لقاء القدر الجزء الثالث

خطواتٌ مترددة نحو الوضوح

بقلم فاطمة النجار

استيقظت ليلى في اليوم التالي، وقلبها لا يزال يعتصرها القلق. كانت كلمات السيدة فاطمة تدور في رأسها، وكأنّها صدىً لحقيقةٍ كانت تتجاهلها. شعرت بأنّها تقف عند مفترق طرق، وأنّ عليها أن تتخذ قراراً حاسماً. هل تستمر في طريق الزواج من طارق، وهي تحمل عبء الشك وعدم اليقين؟ أم تخوض في بحرٍ من المجهول، بحثاً عن إجاباتٍ قد تكون مؤلمة؟

اتخذت ليلى قراراً صعباً. قررت أن تحاول التأكد من وجود أيمن في المدينة. لم يكن الأمر سهلاً، فالمدينة كانت كبيرة، وأخبار الناس لا تنتشر بالسرعة التي كانت تأملها. بدأت تسأل بشكلٍ غير مباشر، عن طريق أصدقائها القدامى، وعن طريق بعض المعارف المشتركين. كانت تتفادى طرح الأسئلة مباشرة، كي لا تثير الشبهات.

بعد عدة أيام من البحث، علمت ليلى من مصدرٍ موثوق، أنّ أيمن قد عاد بالفعل، وأنه يقيم في شقةٍ صغيرةٍ استأجرها في أحد أحياء المدينة الهادئة. شعرت ليلى بتيارٍ من الخوف والأمل يسري في عروقها. الخوف من اللقاء، والأمل في الحصول على بعض الإجابات.

قررت ليلى أن تلتقي به. ولكن كيف؟ لم تكن تريد أن تذهب إلى شقته مباشرة، فهذا قد يُفسّر بشكلٍ خاطئ. فكرت في استشارة السيدة فاطمة، ولكنّها خشيت أن تزيد الأمر تعقيداً. استقرت على فكرةٍ مفاجئة: أن تدعو طارق لزيارة منزل آل الراشد، وأن تستغلّ وجوده لتطلب منه مرافقته في لقاءٍ "عرضي" مع أيمن.

كان طارق سعيداً بدعوة ليلى. كان يشعر بأنّها بدأت تتقبله شيئاً فشيئاً. عندما أخبرته ليلى بفكرة اللقاء، تفاجأ في البداية، ولكنه وافق على الفور. "إذا كان هذا سيطمئنكِ يا ليلى، فأنا مستعدّ لفعل أيّ شيء." كانت كلماته مليئةً بالصدق والنبل.

في اليوم المحدد، ذهب طارق إلى منزل آل الراشد. بعد الغداء، وقبل أن يصل أيمن، تحدثت ليلى مع طارق. "طارق، أريد أن أخبرك بشيء. أمي، رحمها الله، كانت تخشى من عودة أيمن. ولا أعلم السبب بالضبط، ولكنّي أردت أن أتأكد بنفسي." نظر طارق إلى ليلى بعينين مليئتين بالحنان. "لا تقلقي يا ليلى. أنا معكِ. ولن نسمح لأحدٍ بأن يعكّر صفو حياتنا." بعد فترةٍ قصيرة، وصل أيمن. لم يكن قد تغيّر كثيراً. كان لا يزال يحمل نفس النظرة الحزينة في عينيه. رحّب به الشيخ إبراهيم بترحيبٍ حار، كعادته في كرم الضيافة. كانت ليلى تشعر بتوترٍ شديد. جلست في زاوية الغرفة، تراقب أيمن. كان حديثه مع الشيخ إبراهيم يدور حول العمل، وحول ذكريات الماضي. بدا أيمن رجلاً هادئاً، يحمل آثار التجربة. بعد فترة، استأذن أيمن بالمغادرة. وهنا، قالت ليلى بصوتٍ واضح: "سيدي أيمن، هل تسمح لي بكلمةٍ سريعة؟" التفت أيمن إليها، بدهشة. "تفضلي يا آنسة ليلى." "سمعتُ أنّك عدتَ إلى المدينة. وأردتُ أن أطمئن عليك. وأيضاً... أردتُ أن أتأكد من أمرٍ ما." "ما هو الأمر؟" "هل... هل تعلم عن أيّ خلافٍ كان بين والدتي ووالدك؟" بدا أيمن متفاجئاً. "خلاف؟ لا أظنّ. والدي لم يكن يتحدث عن خلافاتٍ كبيرة مع أحد. ربما كانت هناك بعض الأمور التجارية، ولكنّها لم تكن شيئاً ذا أهمية." "ولكن... أمي كانت قلقة بشأن عودتك." نظر أيمن إلى ليلى بجدية. "قلقة؟ ولماذا؟ هل أنا شخصٌ مخيف؟" "لا، بالطبع لا. ولكنّ... كان هناك شعورٌ بأنّك قد تجلب معك بعض الأمور المعقدة." تنهد أيمن. "آه، ربما تقصدين ميراث والدي. كنتُ أبحث عن بعض الأوراق الهامة التي تركها. لم أجدها حتى الآن." "أوراق؟" تساءلت ليلى. "نعم. أوراقٌ تتعلق بمشاريعي الخاصة، وببعض الأمور التي كنتُ أعمل عليها مع والدي. لقد اختفت بشكلٍ غامض." بدأ طارق يشعر بأنّ هناك شيئاً ما غريباً. تقدم خطوةً إلى الأمام، وقال: "سيدي أيمن، هل تتحدث عن أوراقٍ ذات قيمة؟" "بالتأكيد. إنّها تتعلق بمستقبلي." "وهل تذكر أين كانت هذه الأوراق؟" سأل طارق. "كانت في مكتب والدي. بحثتُ عنها في كلّ مكان، ولكنّني لم أجدها." شعر طارق بوميضٍ من الشك. كان يعلم أنّ والد ليلى، الشيخ إبراهيم، لديه مكتبةٌ واسعة، تضمّ العديد من الوثائق القديمة. "أشكرك سيدي أيمن على وقتك." قالت ليلى، تشعر بأنّ الأمور بدأت تتضح. غادر أيمن، تاركاً وراءه لغزاً جديداً. هل كان أيمن يبحث عن شيءٍ حقيقي؟ أم أنّ الأمر أكبر من ذلك؟ بعد مغادرة أيمن، جلست ليلى مع والدها. "أبي، ما رأيك؟ هل كان صادقاً؟" "لا أعلم يا ابنتي. ولكنّ كلامه عن الأوراق المختفية يثير التساؤل." "هل تعتقد يا أبي أن والدتي كانت تخشى أن يجد أيمن شيئاً هنا؟" نظر الشيخ إبراهيم إلى ليلى، وقال: "والدتكِ كانت تعرف الكثير يا ليلى. ربما كانت هناك أسرارٌ لم نكن نعلم بها." "ولكنّي الآن أشعر براحةٍ أكبر. على الأقل، عرفتُ سبباً محتملاً لقلق والدتي. وهو ليس خوفاً مني، بل خوفاً على سمعتي." "وهذا شيءٌ جيد." قال الشيخ إبراهيم. "ولكنّ الأمر لم ينتهِ بعد. ربما يجب أن نكون حذرين." شعرت ليلى بأنّها اتخذت خطوةً في الطريق الصحيح. لم تحلّ كلّ الألغاز، ولكنّها بدأت ترى بعض الخيوط. كان لقاء أيمن، على الرغم من مفاجأته، قد أزال بعض الغموض. ولكنّ شعوراً غامضاً بالخطر ما زال يراودها. هل كانت مجرّد أوراق؟ أم كان هناك شيءٌ أعمق؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%