لقاء القدر الجزء الثالث
وهج الأماني الخفية
بقلم فاطمة النجار
تتسارع نبضات قلب فاطمة وهي تتأمل رسالة بدر. كلماته، وإن كانت قليلة، تحمل بين طياتها عبق الماضي وصدى آمال دفنتها السنين. "اشتقت إليكِ يا فاطمة، كاشتياق الأرض إلى الغيث بعد طول جفاف." كانت هذه الكلمات كشرارة أوقدت ناراً خمدت تحت رماد التجاهل والبعد. تذكرت تلك الأيام الغابرة، حين كانت الضحكات تتردد في أرجاء بيتهم العامر، وحين كانت نظرات بدر تحمل دفئاً يكفي لتمزيق صقيع الوحدة.
لكن هذه الذكرى سرعان ما اكتست بظلال الحزن. فقد انقلب ذلك الدفء ذات يوم إلى لهيب غضب، تحول معه الحبيب إلى خصم. لم يكن ذنبها، بل كان ذنب تلك الظروف القاسية التي فرضت نفسها، وذنب تلك الأقدار التي تلاعبت بخيوط حياتهما. لقد تفرقت السبل، وافترقت الأجساد، لكن الأرواح، وكأنها موصولة بخيط رفيع، ظلت تتلمس طريق العودة.
"هل يعود؟" تساءلت فاطمة في قرارة نفسها، وهي تعبث بحافة الثوب الذي ترتديه. "هل يعود ليجدني مختلفة؟ هل يعود ليجدني قد أغلقت كل الأبواب أمام الأمل، وأسدلت الستائر على عالمي؟" لقد كانت حياتها بعد بدر أشبه بحديقة غابت عنها الشمس، بقيت فيها بعض الزهور ذابلة، تنتظر بصيص نور لتبعث فيها الحياة من جديد.
ذهبت لتراقب الأطفال يلعبون في الساحة، تائهة في عالمها الخاص. الأطفال، بضحكاتهم البريئة، كانوا أحياناً أفضل عزاء لها، بلسم لجروح لم تندمل تماماً. رأت سارة، ابنة عمها، تقترب منها بخطوات مرحة. سارة، الشابة المفعمة بالحياة، كانت دائماً تبث في فاطمة روحاً جديدة، تخبرها بأخبار الدنيا، وبما يدور حولها.
"ما الذي يشغل بالك يا فاطمة؟" سألت سارة بفضول، وهي تجلس بجانبها. "وجهكِ يحكي قصة ألف ليلة وليلة، قصة فيها حزن وأمل."
ابتسمت فاطمة ابتسامة باهتة. "لا شيء يا سارة. مجرد ذكريات قديمة."
"الذكريات القديمة غالباً ما تكون كنزاً، لكنها قد تكون أحياناً سكيناً تطعن القلب." قالت سارة بحكمة، تليق بسنها الأصغر منها بكثير. "هل هي ذكريات بدر؟"
تصلبت فاطمة قليلاً، لكنها سرعان ما استجمعت قواها. "ومن قال أنني أفكر فيه؟"
"عينيكِ تقولان ذلك. وطريقة تمتمتكِ باسمه في بعض الليالي." قالت سارة وهي تبتسم بمرح. "لقد سمعتكِ مرة وأنتِ تحدثين وسادتكِ."
احمر وجه فاطمة خجلاً. "يا سارة! أنتِ فضولية جداً."
"الفضول صحي عندما يتعلق الأمر بمعرفة ما يخبئه القدر." ثم أردفت قائلة بجدية مفاجئة: "ولكن، هل تدركين أن بدر قد عاد بالفعل؟"
تجمدت فاطمة في مكانها. "عاد؟ كيف؟"
"عاد ليفتتح فرعه الجديد للشركة هنا في المدينة. سمعت الخبر من خالي. إنه الآن رجل أعمال ناجح، ثري، وأعتقد أنه لا يزال أعزب."
تسارعت أنفاس فاطمة. عاد؟ هذا يعني أن الأقدار قد أرادت ذلك. هل هو مصادفة أم تدبير إلهي؟ "وهل... هل سيلتقي بأحدنا؟" سألت بصوت بالكاد مسموع.
"لا أعلم. لكن، بما أنه عاد، فربما تتاح لكِ فرصة لرؤيته. ربما..." توقفت سارة، ثم أكملت بتردد: "...ربما يستعيد الماضي ما ضاع."
نظرت فاطمة إلى السماء، والدعاء يتردد في قلبها. "يا رب، إن كان في لقائه خير لي، فيسره. وإن كان فيه شر، فاصرفه عني." كانت تعرف أن قلبها لم ينس بدر يوماً، وأن مشاعرها تجاهه لم تمت، بل ظلت حية، تنتظر الإشارة.
في تلك الأثناء، كان بدر يجلس في مكتبه الجديد، يتأمل المدينة التي غاب عنها طويلاً. كانت الذكريات تغمره، ذكرى فاطمة، صورتها البهية، صوت ضحكتها، بريق عينيها. لقد أضناه البعد، وعذبه الشوق. عاد ليجد كل شيء قد تغير، لكن شيئاً واحداً لم يتغير في قلبه.
"هل لا تزال هنا؟" سأل نفسه. "هل لا تزال تلك الروح الجميلة تسكن هنا؟" لقد عاد ليبحث عنها، ليبحث عن تلك السعادة التي فقدها. لقد كانت فاطمة هي الغاية، وهي الهدف.
كانت علاقتهما قد انتهت بطريقة مؤلمة، بسبب سوء فهم، بسبب تدخلات خارجية، وبسبب قلة ثقة. لقد كان شاباً متهوراً في ذلك الوقت، سريع الغضب، سريع الاقتناع. أما الآن، فقد نضج، وتعلم من دروس الحياة القاسية. لقد أدرك قيمة فاطمة، وندم على ما بدر منه.
"سأراها." عزم في نفسه. "سأبحث عنها، وسأجعلها تدرك كم أحببتها، وكم ندمت على ما فات."
كانت مشاعره تجاه فاطمة مزيجاً من الحب العميق، والندم الشديد، والشوق الجارف. لقد كان إدماناً صامتاً، يتسلل إلى روحه كلما تذكرها. إدمان على حبها، إدمان على وجودها.
في مساء ذلك اليوم، وبينما كانت فاطمة جالسة في حديقة منزلها، تتأمل النجوم، سمعت صوتاً ينادي باسمها. "فاطمة!"
رفعت رأسها، ورأت ظلاً يقف عند بوابة الحديقة. لم تعرفه في البداية، فملامح الظلام تخفي كل شيء. لكن صوت النداء، أوقظ في قلبها شيئاً ما، شيئاً كان غافياً.
"من أنت؟" سألت بصوت مرتعش.
اقترب الظل، وظهر في ضوء القمر وجه مألوف، وجه حمل كل الذكريات، وكل الآلام، وكل الآمال. كان بدر.
وقفت فاطمة صامتة، وعيناها تلتقيان بعينيه. في تلك اللحظة، لم تكن هناك كلمات، لم يكن هناك صوت، كان هناك فقط صمت يحكي قصة حب قديمة، قصة تنتظر فصلاً جديداً. كان هذا لقاء القدر، لقاء أرادتها الحياة.