أنت قدري الجزء الثاني
عاصفة في روح يوسف
بقلم ليلى الأحمد
كانت ليلةٌ باردةٌ أخرى تظلل مدينة دبي بوشاحها المخملي الأسود، تتلألأ فيها النجوم كجواهر نثرتها يد القدر على بساط السماء. داخل شقته الفاخرة المطلة على أضواء المدينة المتلألئة، جلس يوسف، غارقًا في بحر من التفكير. لم تعد تلك الأضواء البراقة تبعث فيه البهجة، بل أصبحت رمزًا لصحراء روحه العطشى، وصخبٍ زائفٍ يغطي على فراغٍ يتسع داخله يومًا بعد يوم.
منذ لقائه الأخير بسارة، ازدادت وطأة الشعور بالذنب تثقل كاهله. لم يكن مجرد لقاء عادي، بل كان أشبه بزوبعةٍ كشفت له عن جبالٍ من هشاشةٍ كان يتستر عليها. سارة، ببراءتها الممزوجة بذكاءٍ حاد، ورقتها التي كانت كالنسيم العليل، أصبحت كالمرآة التي تعكس له صورةً لم يكن يرغب في رؤيتها. صورة رجلٍ يبحث عن خلاصٍ وهمي، ويتوارى خلف أقنعةٍ زائفة.
كانت "مادته" - كما يسميها في سره - هي الملجأ الذي اعتاد عليه. تلك الكأس التي كانت تذيبه، وتبعده عن قسوة الواقع، وتمنحه شعورًا زائفًا بالقوة والسعادة. في البداية، كانت مجرد متعةٍ عابرة، ثم تحولت إلى عادة، والآن أصبحت سجنًا لا يرى له بابًا. في كل مرةٍ كان يضع تلك الكأس بين شفتيه، كانت أصواتٌ تتصارع في رأسه. صوتُ الضمير يصرخ مذنبًا، وصوتُ الرغبة يهمس متوسلًا.
لكن الليلة، كان الصراع أشد. ذكراه عن سارة وهي تبتسم له، عن عينيها اللتين تحملان صدقًا نادرًا، عن حديثها عن أحلامها البسيطة الجميلة، كل هذا كان كالنار التي تحرق بقايا عذره الواهي. شعر بأن هذه المادة بدأت تلتهم روحه، تذيب نقاءه، وتحوّله إلى شبحٍ يتجول في متاهةٍ لا نهاية لها.
فتح هاتفه، وأصابعه ترتعش قليلًا، تصفح صوره. صورٌ قليلةٌ جدًا تجمع بينه وبين أهله، صورٌ لوالدته المريضة، لوالده الذي كان يراه دائمًا بطلاً، لوجدته التي كانت تحكي له قصص الأجداد. كان دائمًا يقول لنفسه أنه يفعل كل هذا من أجلهم، ليوفر لهم حياةً كريمة، ليحقق أحلامهم التي لم تتحقق. لكنه أدرك الآن أن هذا مجرد عذرٍ سخيف. إنه يفعل كل هذا لنفسه، ليداري ضعفه، ليتجنب مواجهة الحقيقة.
تذكر كلمات جدته الأخيرة قبل أن تسلم الروح: "يا بني، القوة الحقيقية ليست في أن تخفي جراحك، بل في أن تواجهها وتتعالج منها. وأن الصدق مع النفس هو مفتاح كل خير." كانت كلماتها ترن في أذنيه كصدىً قادمٍ من بعيد.
نهض من مكانه، وبخطواتٍ ثقيلةٍ نحو المطبخ. لم يكن يريد تلك الكأس الليلة. كان يريد شيئًا آخر. شيئًا يغسل روحه، لا أن يغرقها. فتح الثلاجة، بحث عن الماء. عندما وجد زجاجةً باردة، أمسك بها، ثم عاد وجلس على الأريكة.
بدأ يشرب الماء ببطء، وكل قطرةٍ كانت تشعره بتجددٍ خافت. ثم أمسك بهاتفه مرةً أخرى، وبدأ يكتب رسالةً إلى سارة. كانت الكلمات تتدفق بصعوبة، مترددة، ثم يعود ويمحوها. كيف يمكن أن يشرح لها، وهي التي تراه بمنظورٍ مختلف تمامًا؟ كيف يمكن أن يكشف لها عن ظلامه، وهي التي تجسيدٌ للنور؟
"سارة،" بدأ. "أنا... أنا لست كما تظنين. هناك الكثير الذي لا تعرفينه عني. وأخشى أن... أن أكون قد خدعتك."
شعر برعشةٍ تسري في جسده. كان هذا هو الاعتراف الأول، وإن كان مبهمًا. لم يستطع المضي قدمًا. أغلق الهاتف، ورمى به على الأريكة.
شعر برغبةٍ جامحةٍ في التحدث إلى شخصٍ ما. شخصٍ يفهم. لكن من؟ هل كان لديه حقًا صديقٌ يمكنه أن يشاركه هذا الثقل؟ غالبًا ما كانت علاقاته مبنية على المصالح، على المظاهر. كانت حفلاته مليئةً بالوجوه المبتسمة، لكنها كانت وجوهًا فارغةً لا تحمل أي معنى حقيقي.
تنهد بعمق. أين ذهب ذلك الشاب الطموح الذي كان يحلم بفتح شركته الخاصة، بأن يبني مستقبله بيده؟ أين ذهب إيمانه بالله، ورجائه في رحمته؟
تذكر لقاءه الأخير بسارة في المقهى. ابتسامتها الخجولة عندما تحدث عن حبها للكتب، عن رغبتها في مساعدة الأيتام، عن حلمها بتأسيس دارٍ للأيتام. كان حديثها يملأ قلبه بشيءٍ جميل، بشيءٍ منسي. كان شعورًا بالأمل.
قاطع تفكيره صوتٌ قويٌ على باب شقته. فتح الباب ليفاجأ بوالده يقف أمامه، وجهه يعكس القلق والغضب. "يوسف! أين كنت؟ أمك تسأل عنك، وهي في أسوأ حالاتها." تجمد يوسف في مكانه. لم يكن يتذكر متى آخر مرةٍ زار فيها والدته في المستشفى. كان دائمًا لديه عذر. العمل، الاجتماعات، السفر.
"أنا... كنت مشغولًا يا أبي." "مشغولًا؟ مشغولًا بماذا؟ هل انشغلت عن أمك المريضة؟ هل انشغلت عن واجبك؟" ارتفع صوت الأب، وتجعد وجهه أكثر. "أخبرني بصراحة يا يوسف، ما الذي تفعله بحياتك؟ أرى التغيير فيك. أرى الظلال التي تحيط بك. قل لي، هل وقعت في فخٍ ما؟"
نظر يوسف إلى والده، وشعر بحرقةٍ في عينيه. كان يعرف أن والده يرى ما لا يراه الآخرون. كان يعلم أن والده يشعر بالخطر الذي يحدق به.
"لا تقلق يا أبي." تمتم بصوتٍ مرتجف. "أنا بخير." "بخير؟ هل أنت متأكد؟" نظر إليه الأب بعمق، كأنه يحاول اختراق روحه. "متى آخر مرةٍ قرأت فيها القرآن؟ متى آخر مرةٍ استغفرت فيها ربك؟ ألا ترى أن كل هذه النعم التي منحك إياها الله تتحول إلى نقمٍ بسبب إعراضك؟"
كلمات الأب كانت كالسهام التي تخترق قلبه. شعر بالضيق. لم يكن مستعدًا لهذه المواجهة. "أنا... أنا متعب يا أبي. أريد أن أرتاح." "الراحة الحقيقية يا بني لا تأتي من هذا العالم. إنها تأتي من القرب من الله، ومن الرضا بقضائه. اذهب الآن، زر أمك. انظر إلى وجهها، وانظر إلى نفسك في مرآة عطفها."
ترك الأب الباب مفتوحًا، وغادر. بقي يوسف واقفًا، يشعر بثقلٍ أكبر. لقد كشفت هذه الليلة عن الكثير من جوانبه المظلمة، وعن ضعفه الذي كان يتظاهر بالقوة. لكن وسط هذا الظلام، كان هناك بصيصٌ من نورٍ قد بدأ يتسلل. كان بصيص سارة، وبصيص كلمات والده. هل سيكون كافيين ليخرجه من هذا السجن؟