لقاء القدر الجزء الثالث

صدق الشوق

بقلم فاطمة النجار

وقف بدر أمام فاطمة، والمسافة بينهما تحمل ثقل السنين ومرارة البعد. في عينيه، رأت فاطمة كل الشوق الذي عانته، وكل الألم الذي عاشته. لقد كان يبدو مختلفاً، أكثر هدوءاً، أكثر نضجاً. لكن ذلك البريق القديم، ذلك الدفء الذي لطالما أحبته، كان لا يزال فيه.

"فاطمة..." نطق اسمها بصوت عميق، يحمل كل ما لم تستطع الأيام والليالي أن تمحيه. "لم أتوقع أن أراكِ هكذا، هكذا قريبة."

ارتعش صوت فاطمة وهي تجيب: "وأنا أيضاً لم أتوقع... لم أتوقع عودتك."

"لقد عدت." قال بدر، وهو يخطو خطوة نحوها، ثم توقف، كما لو كان يخشى أن يزعج هدوء اللحظة. "عدت لأجد ما فقدت."

تورد وجنتا فاطمة. لقد كانت كلماته، وإن كانت غامضة، تحمل وعداً، وربما إعلاناً. "وما الذي فقدته يا بدر؟" سألت، وهي تشعر بقلبها يدق بعنف.

"وجدتها." أجاب ببطء، وعيناه ثابتتان على عينيها. "فقدتكِ أنتِ."

كان الاعتراف الصريح، الواضح، المباشر. لم يكن هناك مجال للتأويل، أو التردد. لقد جاء ليقولها، ليقول لها ما لم يستطع قوله من قبل.

"بدر..." تنهدت فاطمة. "لقد مرت سنوات..."

"وماذا في السنوات؟" قاطعها بلهجة فيها رجاء. "هل تمحى المشاعر؟ هل تموت الذكريات؟ بالنسبة لي، لم تمحِ السنين شيئاً. بل زادتها عمقاً."

كانت كلماته تلامس وتراً حساساً في قلبها. لقد كانت هي أيضاً تعاني من ذكريات مؤلمة، لكنها كانت تتظاهر بأنها تجاوزتها. كانت تخشى أن تفتح جرحاً قديماً، أن تعود إلى دوامة الألم.

"لقد أخطأت يا فاطمة." قال بدر، وهو يخفض بصره للحظة، كمن يستجمع شجاعته. "لقد كنت شاباً متهوراً، سريع الغضب. لم أستمع إلى صوت العقل، بل إلى غضب اللحظة. لقد خسرتكِ بسبب تلك الغفلة."

"الماضي قد ولى، يا بدر." قالت فاطمة، وهي تحاول أن تبدو قوية، رغم أن قلبها كان يرتجف. "ولم يعد له مجال."

"هل تقصدين أنه ليس هناك مجال لتعويض الخطأ؟ هل تقصدين أن قلبي الذي ظلت صورتكِ فيه محفورة، لم يعد له مكان في حياتكِ؟"

كان سؤاله يحمل ألماً عميقاً، وألماً أكبر هو اعترافه بصدق مشاعره. لقد كانت فاطمة تتمنى أن يعترف بخطئه، أن يعبر عن ندمه. والآن، جاء الاعتراف، لكنه جاء في وقت قد تكون فيه قد بنت حياتها بطريقة أخرى.

"لا أقصد ذلك..." قالت فاطمة بتردد. "ولكن... لقد تغير كل شيء."

"ما الذي تغير؟ هل تغير حبكِ؟ هل تغير ما كان بيننا؟" سأل بلهفة. "أنا لم أتغير في حبي لكِ، فاطمة. ظلتِ أنتِ حلمي، وأملي."

كانت هذه الكلمات قوية، مؤثرة. لقد كانت فاطمة تتمنى أن تسمع هذا الكلام، لكنها لم تكن مستعدة تماماً له. لقد كانت خائفة. خائفة من أن تعود إلى نفس الدوامة، خائفة من أن تتألم مرة أخرى.

"لقد تزوجتُ، يا بدر." قالتها بصوت بالكاد مسموع، كأنها ترمي بقنبلة.

صمت بدر للحظة، ثم تنفس بعمق. "أتفهم." قال أخيراً. "هل أنتِ سعيدة؟"

كان سؤاله يحمل صدقاً، وحزناً. لم يكن يريد أن يعرف إلا ليبني مستقبله، أو ليوقف هذا اللقاء المؤلم.

"الحمد لله." أجابت فاطمة. "أنا في نعمة."

"الحمد لله." رد بدر، وبدت الكلمة ثقيلة على لسانه. "أتمنى لكِ كل السعادة."

لقد كان كلامه رقيقاً، نبيلاً، لكنه يحمل طعنة. لقد كان يبدو وكأنه يتقبل الأمر، لكن فاطمة رأت في عينيه وهجاً من الأمل لم ينطفئ.

"ولكن..." قال بدر فجأة، وبدت نبرته فيها تصميم. "ولكن، إذا كانت لديكِ أي مشكلة، أي ضيق، فأنا هنا. لقد عدت، ولن أترككِ وحدكِ."

"شكراً لك يا بدر." قالت فاطمة، وهي تشعر بتضارب في المشاعر. هل كان يريد مساعدتها كصديق، أم كحبيب سابق؟

"أتذكرين كيف كنا نتسلق شجرة التوت في بيت جدتكِ؟" سأل بدر فجأة، مبتسماً ابتسامة باهتة. "كنتِ دائماً تخافين، وأنا كنت أمسك بيدكِ."

ابتسمت فاطمة رغماً عنها. "نعم، أتذكر. كنتَ قوياً جداً."

"وما زلتُ قوياً." قال بدر، وبدت كلماته تحمل معنى أعمق. "قوياً لأجل أن أكون بجانبكِ، قوياً لأجل أن أحميكِ."

"ولكن، كما قلت، لقد تزوجتُ." كررت فاطمة، محاولة أن تضع حداً لهذا الحديث.

"أتفهم." قال بدر، لكنه لم يبدُ مقتنعاً تماماً. "ولكن، الحياة لا تخلو من المفاجآت. وربما... ربما تتاح لي فرصة لأثبت لكِ أنني قد تغيرت، وأنني قادر على أن أكون لكِ السند الذي تحتاجينه."

كان إصراره لافتاً. لقد كان إصرار رجل يعرف ما يريد، ورجل لم ينسَ ما كان. كانت فاطمة تشعر بأنها تنجذب إليه مرة أخرى، لكنها كانت تخشى ذلك. كانت تعلم أن هناك حدوداً، وأن عليها أن تلتزم بها.

"لقد كانت ليلة جميلة يا بدر." قالت فاطمة، وهي تحاول أن تنهي اللقاء. "والآن، أعتقد أن عليك الذهاب."

"فاطمة..." قال بدر، وبدت كلماته تحمل وعداً. "هذا ليس نهاية حديثنا. بل هو بداية."

نظرت فاطمة إليه، وحاولت أن تقرأ ما يدور في ذهنه. كانت ترى فيه مزيجاً من الحب، والندم، والإصرار. لقد كان تحدياً، وتحدياً كبيراً.

"أتمنى أن يكون لديكِ الهدوء الكافي لتفكير ملياً في الأمر." قال بدر. "وفيما أقول. أنا هنا، عندما تحتاجينني."

ثم ابتعد، تاركاً فاطمة وحدها في ظلمة الليل، وقلبها يعج بالمشاعر المتضاربة. كانت مشاعره أقوى من أي وقت مضى، وكانت إدمانه عليها قد عاد أقوى من ذي قبل. ولكن، هل كان هذا الحب القديم، قادراً على أن يجد طريقه في حياتها الجديدة؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%