أنت قدري الجزء الثاني

همسات الماضي وحلم المستقبل

بقلم ليلى الأحمد

بعد رحيل والده، ظل يوسف واقفًا في الشرفة، يتأمل أضواء المدينة التي كانت تبدو له الآن أشد بهتانًا. لم تكن مجرد أضواء، بل كانت شهودًا صامتين على معركته الداخلية. كانت تلك الكأس، التي اعتاد عليها كرفيقٍ دائم، تبدو له الآن كأفعى سامةٍ تلتف حول عنقه.

لقد كشفت مواجهة والده حقيقةً مرعبة: أنه كان يهرب من واقعه، لا أن يواجهه. كان يمارس نوعًا من الانتحار البطيء، مستخدمًا مواد تنهش روحه وجسده. كان يفكر في سارة، في براءتها، في أملها. كيف يمكن لرجلٍ مثله، غارقٍ في بحرٍ من الضعف، أن يتجرأ على الاقتراب من ملاكٍ كهذه؟

كانت كلمات جدته تدور في رأسه: "الصدق مع النفس هو مفتاح كل خير." لقد أدرك يوسف أنه لم يكن صادقًا مع نفسه منذ زمنٍ طويل. كان يكذب على نفسه، ويكذب على الآخرين، ويخلق لنفسه عالمًا وهميًا يختبئ فيه.

ثم تذكر كلمات سارة، حديثها عن أحلامها. كانت تمتلك رؤيةً واضحةً للمستقبل، رؤيةً مبنيةً على العطاء والمحبة. في المقابل، كانت رؤيته مشوشةً، ضبابيةً، مجرد بحثٍ عن إشباعٍ آني.

شعر برغبةٍ ملحةٍ في رؤيتها. لم يكن يعرف كيف سيتصرف، أو ماذا سيقول، لكنه كان يعلم أنه لا يستطيع الاستمرار هكذا. أغلق هاتفه، وارتدى ملابسه بسرعة. قرر الذهاب إلى المقهى الذي اعتادت الجلوس فيه.

في الطريق، كان عقله يعصف بالأفكار. هل سيقبلها؟ هل ستصدقه؟ هل سيتمكن من تغيير نفسه حقًا؟ كانت الشكوك تنهش فيه، لكن شيئًا ما بداخله كان يدعوه للمضي قدمًا. ربما كانت تلك هي الشرارة الأخيرة للأمل، تلك التي تشتعل في أحلك الظروف.

عندما وصل إلى المقهى، وجدها جالسةً في زاويتها المعتادة، تقرأ كتابًا. كانت تبدو هادئةً، متأملةً. لم يكن لديه أي فكرةٍ كيف يبدأ. تردد قليلًا، ثم قرر الاقتراب.

"مساء الخير يا سارة." رفعت رأسها، وابتسامةٌ خفيفةٌ ارتسمت على وجهها. "مساء النور يا يوسف. تفضل بالجلوس." جلس أمامها، وشعر بالرهبة. بدأ يتحدث، مترددًا في البداية، ثم بدأ يجد كلماته.

"سارة، أنا... أريد أن أعتذر. عن كل شيء. عن كلماتي الأخيرة، عن سلوكي. لقد كنت... لم أكن على ما يرام." نظرت إليه بعينيها اللامعتين. "لا بأس يا يوسف. كلنا نمر بأوقاتٍ صعبة." "لكنني لم أكن صريحًا معك. ولم أكن صريحًا مع نفسي. هناك أمورٌ في حياتي... أحاول الهروب منها." صمتت سارة قليلًا، ثم قالت بهدوء: "الهروب لا يحل المشاكل يا يوسف. إنه يؤجلها فقط. والمشاكل المؤجلة غالبًا ما تكبر."

كلماتها البسيطة كانت عميقةً في معناها. شعرت يوسف أنها تفهمه أكثر مما يتخيل. "أنا أعرف. ولكن... الأمر ليس بالسهولة التي تتخيلينها. هناك... أشياءٌ أصبحت عادةً. أشياءٌ تلتف حولي." "هل تتحدث عن إدمان؟" سألت بهدوء، دون أي حكم. شعر يوسف بأن جدارًا كان يحميه بدأ ينهار. هز رأسه بصمت.

"أنا... نعم. أظن ذلك." "وهل قررت أن تتخلص منه؟" "أريد ذلك. لكنني لا أعرف كيف." ابتسمت سارة ابتسامةً دافئة. "البداية هي الاعتراف. وهذا ما فعلته الآن. الخطوة التالية هي طلب المساعدة. هناك من يمكنه مساعدتك."

"هل تعتقدين أنني أستحق المساعدة؟" سأل، وصوته يكاد يختنق. "كل إنسانٍ يستحق فرصةً ثانيةً، فرصةً للتغيير. المهم هو الإرادة. إرادة التغيير." "لكنني... أخاف." "الخوف طبيعي. لكنه لا يجب أن يمنعك من المحاولة. تذكر، إن مع العسر يسرًا."

تبادلوا النظرات. في عيني سارة، رأى يوسف ليس مجرد لطفٍ، بل كان هناك إيمانٌ بقدرته على التغيير. كان إيمانًا لم يشعر به من قبل. "سارة، لو... لو أردت أن أبدأ، فكيف؟" "أولاً، قل لوالدتك. قل لها كل شيء. ضعف الأم كبيرٌ جدًا، وقد يكون دعاؤها لك هو مفتاح خلاصك. ثم، ابحث عن طبيبٍ متخصص، أو عن مجموعة دعم. هناك أناسٌ مروا بما تمر به، ويمكنهم أن يرشدك."

أخذ يوسف نفسًا عميقًا. كان الأمر يبدو مرهقًا، لكنه في نفس الوقت، كان يشعر بشيءٍ من الراحة. لم يعد وحيدًا في هذا الصراع. "شكرًا لك يا سارة. أنتِ... أنتِ حقًا نورٌ في طريقي." "أنا مجرد صديقة. أما النور الحقيقي، فهو في داخلك، ينتظر أن تستيقظه."

قبل أن يغادر، سألها: "ماذا كنت تقرئين؟" "روايةٌ قديمة عن رجلٍ ضل طريقه، ثم وجد طريقه مرةً أخرى بعد توبةٍ صادقة." ابتسم يوسف. "يبدو أننا نتشارك نفس الاهتمامات."

بعد عودته إلى شقته، لم يشعر بالرغبة في "مادته" كالمعتاد. كان يشعر بإرهاقٍ لكنه إرهاقٌ صحي، إرهاقٌ ناتجٌ عن معركةٍ شريفة. أمسك هاتفه، وبدأ يكتب رسالةً إلى والدته. كانت الكلمات تتدفق بسهولةٍ هذه المرة، مليئةً بالندم والرجاء.

"أمي الغالية، أرجو أن تسامحيني. لقد أثقلت عليكِ، وأثقلت على قلبي. أريد أن أخبركِ بشيءٍ مهم، وأرجو أن تدعي لي." عندما أرسلها، شعر براحةٍ غريبة. كانت أول خطوةٍ حقيقيةٍ نحو العودة.

ثم بدأ يبحث على الإنترنت عن مساعداتٍ للإدمان. كانت المعلومات كثيرة، ومخيفة، لكنها كانت أيضًا مليئةً بالوعود. قرر أن يبدأ بالاتصال بأحد المراكز.

وفي غمرة هذه القرارات، لم يستطع إخفاء ابتسامةٍ خفيفة. لقد فتحت سارة بابًا كان مغلقًا، بابًا لم يكن يعلم بوجوده. وكان هذا الباب يؤدي إلى شروقٍ جديد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%