أنت قدري الجزء الثاني
همساتٌ في جنح الظلام
بقلم ليلى الأحمد
بعد الخطبة، بدأت حياة "لينا" و"أدهم" تتشابك بطرقٍ لم تكن تتوقعها. لم تكن العلاقة مجرد ارتباطٍ عاطفي، بل كانت بناءً متيناً يقوم على أسسٍ من التفاهم، والاحترام، والتطلع لمستقبلٍ مشترك. كان "أدهم" يحرص على تخصيص وقتٍ لـ "لينا" كل يوم، رغم مشاغله الكثيرة. يتحدثان عن تفاصيل يومهما، عن أحلامهما، وحتى عن مخاوفهما. كانت "لينا" تشعر بأنها وجدت في "أدهم" ليس فقط شريك حياتها، بل صديقها المقرب، ومرآتها التي ترى فيها أجمل جوانب ذاتها.
كان "أدهم" رجلٌ يتمتع بقدرٍ عالٍ من المسؤولية. كان يشعر بأنه مسؤولٌ عن سعادة "لينا"، وعن بناء مستقبلٍ آمنٍ ومستقرٍ لها. لذلك، كان يبذل قصارى جهده ليضمن لها كل ما تحتاج. لكن هذه الرغبة الشديدة في حمايتها، وفي جعل كل شيءٍ مثالياً، قد بدأت تتسلل ببعض القلق إلى قلب "لينا".
في إحدى الليالي، بينما كانت "لينا" تتحدث مع "أدهم" عبر الهاتف، لاحظت تغيراً في نبرته. كان يبدو متعباً، ومشتتاً.
"أدهم، هل كل شيءٍ على ما يرام؟" سألت بقلق.
"نعم، عزيزتي. لا تقلقي. أنا بخير."
"لكنك تبدو متعباً. هل لديك الكثير من العمل؟"
"لدي بعض الأمور التي تحتاج إلى متابعة. لا تقلقي، سأتدبر الأمر."
"ولكن، أدهم، هل تضغط على نفسك كثيراً؟ أنا قلقةٌ عليك."
"لا تقلقي، يا حبيبتي. أنتِ دافعي. وبوجودكِ، أشعر بأنني قادرٌ على تخطي أي صعوبة."
على الرغم من كلماته المطمئنة، شعرت "لينا" بأن هناك شيئاً يخفيه "أدهم". لم يكن الأمر واضحاً تماماً، لكنها شعرت به. كانت لديها حدسٌ قوي، وغالباً ما يكون صحيحاً.
بعد بضعة أيام، استدعى "أدهم" "لينا" إلى مكتبه. كان المكتب يقع في أحد الأبراج الحديثة، ويطل على منظرٍ خلابٍ للمدينة. عندما دخلت "لينا"، رأت "أدهم" جالساً خلف مكتبه، ويبدو عليه الإرهاق الشديد.
"لينا، اجلسي. لدي ما أريد أن أخبركِ به."
شعرت "لينا" ببرودةٍ تسري في عروقها. كان صوت "أدهم" يحمل نبرةً لم تسمعها من قبل، نبرةً تحمل ثقلاً هائلاً.
"ماذا هناك يا أدهم؟"
"لدي بعض المشاكل في العمل، يا لينا. بعض الديون المتراكمة التي لم أكن أتوقعها. كانت هناك بعض الاستثمارات التي لم تنجح كما خططت لها."
اتسعت عينا "لينا" بصدمة. لم تكن تتوقع هذا أبداً. "أدهم، هل أنت جاد؟"
"نعم، يا لينا. لقد حاولتُ أن أتدبر الأمر بنفسي، دون أن أقلقكِ. لكنني الآن أشعر بأنني بحاجةٍ إلى مشاركتكِ، وإلى دعمكِ."
"ولكن، أدهم، هذه أمورٌ كبيرة. كيف حدث كل هذا؟"
"كانت هناك صفقةٌ كبيرةٌ كنتُ أراهن عليها، ولم تسر الأمور كما خططت. الآن، أنا في وضعٍ ماليٍّ صعب."
شعرت "لينا" بموجةٍ من المشاعر المتضاربة. قلقٌ على "أدهم"، وحزنٌ لأنه لم يشاركها الأمر مبكراً، وخوفٌ من المستقبل.
"أدهم، لماذا لم تخبرني من قبل؟"
"كنتُ أخجل، يا لينا. كنتُ أريد أن أبدو أمامكِ قوياً، قادراً على حمايتكِ وتوفير كل شيءٍ لكِ. لم أرد أن أثقل عليكِ بمشاكلي."
"ولكنكِ أصبحتِ خطيبتي، يا أدهم. زوجتكِ المستقبلية. نحن شريكان. يجب أن تشاركني كل شيء، جيداً كان أم سيئاً."
"أعلم ذلك الآن، يا لينا. وأنا أعتذر. لقد تعلمتُ درساً قاسياً."
"الأهم الآن هو كيف سنتجاوز هذه المشكلة."
"لقد بدأتُ بالفعل في إيجاد حلول. لدي بعض الأصول التي يمكنني بيعها. وأيضاً، يمكنني الحصول على قرضٍ من البنك. لكن الأمر سيستغرق بعض الوقت."
"وهل يكفي ذلك؟"
"آمل ذلك. والأهم، أنني أريد دعمكِ. أريد أن أشعر بأنكِ بجانبي."
"أدهم، أنت تعرف أنني بجانبك. دائماً. ولكن، هل أنت متأكدٌ أن هذا هو كل شيء؟ هل هناك أمورٌ أخرى؟"
نظر "أدهم" إلى "لينا"، وبدا عليه ترددٌ شديد. "هناك شيءٌ آخر."
"ما هو؟"
"كانت هناك صفقةٌ سابقة، قبل أن نلتقي، كانت لها تبعاتٌ لم أتوقعها. كان فيها بعض الشركاء الذين لم يكونوا على قدرٍ من الأمانة. لقد اضطررتُ الآن إلى تسوية بعض الأمور معهم، وقد كلفتني الكثير."
شعرت "لينا" بصدمةٍ أكبر. "أدهم، هل كنتَ في صفقةٍ مشبوهة؟"
"لا، لم تكن مشبوهة. لكنها كانت معقدة، وكان هناك بعض الأشخاص الذين لم أحسن تقديرهم."
"ولماذا لم تخبرني عن هذه الصفقة سابقاً؟"
"لأنني كنتُ أظن أنها انتهت. لكنها عادت لتطاردني الآن."
كانت "لينا" تشعر بأن قلبها ينقبض. كانت ترى "أدهم" الذي أحبته، الرجل القوي، صاحب المبادئ، يواجه مشاكله بصدق، لكن هذه المشاكل كانت أكبر وأكثر تعقيداً مما تصورته.
"أدهم، أنا أحبك. وأنا معك. ولكن، هل يمكنك أن تطمئني؟ هل أنت متأكدٌ أن هذه الأمور لن تؤثر على علاقتنا؟ على زواجنا؟"
"لينا، أعدكِ. هذا هو أصعب وقتٍ في حياتي، وأنا لا أريد أن أخسركِ. أنتِ الأمل الذي يمنحني القوة. ولكن، يجب أن تكوني مستعدةً لهذه الفترة الصعبة."
"أنا مستعدة. ولكن، هل يجب أن نؤجل