لقاء القدر الجزء الثالث
همسات الماضي ومستقبلٌ مُرتقب
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمات الربيع المتسللة من نوافذ قصر آل الراشد تداعب ستائر الحرير الثقيلة، حاملةً معها عبق الياسمين المنتشر من الحدائق الغنّاء. لكنّ هدوء المكان لم ينعكس على روح ليلى، الشابة ذات العشرين ربيعاً، التي كانت تجلس وحيدة في غرفتها، تتأمل صورة قديمة جمعتها بوالدتها الراحلة. عيناها الداكنتان، اللتان اعتادتا البهجة، كانتا تفيضان بدموع صامتة، تخفي وراءها حزناً عميقاً وشوقاً لا يهدأ.
منذ خطبتها على المهندس الشاب طارق، شعرت ليلى بضبابٍ كثيف يلفّ مستقبلها. كان طارق رجلاً صالحاً، حسن الخلق، وطيب المعشر، ولطالما أبدت أسرتها إعجابها به، وكانت والدتها في حياتها قد رأت فيه الزوج المثالي لابنتها. لكنّ قلب ليلى كان يرفض أن يستقر، وكأنّ هناك شيئاً ما يعتريها، شعورٌ غامضٌ بالتردد، يخالف كل المنطق وكل ما يُتوقّع منها.
كانت تخشى أن يكون هذا الشعور مجرد خوفٍ طبيعي من التغيير، فالزواج خطوةٌ عظيمة، وتغييرٌ جذري في حياة أي فتاة. لكنّها كانت تشعر بأنّ الأمر أعمق من ذلك. تذكرت كيف تسرّعت والدتها في التحدث عن ترتيبات الزواج، وكيف كانت تلحّ عليها في قبول الأمر بسرعة، وكأنّها تخشى ضياع فرصةٍ لا تعوض. هذا الإلحاح، الذي كان يومها يبدو مدفوعاً بالحب والرغبة في سعادة ابنتها، بدأ الآن يبدو لها محلّ شك، يثير في نفسها تساؤلاتٍ لم تجرؤ على طرحها.
في تلك الأثناء، كان الأب، الشيخ إبراهيم، جالساً في مكتبته الفسيحة، يقلب صفحات كتابٍ قديم. كان رجلاً ذا هيبة، يجمع بين العلم والتقوى، وقد حمل على عاتقه مسؤولية تربية ابنته ليلى بعد وفاة زوجته. كان يدرك مدى شوق ليلى لوالدتها، ومدى حزنها الذي ما زال يخيم على قلبها. قرر أن يزورها، عله يخفف عنها، ويقوي عزيمتها.
طرقت باب غرفتها بلطف. رفعت ليلى رأسها، ومسحت دموعها بسرعة، متظاهرةً بالهدوء. "أهلاً يا أبي." ابتسم الشيخ إبراهيم، واقترب منها، وجلس بجانبها على الأريكة. "ماذا بكِ يا ابنتي؟ أراكِ شاردة الذهن." ترددت ليلى للحظة، ثمّ قالت بصوتٍ خفيض: "لا شيء يا أبي، مجرد تفكيرٍ في المستقبل." "المستقبل؟" قال الشيخ إبراهيم بنبرةٍ حانية. "المستقبل يا ليلى بيد الله، وعلينا أن نأخذ بالأسباب، وأن نتّكل عليه." "أعلم يا أبي. ولكن... هل أنت متأكدٌ تماماً من طارق؟" توقف الشيخ إبراهيم للحظة، ينظر إلى ابنته بعينين تحملان كل الحب والاهتمام. "طارق شابٌ طيب، وهو مناسبٌ لكِ يا ليلى. هل لديكِ سببٌ معينٌ يدفعكِ إلى التساؤل؟" نظرت ليلى إلى يديها المتشابكتين، وقالت بصوتٍ بالكاد يُسمع: "أتذكرين كيف كانت أمي حريصةً جداً على هذا الزواج؟ كأنّها كانت تخاف أن تضيع مني." تنهد الشيخ إبراهيم. "أمكِ كانت تحبّكِ حباً جماً، وكانت ترى في طارق الأمان والسعادة لكِ. ولا أظنّ أن في الأمر إلا الخير." "ولكن يا أبي، أحياناً أشعر كأنّ هناك شيئاً لم تُخبرني به أمي. كأنّ هناك جزءاً من القصة مفقود." نظر الشيخ إبراهيم إلى السماء، وكأنّه يبحث فيها عن إجابة. "ليلى، والدتكِ كانت تحمل أسراراً كثيرة، كما يحمل كل إنسان. لكنّها كانت حريصةً دائماً على أن تسير حياتكِ على أفضل حال." "ولكن يا أبي، كيف أستطيع أن أبدأ حياةً جديدة، وأنا أشعر بهذا التردد؟ كيف يمكنني أن أمنح طارق قلباً كاملاً، وقلبي لم يشفَ تماماً بعد؟" كانت ليلى تشير بكلماتها هذه إلى جرحٍ قديم، ما زال ينزف في أعماق روحها. كانت تتحدث عن علاقةٍ سابقة، عن حبٍّ أول، انتهى بشكلٍ مأساوي، تاركاً وراءه ندوباً عميقة. كانت تخشى أن يؤثر هذا الحزن القديم على علاقتها الجديدة، وأن يمنعها من أن تكون الزوجة التي يستحقها طارق.
في هذه الأثناء، كانت سارة، صديقة ليلى المقربة، تشعر بقلقٍ متزايد على صديقتها. كانت ترى التغيير الواضح في سلوكها، والإنطواء الذي أصبح يخيّم عليها. سارة، وهي فتاةٌ عمليةٌ وواقعية، كانت ترى أن ليلى تبالغ في ردود أفعالها. "ليلى، يا عزيزتي، أنا أفهم مشاعركِ، لكنّ طارق ليس ذنبَه ما حدث لكِ في الماضي. يجب أن تعطيه فرصة، وأن تمنحيه قلباً نظيفاً." "لكنّي لا أستطيع يا سارة. أشعر وكأنّي أخدعه. كيف يمكنني أن أبني مستقبلي على أساسٍ كهذا؟" "تبنين مستقبلكِ يا ليلى، بالزواج الشرعي، وبالتراحم بين الزوجين. والحبّ ينمو مع الوقت، ومع العشرة الطيبة." "ولكنّ طارق يستحقّ أكثر من ذلك. يستحقّ فتاةً تسلمه قلبها كاملاً، لا فتاةً تحمل ظلال الماضي." "ظلال الماضي يا ليلى، يجب أن تواجهيها، لا أن تهربي منها. ربما هذا الزواج هو الفرصة التي تحتاجينها لكي تتجاوزي ما حدث." كانت كلمات سارة تحمل قدراً من الحقيقة، لكنّها لم تكن كافية لتهدئة عاصفة المشاعر داخل ليلى. شعرت بأنّها عالقةٌ بين ما تراه صحيحاً، وبين ما تشعر به، وبين ما يتوقعه منها المجتمع والأقربون.
في قصر آل الراشد، كان طارق، بعلمه المحدود بما يدور في خلد ليلى، يواصل استعداداته للزواج. كان رجلاً لا يحبّ التسرّع، ولكنه كان يتحلى ببعض الحماس لرؤية ابتسامة ليلى، ولخلق حياةٍ سعيدة معها. كان يقضي وقته في العمل، وفي زياراتٍ قصيرة لمنزل آل الراشد، يتحدث مع الشيخ إبراهيم، ويحاول أن يجد فرصةً للحديث مع ليلى، ولكنه غالباً ما كان يقابل بالبرود، أو بالكلمات المقتضبة. "تبدو ليلى شاردة الذهن هذه الأيام." قال طارق للشيخ إبراهيم في إحدى زياراته. "إنها تفكر في المستقبل، وهذا طبيعي." أجاب الشيخ إبراهيم، محاولاً إخفاء قلقه. كان طارق يشعر بأنّ هناك شيئاً ما، ولكنه كان يثق بكلمات الشيخ إبراهيم، وبأخلاق ليلى، وكان يعتقد بأنّ هذه مجرد رهبة ما قبل الزواج. "أتمنى أن أراها سعيدة يا عمي." قال طارق بتلقائية. "وبإذن الله سترينها كذلك." قال الشيخ إبراهيم، متمنياً أن تكون الأمور كما يشتهي. في نهاية الفصل، جلست ليلى مرة أخرى في غرفتها، تنظر إلى صورة والدتها. أمسكت بها، وهمست: "أمي، هل لي أن أطلب منكِ شيئاً؟ أريد أن أفهم. أريد أن أعرف لماذا كنتِ بهذه العجلة. هل هناك ما تخافين منه؟ أم أن هناك ما ترغبين به؟" لم تجد ليلى إجابة، سوى صدى صوتها في الغرفة الهادئة، وصورة والدتها الصامتة، تحمل في طياتها سرّاً ما زال ينتظر الكشف. شعرت ليلى بأنّها تقف على أعتاب مرحلةٍ جديدة، مرحلةٌ قد تحمل لها السعادة، وقد تكشف لها عن أسرارٍ مؤلمة.