الفصل 1 / 25

حب الأبرار

نفحات من زمنٍ غابر

بقلم ليلى الأحمد

ارتعش ريحٌ شرقيةٌ تلفحُ وجنتيها، تحملُ معها عبقَ الياسمينِ الذابلِ ورائحةَ الترابِ النديّ بعدَ مطرٍ عابر. كانتَ فاطمةُ تقفُ على شرفةِ دارِها العتيقة، تلكَ التي شهدتْ أجيالاً من أجدادِها، تنتظرُ بقلبٍ يرتجفُ بينَ الرجاءِ والأمل. سماءُ المدينةِ كانتْ مرصعةً بنجومٍ خجولةٍ، كما خجلتْ هيَ نفسها عن الإفصاحِ عن مكنوناتِ روحِها. شُرفتها كانتْ ملاذَها، ومنها كانتْ ترصدُ الأفقَ الذي يضمُّ أحلامَها.

كانتْ أظافرُ أصابعِها الطويلةَ تنقُرُ بلطفٍ على سياجِ الشرفةِ الخشبيّ، نقراتٍ إيقاعيةٍ بدتْ كأنها نداءٌ صامتٌ إلى القدر. عيناها السوداوان، اللتانِ كانتا كبركتي ماءٍ عميقينِ، تلمعانِ تحتَ نورِ القمرِ الخافت، ترصدانِ الشارعَ الموازيَ الذي تتسللُ منهُ أضواءٌ خافتةٌ من نوافذَ قديمة. كانتْ تنتظرُ. تنتظرُ إشارة، كلمة، حركة. تنتظرُ عودةَ فارسٍ أضفى على حياتِها لوناً لم تكنْ تعرفُ أنهُ يمكنُ أنْ يوجد.

قبلَ أسابيعَ قليلة، وفدَ إلى مدينتهمْ تلكَ، رجلٌ منْ بلادٍ بعيدة، ولكنْ بأصولٍ عربيةٍ عريقة. كانَ اسمهُ "أحمد". لم يكنْ مجردَ رجلٍ عادي. كانَ ذا روحٍ مرهفةٍ، ولسانٍ ساحرٍ، ووقارٍ يجللُ خطواتهِ. التقتْ بهِ فاطمةُ في لقاءٍ عائليٍّ تقليديٍّ، حيثُ تتباركُ العائلاتُ بالتعارفِ على أملِ تحقيقِ زواجٍ مبارك. لم يكنْ اللقاءُ مجردَ تبادلِ كلماتٍ روتينية، بلْ كانَ بمثابةِ شرارةٍ أشعلتْ في قلبِ فاطمةَ بركاناً منْ المشاعرِ دفينة.

كانَ أحمدُ قدْ أتى في مهمةٍ تجارية، ولكنْ عينيهِ التي تبحثُ عنْ الصفقةِ النجاح، وجدتا ما هوَ أثمن. وجدتا روحاً تشبهُ روحَهُ، قلبٌ ينبضُ بنفسِ الإيقاعِ الروحيّ. تبادلا الأحاديثَ في لقاءاتٍ كانتْ معدودةً، ولكنها كانتْ كافيةً لتتركَ بصمةً لا تُمحى. أحاديثُ عنْ الكتبِ التي قرآ، عنْ الأماكنِ التي حلما بزيارتها، عنْ القيمِ التي يؤمنانِ بها. اكتشفتْ فاطمةُ في أحمدَ مرآةً لروحِها، وبشراً يألفُ ما تألفُ.

كانَ أحمدُ قدْ غادرَ قبلَ أيامٍ، تاركاً خلفهُ فراغاً كبيراً. لم تكنْ الرحيلُ سهلاً عليهِ ولا عليها. وعدا بعضهما بالبقاءِ على تواصل، ولكنْ كيفَ؟ في زمنٍ مضى، كانتْ القصائدُ والرسائلُ هيَ الوسيلة، أما اليوم، فالتكنولوجيا الحديثةُ قدْ أتاحتْ سبلَ التواصلِ أسرع، ولكنها ربما أفرغتْ المشاعرَ منْ عمقها.

فجأةً، سمعتْ فاطمةُ صوتَ إيقاعٍ موسيقيٍّ خفيضٍ قادمٍ منْ جهازِ هاتفِها القديم. نهضتْ بسرعةٍ، يداها ترتجفان. أمسكتِ الهاتفَ، ورأتْ اسمَ "أحمد" يزينُ الشاشة. قلبُها قفزَ إلى حنجرتِها. هذهِ ليستْ مجردَ مكالمة، بلْ هيَ نافذتها الوحيدةُ إلى عالمِ أحمدَ في هذهِ اللحظة.

"ألو؟" خرجَ صوتُها هامساً، بالكادِ مسموعاً.

"فاطمة؟" جاءَ صوتُ أحمدَ، فيهِ دفءٌ وحنينٌ، يشبهُ دفءَ الشمسِ بعدَ شتاءٍ طويل. "هلْ أزعجتكِ؟"

"لا، أبداً،" أجابتْ بسرعة، تحاولُ أنْ تسيطرَ على نبرةِ صوتِها. "أنا سعيدةٌ بسماعِ صوتكَ."

"وسعادتي أكبرُ بسماعِ صوتكِ. أردتُ أنْ أتصلَ بكِ لأطمئنَ عليكِ. هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرام؟"

"الحمدُ لله. كلُّ شيءٍ بخير. وأنتَ؟ كيفَ كانَ سفركَ؟"

"طويلٌ ومُتعب، ولكنَّ الأفكارَ كانتْ تسبحُ بي إليكِ. لقدْ وصلتُ قبلَ ساعةٍ تقريباً. ولمْ أستطعْ الانتظارَ لأحدثكِ."

شعرتْ فاطمةُ ببسمةٍ ترتسمُ على وجهِها. لقدْ اشتاقَ إليها أيضاً. "شكراً لكَ على اهتمامكَ."

"الاهتمامُ واجبٌ،" قالَ أحمدُ، وصوتُهُ يحملُ معنىً أعمقَ منَ الكلمات. "لقدْ تركتِ في نفسي أثراً لا يمكنُ نسيانُهُ."

"وأنتَ كذلكَ، يا أحمد. لمْ ألتقِ في حياتي بمنْ يشاركني الكثيرَ منَ الأشياءِ بنفسِ العمق."

سادَ صمتٌ قصير، ولكنَّهُ لمْ يكنْ صمتاً بارداً، بلْ كانَ صمتاً مليئاً بالكلماتِ غيرِ المنطوقة، بالمشاعرِ المتبادلة.

"فاطمة،" بدأَ أحمدُ مرةً أخرى، هذهِ المرةَ كانَ صوتُهُ أكثرَ جدية. "كنتُ أفكرُ كثيراً منذُ لقائنا. وأدركتُ شيئاً مهماً."

"ما هوَ؟" سألتْ فاطمةُ، وقلبُها يضربُ بقوةٍ أكبر.

"أدركتُ أنَّ قلبي قدْ مالَ إليكِ. وأنَّ المستقبلَ الذي أصبو إليهِ، لا يمكنُ أنْ يكونَ كاملاً بدونكِ."

بلعَتْ فاطمةُ ريقَها. هذهِ اللحظةُ كانتْ كافيةً لتنسيها كلَّ متاعبِ انتظارها. "يا أحمد..."

"هلْ تسمحينَ لي، يا فاطمة، بأنْ أحصلَ على فرصةٍ لأثبتَ لكِ أنَّ ما أشعرُ بهِ هوَ حقٌ وأمانة؟ هلْ تسمحينَ لي بأنْ أتقدمَ لخطبتكِ رسمياً، بعدَ أنْ أنتهيَ منْ ترتيبِ أموري هنا، وأنْ تكونَ زيارتي القادمةُ لهذهِ المدينةِ، زيارةً تحملُ وعداً ببناءِ بيتٍ مبارك؟"

ارتعشتْ يدا فاطمةُ وهيَ تمسكُ الهاتف. كانتْ الكلماتُ تتدفقُ منْ أحمدَ كالنهرِ الجاري، ولكنها كانتْ كلماتٍ تحملُ ثقلَ العمرِ كله. نظرتْ إلى السماءِ المضاءةِ بالنجوم. كأنها تطلبُ منها البركة.

"يا أحمد،" قالتْ أخيراً، صوتُها يرتجفُ قليلاً منَ الانفعال. "كلماتكَ هذهِ جعلتْ قلبي يفيضُ بالسرور. إنَّ هذا ما كنتُ أحلمُ بهِ أيضاً."

"الحمدُ لله. الحمدُ للهِ كثيراً. وهذا يعني؟" سألَ أحمدُ، وفيهِ أملٌ يرقصُ في صوتِهِ.

"وهذا يعني، يا أحمد، أنَّ قلبي معك. وأنَّني أقبلُ دعوتكَ هذهِ بكلِّ سرور."

انفجرَ أحمدُ بضحكةٍ صادقةٍ، فيها فرحٌ عارم. "شكراً لكِ يا فاطمة. شكراً لكِ منْ أعماقِ قلبي. سأرتبُ كلَّ شيءٍ بأسرعِ وقتٍ ممكن. سأكونُ عندَ والدكِ قريباً جداً، بمشيئةِ الله."

"وأنا سأكونُ في انتظاركَ، يا أحمد. بقلبٍ يفيضُ بالشوقِ والأمل."

أنهيا المكالمة، تاركينَ وراءهما سيمفونيةً منَ المشاعرِ تعزفُ على أوتارِ الروح. عادتْ فاطمةُ إلى الشرفة، ولكنَّها لمْ تعدْ تلكَ الفتاةَ التي كانتْ تنتظرُ بقلبٍ مرتجف. لقدْ تحولتْ إلى امرأةٍ يملأُ قلبَها اليقينُ والأمل. نظرتْ إلى النجومِ مرةً أخرى، ولكنَّها هذهِ المرةَ كانتْ ترى فيها انعكاسَ مستقبِلٍ واعدٍ، مستقبلٍ كتبَ حروفَهُ بحبرِ الحبِّ الحلال، وبنسماتٍ منْ زمنٍ غابرٍ يعودُ ليُزهرَ منْ جديد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%