أنت قدري الجزء الثاني
كشف الأوراق والاعتراف بالضعف
بقلم ليلى الأحمد
في صباح اليوم التالي، استيقظ يوسف على صوت المنبه، لكنه لم يشعر بالضيق المعتاد. كانت الشمس تتسلل من بين الستائر، لتلقي أشعتها الذهبية على وجهه. لأول مرةٍ منذ فترةٍ طويلة، شعر بأنه مستعدٌ لمواجهة يومه.
اتصل بالمركز الذي وجده على الإنترنت، وتحدث مع أحدهم. لم يكن الأمر سهلاً، فقد كان عليه أن يعترف بضعفه، ويصف طبيعة إدمانه. لكن المتحدث كان متفهمًا، وصبورًا. حددوا موعدًا للقاء في الأسبوع القادم. شعر يوسف بخليطٍ من الخوف والأمل. هذه كانت خطوةٌ كبيرة، وإن كانت شاقة.
ثم، قرر أن يزور والدته في المستشفى. جهز نفسه، وخرج. في الطريق، كان عقله يعج بالكلمات التي سيقولها. كيف سيشرح لوالدته، وهي التي طالما رأته رمزًا للقوة، أنه ضعيفٌ ومنهار؟
عندما وصل إلى غرفتها، وجدها مستيقظة، ترتدي قميص المستشفى الأبيض، وتبدو شاحبةً لكن عينيها كانتا لا تزالان تحملان بريقًا. تقدم منها، وقبل يدها. "كيف حالك يا أمي؟" "الحمد لله يا بني. أنت كيف حالك؟ لم أرك منذ فترة."
كانت كلماتها سهلة، لكنها كانت تحمل طعنةً قاسية. شعر يوسف بحرقةٍ في عينيه. "أنا... أنا آسف يا أمي. لقد كنت بعيدًا. مشغولًا." "لا بأس يا حبيبي. أعرف أن لديك مسؤولياتك."
لم يستطع يوسف أن يحتمل هذا اللطف الزائف. بدأ يتحدث، ودموعه تتساقط. "لا يا أمي، لست مشغولًا. لقد كنت... كنت ضعيفًا. ضائعًا. لقد وقعت في فخٍ كبير، ولم أستطع الخروج منه." انفتح باب الاعتراف، وبدأت الكلمات تتدفق. تحدث عن إدمانه، عن شعوره بالفراغ، عن هروبه من الواقع. تحدث عن خيبته في نفسه، وعن الخوف الذي كان يسيطر عليه.
جلست والدته بجانبه، وأمسكت بيده. كانت عيناها تدمعان. "يا بني، لماذا لم تخبرني؟ لماذا تحملت كل هذا وحدك؟" "كنت أخجل يا أمي. كنت أخاف أن أخذلك." "أنت لن تخجلني أبدًا يا حبيبي. أنت ابني، وابني الذي أحب. ضعفك لا يقلل من قيمتك، بل يجعلك إنسانًا. أما القوة، فهي في أن تواجه ضعفك وتسعى للتغيير."
لم تكن كلماتها مجرد كلماتٍ عابرة، بل كانت بلسمًا لروحه. شعر بأن عبئًا ثقيلًا قد انزاح عن كاهله. "أنا... أنا بدأت أطلب المساعدة يا أمي. تحدثت مع شخصٍ في مركزٍ متخصص." ابتسمت والدته ابتسامةً مشرقة. "هذا رائع يا بني! الحمد لله. سأدعو لك دائمًا. ودعائي لك هو سلاحك الأقوى."
قضى يوسف بقية اليوم مع والدته، يتحدث، ويستمع. كان يشعر براحةٍ لم يعرفها من قبل. لأول مرة، شعر بأنه قد عاد إلى حضن أمه الحقيقي، ليس كابنٍ ناجح، بل كابنٍ محتاج، وابنٍ يتوب.
عندما عاد إلى شقته، لم يشعر بالفراغ الذي اعتاد عليه. كان هناك مكانٌ لذلك الفراغ، مكانٌ لشيءٍ جديد. نظر إلى الهاتف، وشعر برغبةٍ في الاتصال بسارة. أراد أن يشكرها، وأن يبلغها بما حدث.
"ألو سارة؟" "يوسف! تفضل." "أردت أن أخبركِ... لقد تحدثت مع والدتي. وقد... لقد ساعدتني كثيرًا. كما أنني اتصلت بمركزٍ للمساعدة." "هذا خبرٌ رائع يا يوسف! أنا سعيدةٌ جدًا لك."
"أردت أن أشكركِ. لو لم تكوني موجودة، ربما لم أكن لأجرؤ على اتخاذ هذه الخطوة." "أتذكر ما قلته لك؟ النور في داخلك. لقد استيقظ." "ولكنكِ كنتِ من أيقظته."
شعر برابطٍ أقوى يربطهما، رابطٌ مبنيٌ على الصدق، وعلى الثقة، وعلى الأمل. "سارة، هل... هل يمكن أن نلتقي مرةً أخرى؟ أريد أن... أن أشارككِ خطواتي القادمة." "بالتأكيد يا يوسف. غدًا، في نفس المقهى، في نفس الوقت؟" "نعم. شكرًا لكِ."
بعد المكالمة، نظر يوسف إلى نفسه في المرآة. لم يرَ الرجل الضعيف الذي كان يختبئ. رأى رجلاً يحمل ندوبًا، لكنه رجلٌ يحمل أيضًا إرادةً قويةً للتغيير. لقد كشف عن ضعفه، لكنه في الوقت نفسه، اكتشف قوةً جديدةً لم يكن يعلم بوجودها. قوة التوبة، وقوة الإيمان، وقوة الصداقة.
لكن في نفس الوقت، لم ينسَ التحدي الكبير الذي أمامه. كانت الرحلة طويلة وشاقة، ومليئةٌ بالعقبات. كان يعلم أنه سيواجه انتكاسات، وسيشعر بالضعف مرةً أخرى. لكنه كان يعلم أيضًا أنه لم يعد وحيدًا. لقد فتح أبوابًا، واستقبل أملًا، وبدأ خطواته الأولى نحو العودة إلى صوابه.