لقاء القدر الجزء الثالث

رياح التغيير العاتية

بقلم فاطمة النجار

كانت نسمات الخريف تلفح وجه ليلى وهي تقف على شرفة منزلها الفسيح، تتأمل النجوم التي تلألأت في سماء مكة المكرمة. لم تكن تلك النجوم وحدها المتلألئة، بل كانت في عينيها بريقٌ لم يعهده أحدٌ من قبل. لقد كان بريق الشوق، وبريق الأمل، وبريق الترقب. لقد اقترب موعد الحقيقة، موعدٌ حملت معه همومًا لم تكن ليلى تتوقعها، ولكنه حمل أيضًا وعدًا بالراحة والسكينة.

قبل يومين، وصلتها رسالةٌ مختومةٌ بعناية، لا تحمل اسم المرسل، ولكن حروفها المنمقة والعطر الخفيف الذي ينبعث منها، جعل قلبها يخفق بجنون. لقد عرفت من هي صاحب تلك الأنامل. كانت رسالةً موجزة، تدعوها إلى لقاءٍ خاص في مكانٍ بعيدٍ عن الأعين، في غضون ثلاثة أيام. لم تذكر الرسالة سبب اللقاء، ولكن الأسباب كانت واضحةٌ في ذهن ليلى. لقد اكتشفت مؤخرًا، بالصدفة المحضة، وثائق تثبت تورط والدها في معاملاتٍ مشبوهة، معاملاتٌ هزت أركان إمبراطورية عائلته التجارية، بل وهددت مستقبل شقيقها الأصغر، والذي كان على وشك أن يعقد قرانه.

شعرت ليلى بثقلٍ هائلٍ على كتفيها. كانت تدرك أن هذا الكشف لا يتعلق فقط بالسمعة، بل يتعلق بمصير عائلة بأكملها. والدها، الذي لطالما رأته رمزًا للقوة والأمان، أصبح الآن مصدر قلقٍ وخوف. أما شقيقها، فكانت تراه أمامها، يخطط لمستقبله بفرحٍ وغبطة، غافلاً عن العاصفة التي كانت تلوح في الأفق.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان يوسف يجلس في مكتبه، يداعب خصلةً من شعر ابنته الصغيرة، والتي كانت نائمةً بين ذراعيه. كانت نظراته تتجول في أرجاء الغرفة، وكأنما يبحث عن شيءٍ مفقود. لقد مرت شهورٌ على لقائه الأخير بليلى، شهورٌ مرت كأنها الدهر. حاول نسيانها، حاول التركيز على عمله، على عائلته، على واجباته. ولكنه لم يفلح. كانت صورتها محفورةً في وجدانه، صوتها يتردد في أذنيه، ضحكتها تضيء أحلامه.

لقد تواصل معها عبر محاميه، متأكدًا من أنها بخير، ولكن لم تكن تلك المعلومات كافية. كان يشتاق إلى رؤيتها، إلى الحديث معها، إلى فهم ما حدث. ما الذي جعلها تتخلى عنه بهذه السرعة؟ هل كان هو السبب؟ هل أخطأ في تقدير الأمور؟

وفجأة، دخل عليه مساعده، السيد أحمد، بتقريرٍ مهم. كان التقرير يتعلق بتطورات قضيةٍ قديمةٍ تتعلق بتجارةٍ مشبوهةٍ في بعض المواد الخام، قضيةٌ كان يوسف قد أدارها بنفسه قبل سنوات، ونجح في إغلاقها. ولكن يبدو أن بعض الخيوط لم تكن قد انقطعت تمامًا.

"سيدي"، بدأ أحمد بتردد، "لقد تلقينا معلوماتٍ جديدةٍ عن قضية "الصخرة السوداء"."

ارتعش قلب يوسف. "الصخرة السوداء" كان الاسم الرمزي للقضية التي كانت تهم والد ليلى. "ما هي هذه المعلومات؟" سأل بجدية.

"يبدو أن هناك شبكةً أوسع مما كنا نظن، سيدي. وأن بعض الأموال التي تم اكتشافها في السابق لم تكن سوى قمة جبل الجليد. وأن هناك تورطًا لبعض الشخصيات البارزة، بعضها ما زال في مواقع مؤثرة."

تسارعت أنفاس يوسف. لقد كانت تلك القضية هي السبب الرئيسي لقطيعته مع والد ليلى، وهو ما أثر بدوره على علاقته بليلى. هل يمكن أن تكون هذه المعلومات مرتبطةً بما اكتشفته ليلى؟ هل كانت تحاول بنفسها كشف الحقيقة؟

في تلك اللحظة، رن هاتفه. كان رقمًا غير مسجل. تردد قليلًا، ثم أجاب.

"مرحباً؟"

جاء صوتٌ هادئ، ولكن مشبعٌ بالرهبة. "السيد يوسف؟"

"معك."

"أتحدث إليك بخصوص السيدة ليلى. هي في خطر."

تجمد الدم في عروق يوسف. "خطر؟ ما هو الخطر؟ ومن أنت؟"

"لا وقت للشرح. أرجو أن تثق بي. إنها تبحث عن معلوماتٍ تتعلق بوالدها، وهي على وشك اكتشاف ما هو أكبر مما تتخيل. هناك من لا يريد لها أن تكشف الحقيقة. أريد أن أساعدها، ولكنني أحتاج إلى مساعدتك."

"كيف يمكنني المساعدة؟" سأل يوسف، وشعر بمسؤوليةٍ ثقيلةٍ تلقى على عاتقه.

"أرجو أن تكون في المكان الذي سأحدد لك بعد قليل. الساعة الثانية صباحًا. في منطقة "وادي الأفاعي" القديمة. وحدك. وإلا فستكون ليلى في خطرٍ لا يرجى منه. إذا أخبرت أحدًا، أو أحضرت أحدًا معك، فستكون العواقب وخيمة."

أغلق الخط. ترك يوسف مذهولاً. وادي الأفاعي. تلك المنطقة المهجورة، التي كانت مسرحًا لبعض القصص الغامضة. كان يعلم أنها ليست مجرد مجازفة، بل هي دعوةٌ إلى قلب العاصفة.

في تلك الليلة، لم ينم ليلى. كانت عيناها حمراوان من قلة النوم، وقلبها ينبض بقوةٍ كأنه يريد أن يخرج من صدرها. جهزت نفسها للقاء، اختارت ثيابًا محتشمة، ولكنها تظهر من خلالها قوة شخصيتها. وضعت في حقيبتها الصغيرة بعض الوثائق التي جمعتها، والتي كانت تشكل دليلًا قويًا ضد والدها. لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها، ولكنها كانت مستعدةً لمواجهة كل شيء.

عندما دقت الساعة الحادية عشرة ليلاً، خرجت ليلى من منزلها بهدوء. كانت الظلال طويلة، والشوارع شبه خالية. كانت نسمةٌ باردةٌ تلفح وجهها، وكأنها تحذرها من القادم. صعدت إلى سيارتها، وأدارت المحرك، وتوجهت نحو المكان المحدد.

في نفس الوقت، كان يوسف يقود سيارته بنفس الاتجاه، ولكن من طريقٍ آخر. كان عقله يعج بالأفكار. من هو المتحدث؟ ولماذا يهدد حياة ليلى؟ هل هذا الشخص هو نفسه الذي ساعد ليلى في السابق؟ أم هو جزءٌ من المؤامرة؟

وصل يوسف إلى منطقة "وادي الأفاعي" قبل الموعد المحدد. كانت المنطقة مظلمةً وموحشة، مليئةً بالجبال الصخرية والكهوف المظلمة. اختار مكانًا بعيدًا قليلاً، ولكنه قادرٌ على رؤية المدخل الرئيسي للوادي. اختبأ خلف صخرةٍ كبيرة، ونظر إلى الطريق.

وبعد دقائق، رأى أضواء سيارةٍ تقترب. لم تكن سيارة يوسف. كانت سيارةً فارهة، ومن النوع الذي اعتادت ليلى أن تسير به. توقفت السيارة، ونزل منها شابٌ يرتدي ثيابًا أنيقة. لم يكن والد ليلى، ولكنه كان يبدو عليه التوتر.

ثم، خرجت ليلى من السيارة. بدت شاحبة، ولكن عينيها كانتا تلمعان بتصميمٍ لا يلين. اقتربت من الشاب، وبدآ يتحدثان بصوتٍ منخفض. لم يسمع يوسف شيئًا، ولكنه كان يراقب.

فجأة، سمع صوتًا مألوفًا. صوت والده. كان والده يرتدي ملابس عادية، ولم يكن يبدو متوترًا. هل كان هو؟ هل كان والد ليلى هو نفسه الشخص الذي يهددها؟

"يا إلهي"، تمتم يوسف لنفسه، وشعر بأن العالم من حوله ينهار. لقد بدأت خيوط الحقيقة تتكشف، ولكنها كانت خيوطًا سوداء، متشابكة، تحمل في طياتها الكثير من الألم والخيانة.

لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى بدأ الوضع يتصاعد. اقترب والد ليلى من الشاب، ثم من ليلى. رأى يوسف أيديهم تتحرك بعنف، وشعر بأن هناك مشادةً كلاميةً عنيفةً تدور. وفجأة، سمع صوتًا قويًا، وكأن شيئًا قد تحطم.

تأكد يوسف أن الوقت قد حان للتحرك. كان لا يستطيع الانتظار. لقد شعر بأن حياتها في خطرٍ حقيقي. ترك مكانه، وانطلق نحو الوادي، وقلبه يخفق بعنف، وعزمه أقوى من أي وقتٍ مضى. لقد كان مستعدًا لمواجهة أي شيءٍ من أجل ليلى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%