ وشغفٍ عن الفن، وكيف يلتقط تفاصيل صغيرةً قد لا تلفت انتباه الآخرين.

"هذه القطعة لافتةٌ جداً،" قالت "لينا" مشيرةً إلى منحوتةٍ تجسد طائراً ينطلق بجناحيه. "إنها تبعث على الشعور بالحرية والأمل."

"أتفق معكِ تماماً،" قال "أدهم". "أعتقد أن هذه الروح هي التي نفتقدها أحياناً في حياتنا. روح الانطلاق نحو المجهول، بثقةٍ وأمل."

"هل تشعر بأنك تفتقد هذه الروح؟" سألت "لينا" بنبرةٍ هادئة.

نظر إليها "أدهم"، وكانت عيناه تحملان عمقاً غامضاً. "ربما. في خضم مسؤوليات الحياة وضغوطها، قد ننسى أحياناً أن نحلق."

"لكن لكل منا طريقةٌ في الطيران، أليس كذلك؟"

"بالتأكيد. وبالنسبة لي، أجد راحتي في التصاميم، وفي محاولة خلق مساحاتٍ تبعث على السكينة والجمال. مثلما تجدين أنتِ في فنكِ."

كان كلامه يلامس قلبها. شعرت بأنها تفهمه، وأنها مفهومة. لم تكن مجرد محادثةٍ سطحية، بل كانت حواراً عميقاً بين روحين تبحثان عن معنىً مشترك.

بعد جولتهما في المعرض، جلسا في مقهىً هادئٍ قريب. تناولوا بعض المشروبات، واستمر حديثهما. لم يعد الحديث عن الفن فقط، بل امتد ليشمل أحلامهما، وطموحاتهما، وحتى مخاوفهما.

"كانت طفولتي جميلة،" قال "أدهم" بابتسامةٍ حزينة. "لكنها كانت صعبةً أيضاً. فقدتُ والديّ مبكراً، واضطررتُ أن أعتمد على نفسي. هذا ما جعلني قوياً، ولكنه جعلني أيضاً كثير الحذر."

"أنا أتفهم ذلك. الحياة تعلمنا الكثير، أليس كذلك؟"

"نعم. وقد علمتني أن بعض الأشياء، مثل العلاقات الحقيقية، تستحق الصبر والانتظار. وأن النصيب هو ما يقودنا في النهاية."

"هذه هي قناعتي أيضاً. لا شيء يأتي إلا بتقديرٍ من الله."

"أتذكرين لقاءنا الأول؟" سأل "أدهم" فجأة.

"بالطبع."

"كنتُ أفكر فيكِ منذ ذلك الحين. كنتُ أتساءل عن سر الهدوء الذي ينبعث من عينيكِ، وعن الرزانة التي تتجسد في حديثكِ. وكنتُ أخاف أن أبادر. لكنني قلتُ لنفسي، إذا كان هذا قدراً، فسوف يلتقي طريقانا مرةً أخرى."

شعرت "لينا" بخجلٍ لطيف. لم تتوقع أن يكون قد فكر فيها بهذه العمق.

"ولم أكن أعلم أنكِ تبحثين عن رجلٍ يتمتع بصفاتٍ معينة، رجلٍ يمكن أن تشاركهِ حياته بروحٍ صافية."

"ما هي الصفات التي تبحثين عنها؟" سأل "أدهم" بفضول.

"أبحث عن رجلٍ كريم، صاحب مبادئ، يحترم المرأة، ويكون سنداً وعوناً. رجلٌ يشاركني الحياة، لا مجرد شريكٍ فيها."

"هل تعتقدين أنني قد أمتلك بعضاً من هذه الصفات؟" سأل "أدهم" بابتسامةٍ خفيفة.

"لستُ متأكدةً تماماً بعد. لكنني بدأتُ ألمح ذلك."

كانت تلك الكلمات كافيةً لـ "أدهم". لقد شعر بأن جسور الثقة قد بدأت تُمد بينهما.

"لينا،" قال "أدهم" بجديةٍ أكبر، "أنا لا أبحث عن مجرد علاقةٍ عابرة. أنا رجلٌ يؤمن بالزواج كرباطٍ مقدس، وبالأسرة كوحدةٍ أساسيةٍ في المجتمع. وأنا أرى فيكِ، ربما، الشريكة التي يمكن أن أبني معها مستقبلاً هادئاً ومستقراً."

كانت كلماته صادمةً ومفاجئة، لكنها لم تكن غير مرحبٍ بها. كانت "لينا" تبحث عن نفس الشيء.

"أدهم،" قالت بتأثر، "أنا أيضاً أؤمن بهذه القيم. ولمسةُ هذه الأفكار منكِ تسعدني كثيراً."

"إذاً، اسمحي لي أن أطلب رسمياً، أن نخطو خطواتٍ جادةٍ في هذه العلاقة. أن نجعل هذا اللقاء، وهذا الحديث، بدايةً لمشوارٍ أطول. أن نتقدم لأسرتكِ، لأطلب يدكِ للحلال."

تجمدت "لينا" للحظة. لم تكن تتوقع هذه الجرأة، وهذا الوضوح. كانت هذه هي اللحظة التي تحلم بها أي فتاةٍ تبحث عن شريكٍ أصيل.

"أدهم،" قالت بصوتٍ مختنقٍ بالعاطفة، "أنا... أنا موافقة. ولكن يجب أن نتبع الإجراءات الصحيحة، وأن نأخذ موافقة أهلي."

"بالطبع. سأقوم بزيارة أسرتكِ في أقرب فرصة. أنا لا أريد أن أخسر هذه الفرصة النادرة."

كان الليل قد تجاوز منتصفه، لكن "لينا" لم تشعر بالتعب. كانت روحها ترفرف عالياً، كطائرٍ أطلق له جناحاه، يحلّق في سماءٍ صافية، محمّلاً بآمالٍ وأحلامٍ جديدة. تحت عباءة القدر، بدأت قصة حبهما الحلال تتفتح، قصةٌ تتسم بالاحترام، والصدق، والبحث عن الارتباط المقدس.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%