لقاء القدر الجزء الثالث
دروب جديدة، أحلام قديمة
بقلم فاطمة النجار
في الأيام التالية، كانت فاطمة تعيش في حالة من القلق المستمر. لم تستطع أن تتخلص من أفكار بدر. كانت كلماته تدور في رأسها، كصدى موسيقى مؤلمة. كانت تتساءل باستمرار: هل كانت حياتها مع أحمد كافية؟ هل كانت تفتقد شيئاً ما؟
كانت هذه الأسئلة تزيد من ابتعادها عن أحمد. لم تعد تشاركه تفاصيل يومها كما كانت من قبل. كانت تبدو شاردة الذهن، وكأنها تعيش في عالم موازٍ.
"ما الذي يحدث يا فاطمة؟" سأل أحمد ذات مساء، وهو يلاحظ ابتعادها. "هل أنتِ بخير؟"
نظرت إليه فاطمة، وشعرت بالذنب. لقد كان رجلاً طيباً، وصادقاً. وكان يستحق منها أن تكون صريحة.
"أنا... أنا فقط متعبة قليلاً." حاولت أن تختلق عذراً.
"متعبة من ماذا؟" ألح أحمد. "لقد كنتِ كذلك منذ أيام. هل هناك شيء يزعجكِ؟"
ترددت فاطمة. هل تخبره عن بدر؟ هل تخبره عن تلك المشاعر القديمة التي عادت لتستيقظ؟
"لقد... لقد قابلتُ شخصاً من الماضي." قالت أخيراً، وبدت كلماتها ثقيلة.
"شخص من الماضي؟" سأل أحمد، وبدت عليه علامات الدهشة. "من تقصدين؟"
"شخص كنتُ... كنتُ أحبه في صغري." قالت فاطمة، وهي تتجنب النظر في عينيه.
"وهل هذا الشخص... هل هو سبب حزنك؟" سأل أحمد، وبدأت نبرته تحمل قلقاً.
"هو... هو يبدو أنه يريد العودة." قالت فاطمة. "وهو يقول إنه نادم على ما فعله."
صمت أحمد للحظة، ثم تنفس بعمق. "وهل أنتِ... هل أنتِ تفكرين في ذلك؟" سأل بهدوء، لكن في صوته كانت هناك نبرة من الخوف.
"لا أعلم يا أحمد." قالت فاطمة بصراحة. "كل شيء يتغير. وأنا... أنا أشعر بالضياع."
"فاطمة." قال أحمد، وهو يمسك بيدها. "نحن متزوجان. وقد بنينا حياتنا معاً. ألا يكفي هذا؟ ألا تكفي السعادة التي لديكِ؟"
"ولكن، هل هي سعادة كاملة؟" سألت فاطمة، وبدت كلماتها تحمل ألماً. "هل أنتَ... هل أنتَ راضٍ عني؟"
"راضٍ عنكِ؟" سأل أحمد بابتسامة حزينة. "أنا أحبكِ يا فاطمة. وأنتِ كل شيء بالنسبة لي. ولكن، هل هذا يعني أنني لا أشعر؟ هل يعني أنني لا أشعر بغيابكِ؟"
كان اعتراف أحمد مؤثراً. لقد أدركت فاطمة أنها تجرحه، وأنها تضع حياتهما في خطر.
"سامحني يا أحمد." قالت فاطمة، والدموع تتساقط من عينيها. "لقد كنتُ أنانية. ولم أفكر فيك."
"لا تقولي ذلك." قال أحمد. "لكن، علينا أن نتحدث. علينا أن نتجاوز هذا. معاً."
في تلك الأثناء، كانت سارة تحاول أن تجد طريقة مناسبة للتحدث مع فاطمة. لقد علمت أن بدر قد تحدث معها، وأن فاطمة في حيرة من أمرها.
"أتصل بكِ." قالت سارة لفاطمة. "هل لديكِ وقت؟ أريد أن أتحدث معكِ في أمر هام."
"تفضلي." قالت فاطمة. "أنا بحاجة لسماع صوتكِ."
"لقد تحدث معي بدر." قالت سارة، وبدأت الحديث مباشرة. "وهو... هو ما زال يحبكِ."
اتسعت عينا فاطمة. "وماذا قلتي له؟"
"قلت له أنكِ متزوجة، وأن لديكِ حياة." قالت سارة. "لكنه... يبدو أنه لن يستسلم بسهولة."
"وماذا تعتقدين أنتِ يا سارة؟" سألت فاطمة، وهي تشعر بأنها تفتقد البوصلة.
"أعتقد يا فاطمة، أن عليكِ التفكير بعقلكِ، وليس بقلبكِ." قالت سارة. "لقد عشتِ تجربة مؤلمة مع بدر. هل تريدين أن تعيشي نفس التجربة مرة أخرى؟"
"ولكن، إنه يبدو مختلفاً الآن." قالت فاطمة. "إنه يبدو نادماً."
"الندم قد لا يكفي." قالت سارة. "والتغيير في الظاهر لا يعني التغيير في الجوهر. تذكري كيف آذاكِ. تذكري كيف ترككِ."
"ولكن، لقد أحببته بشدة." قالت فاطمة، وشعرت بحزن عميق.
"وأحمد يحبكِ. وهو يمنحكِ الأمان والاستقرار." قالت سارة. "هل تظنين أن بدر قادر على ذلك؟"
"لا أعلم." قالت فاطمة. "كل شيء يبدو معقداً."
"الحياة ليست دائماً كما نتخيلها." قالت سارة. "وأحياناً، ما نعتبره حباً، هو مجرد إدمان على الذكريات. إدمان على الماضي."
"إدمان؟" تكررت فاطمة الكلمة. "هل يمكن أن يكون ما أشعر به تجاهه مجرد إدمان؟"
"ربما." قالت سارة. "ربما عليكِ أن تفكري في حقيقة مشاعركِ. هل هي مشاعر حب حقيقية، أم مجرد شوق لشيء فقدتيه؟"
"ولكن، ماذا عن أحمد؟" سألت فاطمة. "إنه رجل طيب. ولا يستحق ما أفعله."
"بالضبط." قالت سارة. "عليكِ أن تتذكري دائماً ما لديكِ. وأن تفكري في العواقب. لا تدعي الماضي يدمر حاضركِ."
كان حديث سارة له تأثير كبير على فاطمة. لقد بدأت ترى الأمور بوضوح أكبر. لقد كانت تنجرف وراء مشاعر قديمة، قد لا تكون صادقة.
"سأتحدث مع أحمد." قالت فاطمة. "وسأخبره بكل شيء."
"هذا أفضل قرار." قالت سارة. "وإذا احتجتِ لأي شيء، فأنا هنا."
لقد بدأت فاطمة في اتخاذ خطوات نحو استعادة السيطرة على حياتها. لقد أدركت أن الماضي قد يكون مغرياً، ولكنه قد يكون أيضاً فخاً. وأن الحب الحقيقي، هو الذي يبنى على الصدق، والوفاء، والعطاء.