لقاء القدر الجزء الثالث
ظلال الماضي ووشوشات الحاضر
بقلم فاطمة النجار
انفجر الصمت الموحش في "وادي الأفاعي" بصوتٍ مرعب، صوتٌ لم يكن إلا نتيجةً لصدامٍ عنيف. كانت عينا يوسف اللتان رصدتا المشهد من خلف ستار الصخور، تتسعان رعبًا وهو يرى والد ليلى، الرجل الذي كان يومًا ما قدوته، يندفع نحو ابنته بحدةٍ غير مسبوقة. لم يكن يوسف قد رأى قط في والده كل هذه القسوة، هذه العصبية الجامحة التي بدت وكأنها تخرج من أعماقٍ سحيقة.
"ماذا تفعلين هنا؟!" ارتفع صوت والد ليلى، ممزوجًا بغضبٍ لم يعرف يوسف له مثيلاً. "أتظنين أنك بهذا الشكل تستطيعين أن تهربي مني؟ أتظنين أنك تستطيعين أن تفضحينا؟"
كانت ليلى تقف بثباتٍ ظاهري، ولكن يوسف رأى ارتجافةً خفيفةً في كتفيها. "أبي، لقد اكتشفت كل شيء. لا يمكنني أن أسكت عن هذا."
"صمتتِ طويلًا! صمتتِ عندما كنت أعمل بجدٍ لأوفر لكِ كل ما تحتاجين. صمتتِ عندما كنت أعمل بجدٍ لحماية سمعة هذه العائلة. والآن، تأتين لتفسدي كل شيء؟"
كان الشاب الواقف بجانب ليلى، والذي بدا وكأنه صديقٌ مقربٌ لها، يحاول تهدئة الأجواء، ولكن غضب والد ليلى كان كالنار المشتعلة. "يا عمي، ليلى لم تفعل شيئًا خاطئًا. هي فقط تبحث عن الحقيقة."
"الحقيقة؟" ضحك والد ليلى بسخريةٍ قاتلة. "هل تعرفين ما هي الحقيقة يا ليلى؟ الحقيقة هي أننا نعيش في عالمٍ لا يرحم، عالمٍ يعتمد على القوة وعلى الذكاء. وأن بعض الأخطاء، مهما كانت، يجب أن تبقى دفينةً للأبد."
فجأة، خطى والد ليلى خطوةً أخرى نحوها، وأمسك بذراعها بقوة. صرخت ليلى من الألم، ولكنها لم تسحب يدها. "أنا لا أخاف منك يا أبي. لقد رأيت الوثائق. لقد رأيت كيف تتلاعب بأسماء الناس، وكيف تسرق حقوق الآخرين."
"هذه تضحياتٌ، يا ليلى! تضحياتٌ ضروريةٌ للحفاظ على هذا النفوذ. هل تتذكرين كيف كنا نعيش في السابق؟ هل تتذكرين الفقر؟ هل تتذكرين الحاجة؟"
كان كلامه ذا وقعٍ قاسٍ على نفس يوسف. لقد كان يعلم قصة والد ليلى، ويعرف أنه لم يكن من عائلةٍ ثرية. ولكنه لم يكن يتوقع أن يستخدم هذا التاريخ كذريعةٍ لأفعاله.
"ولكن الثمن كان كبيرًا جدًا، يا أبي." قالت ليلى بصوتٍ مخنوق. "لقد دفعت ثمنه أرواحٌ بريئة، وسمعةُ أناسٍ طيبين."
في تلك اللحظة، خرج يوسف من مخبئه. لقد وصل إلى نقطةٍ لم يعد يحتمل فيها الانتظار. "كفى!" صرخ بصوتٍ عالٍ، هز أرجاء الوادي.
تجمد الجميع في أماكنهم. استدار والد ليلى بسرعة، ووجهه يعكس صدمةً لا تصدق. "أنت؟!"
"نعم، أنا." أجاب يوسف، واثقًا. "وقد سمعت كل شيء."
نظر والد ليلى إلى ليلى، ثم إلى يوسف، وشعر وكأن الأرض تبتلعه. "كيف وصلت إلى هنا؟" سأل بصوتٍ مرتعش.
"لقد تلقيت اتصالاً. اتصالاً يخبرني أن ليلى في خطر. وكان علي أن أتي."
"لم أكن أعرف أنك هنا." قال والد ليلى، وبدأ يستعيد شيئًا من رباطة جأشه، ولكن عيناه كانت لا تزالان تحملان قلقًا كبيرًا.
"كنت أنتظر اللحظة المناسبة. والآن، يبدو أن اللحظة قد حانت." قال يوسف، ونظر إلى ليلى. "ليلى، هل أنتِ بخير؟"
أومأت ليلى برأسها، ولكن عينيها كانت مليئةً بالدموع. "نعم، أنا بخير. ولكن أبي..."
"والدكِ لديه حسابٌ لي." قاطعه يوسف، ونظر إلى والد ليلى. "لقد كنت أتابع قضية "الصخرة السوداء" منذ سنوات. وكان لدي بعض الشكوك حول تورطك. والآن، تأكدت."
"ماذا تقصد؟" سأل والد ليلى، وقد بدت ملامحه تتوتر.
"أقصد أنني أعرف كل شيء. أعرف عن المعاملات المشبوهة، عن الأموال التي تم إخفاؤها، وعن الأشخاص الذين تم استغلالهم."
"هذه أكاذيب! أنت لا تملك أي دليل." صاح والد ليلى، وبدأ يتقدم نحو يوسف.
ولكن قبل أن يصل إليه، تدخل الشاب الواقف بجانب ليلى. "لا تفعل ذلك يا عمي. لقد فشلت."
"من أنت؟" سأل والد ليلى بغضب.
"أنا ابن السيد محمود، الذي كنت تدمر سمعته وتسرق منه." قال الشاب، وبدأت ملامحه تتغير، ويكشف عن وجهٍ ينم عن غضبٍ شديد. "لقد كنت أراقبك منذ فترة، وأعرف كل خططك. وقد ساعدت ليلى في جمع الأدلة."
اتسع خوف والد ليلى. "ابن محمود؟ أنت؟"
"نعم. وجدنا طريقةً لتتبع معاملاتك. ولدينا كل شيء."
"هذا مستحيل!" صرخ والد ليلى، وشعر بأن شبكته بدأت تنهار.
"ليس مستحيلاً. لقد استخدمت القوة والمال لإسكات الناس. ولكنك لم تستطع إسكات الجميع." قال يوسف، وتقدم بخطواتٍ واثقة. "والآن، حان وقت العدالة."
أدرك والد ليلى أنه لا يملك خيارًا آخر. لقد وقع في الفخ. نظر إلى ليلى، وإلى يوسف، وإلى ابن محمود. شعر بالهزيمة.
"إذاً، هل هذا هو نهايتي؟" سأل بصوتٍ حزين.
"هذه بداية النهاية." أجاب يوسف. "ولكن النهاية الحقيقية ستكون عندما تعترف بكل شيء، وتصحح أخطاءك."
في تلك اللحظة، سمعوا صوت سياراتٍ تقترب. كانت سيارات الشرطة. لقد كان ابن محمود قد اتصل بهم قبل وصولهم.
"يبدو أن الوقت قد حان." قال يوسف، ونظر إلى والد ليلى. "أرجو أن تكون مستعدًا. فهذه ليست سوى بداية رحلةٍ طويلة."
شعر يوسف بشيءٍ من الراحة، ولكن عينيه لم تغادرا ليلى. كانت تقف هناك، صامتةً، تنظر إلى والدها، وإلى يوسف، وإلى مستقبلٍ غامض. لقد تجاوزوا نقطة اللاعودة. لقد كشفوا كل شيء. والآن، حان وقت مواجهة العواقب.