لقاء القدر الجزء الثالث

لقاءٌ غير متوقع وأسرارٌ تتكشف

بقلم فاطمة النجار

مرّت الأيام محمّلةً بالترقب والقلق بالنسبة لليلى. كانت تشعر بأنّ كلّما اقترب موعد الزفاف، زاد الضغط عليها، وزادت حيرتها. كانت تراقب والديها، تراقب ردود أفعالهما، وتحاول أن تجد في نظراتهما أو كلماتهما ما يفكّ لغز هذا الشعور بالريبة الذي لا يفارقها.

في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تتجوّل في السوق القديم، تلتقي بأحد معارف والدتها القدامى، السيدة فاطمة، وهي امرأةٌ عرفت والديها جيداً في أيام شبابها. كانت السيدة فاطمة امرأةً طيبة، واسعة العينين، ذات ابتسامةٍ دافئة، وكانت تحبّ ليلى كثيراً. "ليلى يا حبيبتي! ما هذا الجمال كله؟" قالت السيدة فاطمة، عناقاً حاراً. "أهلاً بكِ يا خالتي فاطمة. كيف حالك؟" "الحمد لله، بخير. ولكنّكِ تبدين شاردة الذهن يا ابنتي. هل كلّ شيء على ما يرام؟" جلست ليلى مع السيدة فاطمة في مقهى صغير، تفوح منه رائحة القهوة العربية والهيل. شعرت ليلى بأنّها تجد في السيدة فاطمة ملاذاً، شخصاً يمكنها أن تتحدث إليه بصراحة. "في الحقيقة يا خالتي، أنا أشعر ببعض القلق بشأن زواجي." "زواجكِ؟ ولكنّ طارق شابٌّ ممتاز، وقد سمعتُ عنه كلّ خير. والشيخ إبراهيم وفّقكِ في اختياره." "أعلم يا خالتي. ولكنّي أشعر بأنّ هناك شيئاً ما. أشعر بأنّ أمي كانت تعلم شيئاً ولم تخبرني به." توقفت السيدة فاطمة للحظة، وكأنّها تفكر في كلمات ليلى. "والدتكِ يا ليلى، كانت امرأةً قوية، وتحبّكِ أكثر من روحها. ولكنّها كانت تحمل همومها بصدرٍ رحب." "ولكنّها كانت مصرّةً على هذا الزواج. وكأنّها كانت تخشى شيئاً." نظرت السيدة فاطمة إلى عيني ليلى، وقالت بحذر: "ليلى، هل تذكرين عائلة السيد محمود؟" ارتعشت ليلى قليلاً. اسم محمود كان يحمل ذكرياتٍ أليمة. كان هو حبّها الأول، والذي تفرّق شملهما بشكلٍ مفاجئ. "نعم يا خالتي. أتذكرهم." "لقد كان هناك بعض الخلافات بين والدتكِ وبين السيدة هدى، زوجة السيد محمود، في السابق. خلافاتٌ بسيطة، ولكنّها تركت آثاراً." "خلافات؟" تساءلت ليلى بتعجب. "أمي لم تتحدث أبداً عن خلافات مع أيّ شخص." "بعض الأمور تظلّ حبيسة الصدور يا ابنتي. والدتكِ، رحمها الله، كانت تحرص على سمعة عائلتها، وعلى صورتها أمام المجتمع. ربما كانت تلك الخلافات تتعلق بموضوعٍ ما، ولم ترغب في إثارة الأمر." "وما علاقة هذا بزواجي؟" "أعتقد يا ليلى، أنّ والدتكِ كانت تخشى أن يعود الماضي ليطاردكِ. كان السيد محمود لديه ابنٌ، اسمه..." ترددت السيدة فاطمة للحظة. "اسمه... أيمن." تجمّدت ليلى. أيمن. ذلك الاسم الذي لم تعد تسمعه منذ سنوات. أيمن، صديق طفولة محمود، والذي كان يزورهم أحياناً. "أيمن؟" همست ليلى. "نعم. وهناك بعض الهمسات التي وصلتنا، بأنّ أيمن قد عاد إلى البلاد. وأنّه قد يبحث عن بعض الأمور التي تركها والده. ربما أرادت والدتكِ أن تضمن لكِ مستقبلاً آمناً، بعيداً عن أيّ تعقيدات." شعرت ليلى وكأنّ الأرض تدور بها. هل يمكن أن يكون السبب وراء إلحاح والدتها هو هذا؟ هل كانت تخشى أن يظهر أيمن، وأن يعود الماضي ليؤثر على حياتها؟ "ولكن... كيف يكون الأمر كذلك؟" قالت ليلى بصوتٍ مرتجف. "لم يكن هناك أيّ شيء بيني وبين أيمن." "أعلم يا ابنتي. ولكنّ والدتكِ كانت شديدة الحماية. وربما خشيت من تداخل الأمور، أو من سوء الفهم." خرجت ليلى من المقهى، وقلبها يدقّ بعنف. كانت كلمات السيدة فاطمة تثير في رأسها ألف سؤالٍ وسؤال. هل كانت والدتها تخشى أيمن؟ ولماذا؟ هل كان أيمن يعرف شيئاً عن علاقتها بوالده؟ عادت إلى المنزل، وعيناها تبحثان عن والده. وجدته في حديقة القصر، يتأمل الأزهار. "أبي، هل لي أن أسألك سؤالاً؟" "تفضلي يا ابنتي." "هل كانت أمي على خلافٍ مع عائلة السيد محمود؟" تغيرت ملامح الشيخ إبراهيم قليلاً. "خلاف؟ لا أظنّ ذلك. كانت والدتكِ كريمة، ولا تدخل في خصوماتٍ مع أحد." "ولكنّ السيدة فاطمة تقول إنّ هناك خلافاتٍ كانت." صمت الشيخ إبراهيم للحظة. "ربما كانت هناك بعض الخلافات البسيطة في السابق، بشأن أمورٍ تتعلق بالعمل أو بالتجارة، ولكنّها لم تكن شيئاً يذكر. والدتكِ لم تكن تحبّ المشاكل." "وهل تعلم يا أبي أن أيمن، ابن السيد محمود، قد عاد إلى البلاد؟" توسعت عينا الشيخ إبراهيم قليلاً. "أيمن؟ هل هذا صحيح؟" "هذا ما سمعته. وقد قالت السيدة فاطمة إنّ أمي ربما كانت تخشى عودته." نظر الشيخ إبراهيم إلى ليلى، وقال بصوتٍ عميق: "ليلى، والدتكِ كانت تخشى عليكِ من كلّ شيء. كانت تريد لكِ الأمان والسعادة. ولا أظنّ أنّ في الأمر أكثر مما تفكرين به." "ولكن يا أبي، إذا كان أيمن هنا، فقد يقابلني. وقد يتذكر محمود. وقد... قد يحدث شيء." "وما الذي يمكن أن يحدث يا ليلى؟ إنّكِ مخطوبةٌ لطارق، وهو رجلٌ صالح. وهو الذي ستكملين معه حياتكِ. يجب أن تركزي على مستقبلكِ." كان الشيخ إبراهيم يحاول أن يكون هادئاً، ولكنه كان يشعر بقلقٍ خفي. كان يعرف شيئاً عن ماضي محمود، وعن علاقته ببعض الأشخاص، ولكنّه لم يكن يدرك أن الأمر قد يصل إلى ليلى. في تلك الليلة، لم تستطع ليلى أن تنام. كانت صورة أيمن تتراءى أمامها. هل كان يتذكرها؟ وهل كان لدى والدتها سببٌ وجيهٌ لكي تخشاه؟ بينما كانت ليلى غارقةً في أفكارها، طرق باب غرفتها. كانت سارة. "ليلى، كنت قلقة عليكِ. لم أركِ منذ الصباح." "أهلاً سارة. كنتُ في السوق، وتحدثتُ مع السيدة فاطمة." "وماذا قالت؟" ترددت ليلى، ثمّ قصّت على سارة كلّ ما سمعته. "يا إلهي!" قالت سارة بعد أن استمعت. "هل تعتقدين أن هذا صحيح؟" "لا أدري يا سارة. ولكنّ كلامها جعلني أفكر كثيراً." "إذا كان الأمر كذلك، فإنّ والدتكِ كانت تحاول حمايتكِ. ولكنّ هذا لا يعني أن تتوقفي عن الزواج من طارق." "ولكنّي الآن لا أستطيع أن أرى طارق بنفس العين. أشعر بأنّني أخفيه شيئاً، وأنّ هناك جزءاً من القصة لم أخبره به." "وما هو الجزء الذي ستخبرينه به؟ قصّة وهمية؟" "لا. ولكنّ مشاعري. مشاعري تجاه الماضي. أنا لا أريد أن أدخل هذا الزواج وأنا أحمل أثقالاً." "أثقال الماضي يا ليلى، لا تزول بالهرب منها، بل بمواجهتها. ربما هذا هو الوقت المناسب لكي تواجهي أيمن، إذا كنتِ حقاً تخشينه." "مواجهته؟ وكيف؟" "لا أدري. ولكنّني أعتقد أنّكِ بحاجةٍ إلى بعض الوضوح. ربما عليكِ أن تحاولي أن تعرفي ما إذا كان أيمن هنا حقاً، وماذا يريد." شعرت ليلى ببرودة تسري في عروقها. فكرة مواجهة أيمن كانت مخيفة، ولكنّها كانت أيضاً تثير فضولها. هل يمكن أن يكون لقاءٌ مع أيمن هو المفتاح لحلّ لغز الماضي، ولطمأنينة قلبها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%