لقاء القدر الجزء الثالث

رياح التغيير وهبوب الشكوك

بقلم فاطمة النجار

في صباح اليوم التالي، كان يوسف قد اتخذ قراره. لم يعد بإمكانه الانتظار. كان عليه أن يواجه الحقائق، مهما كانت مؤلمة. توجه إلى الشركة قبل الموعد المحدد، وكان في ذهنه هدف واحد: فهم ماضي والده المالي المعقد.

داخل مكتب والده القديم، أحاطت به رائحة الورق القديم والتاريخ. فتح الملف الذي وجده بالأمس مرة أخرى، وبدأ يقارن الوثائق، ويبحث عن أي ثغرة أو تناقض. كانت الديون القديمة تتعلق بشراكة مع رجل يدعى "كمال الدين"، وهو اسم لم يسمع به من قبل. اكتشف أن والده قد اقترض مبلغًا كبيرًا من كمال الدين، وأن المشروع الذي استثمر فيه المال قد فشل، تاركًا خلفه ديونًا ضخمة.

لكن ما أثار حفيظته هو أن بعض الاتفاقيات كانت موقعة بأسماء مستعارة، وأن بعض المبالغ كانت تبدو مبالغًا فيها بشكل غريب. كان هناك شعور قوي بأن شيئًا ما لم يكن على ما يرام.

بينما كان يوسف غارقاً في التحقيق، وصل خاله عبد الرحمن. بدا عليه الإرهاق والقلق. "صباح الخير يا يوسف. هل وجدت شيئًا؟" "صباح النور يا خال. أرى أن الأمور معقدة أكثر مما كنت أتوقع. هناك ديون قديمة تتعلق بشراكة لوالدي مع رجل يدعى كمال الدين. لكن هناك تفاصيل في هذه الاتفاقيات لا تبدو واضحة." تنهد عبد الرحمن. "كمال الدين؟ اسم غريب. لم أسمع به من قبل. والدك لم يكن يذكر اسمه كثيرًا. كان يقول إنه شريك قديم، وأن المشروع فشل، وانتهى الأمر." "لكن يا خال، هذه الاتفاقيات تبدو مشبوهة. يبدو أن هناك تلاعبًا في الأرقام، وأن هناك توقيعات بأسماء غير حقيقية." نظر عبد الرحمن إلى الأوراق بارتياب. "لا أدري يا يوسف. والدي كان رجلاً صالحًا، لكنه كان متهوراً في بعض الأحيان. ربما كان الأمر مجرد سوء تقدير." "سوء تقدير؟ أم هناك شيء آخر؟" قال يوسف وهو يشعر بأن الشك يتجذر في قلبه.

قرر يوسف أن يبدأ في البحث عن كمال الدين. اتصل ببعض الأصدقاء القدامى لوالده، وبعض رجال الأعمال الذين كانوا يعرفونه. بعد عدة محاولات، وصل إلى شخص كان يعرف والده جيدًا في الماضي. "أهلاً بك يا سيد يوسف. نعم، أتذكر والدك. كان رجلاً كريمًا. أما بالنسبة لـ 'كمال الدين'... نعم، أتذكر هذا الاسم. كان شريكًا لوالدك في مشروع قديم. لكن المشروع فشل، ويبدو أن كمال الدين اختفى بعد ذلك. لم يعد أحد يسمع عنه." "هل تعرف أين يمكن أن يكون؟" "لا والله. اختفى كالدخان. لكن ما أتذكره جيدًا، أن والدك كان دائمًا خائفًا من هذا الرجل. كان يقول إنه شخص خطير."

شعر يوسف بالبرد يسري في عروقه. "خطير"؟ كيف يمكن لوالده أن يدخل في شراكة مع شخص خطير؟

في هذه الأثناء، كانت نور تحاول جاهدة أن تكون قوة ليوسف. كانت تتصل به يوميًا، ترسل له رسائل تشجيعية، وتعد له وجبات صحية لتناولها في المكتب. كانت تعلم أن الضغوط عليه كبيرة، وأن هذا الصراع المالي قد يكون نقطة ضعف له.

"يوسف، كيف حال الشركة اليوم؟" سألت نور في إحدى المكالمات. "لا يزال الوضع صعبًا يا نور، لكننا نعمل على إيجاد حلول. لا تقلقي." "أتمنى أن أستطيع مساعدتك بطريقة ما. لو كان بإمكاني القدوم إلى المكتب، ربما أستطيع المساعدة في بعض الأعمال الإدارية." "لا يا حبيبتي، لا أريد أن أثقل عليكِ. أنتِ في حاجة للراحة. سأمر عليكِ في أقرب فرصة." "لا يا يوسف، إثقال عليّ هو أن أرى قلقك ولا أفعل شيئًا. سأتصل بخالتك فاطمة، ربما يمكنني المساعدة في تنظيم بعض الأمور في المنزل. لا بأس."

أدرك يوسف أن نور صادقة في عرضها. كانت تفهمه حقاً. "حسنًا يا نور. إذا كنتِ تستطيعين المساعدة في المنزل، فهذا سيكون لطفًا منكِ. أما في الشركة، فأنا أفضل أن تبقى الأمور بيني وبين خالي حتى نجد حلًا واضحًا." "أتفهم. سأتحدث مع أمي. وكن مطمئنًا، سأكون بجانبك دائمًا."

في بيت السيدة فاطمة، كانت نور تتحدث مع والدتها. "أمي، يوسف في وضع صعب جدًا. أحب أن أساعده. هل تسمحين لي بأن أساعد في تنظيم بعض الأمور في المنزل، حتى يتفرغ هو لمشاكل الشركة؟" ابتسمت السيدة فاطمة. "يا ابنتي، قلبكِ الطيب يعرف طريقه. بالطبع تسمحين. لكن لا تدعي هذا الأمر يأخذ كل وقتكِ. أنتِ أيضًا بحاجة لراحتكِ." "سأكون حذرة يا أمي. وأنا أريد فقط أن أظهر ليوسف أنني موجودة، وأنني أهتم به."

بينما كانت نور تخطط لكيفية مساعدة يوسف، كانت الأحداث تتسارع في اتجاه آخر. في أحد الأيام، أثناء تصفحه لملفات والده، عثر يوسف على فاتورة غريبة. كانت فاتورة شراء سيارة فارهة، لكن اسم المشتري كان "م.ف."، وتاريخ الشراء كان يعود إلى فترة ما بعد انهيار المشروع. لم يكن يفهم معنى هذه الفاتورة.

سأل خاله عن "م.ف.". "م.ف.؟ لا أعرف يا يوسف. ربما هو اختصار لاسم ما." "لكن هذه السيارة لم تكن عند والدي. ولم تكن عند أي من أفراد عائلتنا." شعر يوسف بالريبة تتزايد. بدأ يشك في أن هناك أشخاصًا آخرين متورطين في هذا الأمر، أشخاصًا لم يكن والده يذكرهم.

استعان يوسف بمحامٍ متخصص في قضايا الشركات. بعد تفحص الوثائق، أخبره المحامي بأن هناك مؤشرات قوية على وجود تلاعب في عقود الشركة، وأن بعض الاتفاقيات تبدو وكأنها مصممة لإخراج الأموال بطرق غير قانونية. "يوسف، هذه القضية معقدة. إذا كانت ادعاءاتك صحيحة، فهناك احتمال أن يكون والدك قد تورط في أمور خطيرة، أو أنه كان ضحية لخطة محكمة." "لكن من هو 'م.ف.'؟ ومن هو كمال الدين؟" "سنحاول تتبع هذه الأسماء. لكن الأمر قد يستغرق وقتًا وجهدًا."

بعد لقائه بالمحامي، عاد يوسف إلى المنزل وهو يشعر بالإحباط. كانت القصة تتكشف بطيئة، لكنها كانت تتكشف. أدرك أن هذه ليست مجرد أزمة مالية بسيطة، بل قد تكون جريمة منظمة.

في تلك الليلة، وبينما كان يتحدث مع نور عبر الهاتف، كان يحاول أن يبدو طبيعيًا، لكن القلق كان بادياً في صوته. "يوسف، هل أنت بخير؟ تبدو متعبًا." "لا شيء يا نور. مجرد ضغوط العمل." "هل حدث شيء جديد؟" "ربما... ربما هناك أكثر مما كنا نظن. لكن لا تقلقي. أنا أعمل على كشف كل شيء." "أنا أثق بك يا يوسف. مهما كان الأمر، سنجتازه معًا." "شكرًا لكِ يا نور. أنتِ حقاً ملاكي الحارس."

بينما كانت هذه الكلمات تخرج من فمه، شعر يوسف بأن هناك شيئًا ما. شيء ما يتعلق بـ "م.ف." وأن هذا الاسم قد يكون له علاقة بحياته هو أيضًا. تذكر فيلما وثائقيا قديمًا قرأه عن شبكات تهريب قديمة في المنطقة، وكيف أن بعض هؤلاء المجرمين كانوا يستخدمون أحرفًا كرموز لهم.

وفي وقت متأخر من تلك الليلة، بينما كان يوسف يتصفح الإنترنت بحثًا عن أي معلومات عن كمال الدين أو "م.ف."، صادف مقالاً قديماً عن رجل أعمال اختفى في ظروف غامضة قبل سنوات، وكان هذا الرجل يحمل أحرف اسمه الأولى "م.ف.". لم يكن يتوقع أن يكون لهذا المقال أي علاقة بقضيته، لكن مجرد ذكر هذه الأحرف جعله يشعر ببرد مفاجئ.

نظر إلى صورة والديه مرة أخرى. هل كان والده يعرف هذا الرجل؟ هل كان متورطًا معه؟ الأسئلة بدأت تتراكم، والشكوك بدأت تسيطر على تفكيره. كان يشعر وكأنه يسير في طريق مظلم، لا يعرف متى سينتهي، ولا ما الذي سيواجهه.

في نهاية الفصل، وبينما كان يوسف يقلب في أوراق والده، وجد رسالة قديمة، مخبأة بعناية في درج سري. كانت الرسالة من والده، موجهة إليه، تقول: "يا بني، إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أستطع حمايتك بعد الآن. هناك أسرار يجب أن تعرفها، وأعداء يجب أن تواجههم. حافظ على نور، فهي الأمل الوحيد لك ولعائلتنا. وكن حذرًا جدًا من 'م.ف.'..."

ارتعش يوسف وهو يمسك بالرسالة. الشبح الذي كان يحاول دفنه، قد عاد ليطارده بقوة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%