الفصل 14 / 25

حب الأبرار

همسات الماضي وضوء الأمل

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمات المساء تداعب أوراق شجر الياسمين في حديقة منزل الجدة لطيفة، تنثر عطرها الفواح في الأرجاء، محمّلةً بأسرار وحنين. جلست سارة على مقعد حجري قديم، تتأمل انعكاس القمر على سطح نافورة الماء الصغيرة، وقد تملّكها شعور متناقض بالسكينة والحيرة. منذ لقائها بـ "خالد" في معرض الكتاب، لم تكفّ الأفكار تتزاحم في رأسها، كأسراب حمام تائهة تبحث عن عشها. كانت ابتسامته الهادئة، وعمق نظراته التي بدت كأنها تقرأ ما في روحها، وكلماته الرصينة التي تحمل بصمات ثقافة غنية، كلها تركت أثراً عميقاً في قلبها.

لكن، هل كان هذا الأثر مجرد إعجاب عابر، أم بداية لشيء أعمق، شيء يتجاوز حدود الصداقة التي كانت تظن أنها تعرفها؟ كانت تخشى أن تسلّم قياد مشاعرها دون وعي، خاصة وأن خالد كان ابن عم زوجة أخيها، وهذا يضع الأمور في سياق عائلي يتطلب حذراً أكبر.

تدخلت الجدة لطيفة بوعاء فيه تمر معجون بالقرفة، جلست بجانبها وهمست بصوتها الدافئ: "ماذا يشغل بالك يا ابنتي؟ وجهك كأن فيه غيمة عابرة."

ابتسمت سارة ابتسامة خفيفة، وأخذت تمرة. "لا شيء يا جدتي، مجرد تفكير في أمور الحياة."

"أمور الحياة تحمل أحياناً ضيفاً عزيزاً باسم الحب،" قالت الجدة وهي ترمق سارة بنظرة تحمل حكمة السنين. "وأنا أرى في عينيك بريقاً لم أعهده من قبل. بريق يشبه بريق النجوم عندما تخبرنا بقصص جميلة."

احمرّ وجه سارة قليلاً. "الجدة، لقد التقيت بابن عم سهام، خالد."

ارتسمت على وجه الجدة ابتسامة أوسع، ورغم أن عينيها كانتا تغمضان جزئياً، إلا أن سارة شعرت أنهما تلمعان بضوء مفاجئ. "خالد؟ نعم، أعرفه. شاب طيب، ذو خلق رفيع، وحافظ لكتاب الله. سمعته طيبة في مجتمعه. كان والده زميلي في الدراسة الجامعية، رحمه الله. رجل تقي وصالح."

تنهدت سارة بارتياح. "إنه حقاً كذلك. كان لقاؤنا صدفة، وتحدثنا عن الكتب، وعن الشعر، وعن أحلامنا."

"والأحلام يا سارة، هي أولى بذور الحب،" قالت الجدة، ثم أضافت بصوت فيه شيء من الأسى: "لكن تذكري أن أي علاقة في ديننا لها أصولها وضوابطها. الحب الحلال كالنبتة الطيبة، تسقى بالصدق والاحترام، وتنمو تحت ظل شرع الله، وتزهر بالزواج المبارك. لا تدعي العواطف تجرفك بعيداً عن هذا الطريق."

"أنا أعلم يا جدتي،" أجابت سارة بجدية، "لكن القلب أحياناً يخفق قبل أن يعي العقل. لقد شعرت بشيء مختلف معه، شيء فيه سكينة وطمأنينة."

"السكينة والطمأنينة هما هدية السماء لمن يتبع الحق،" ردت الجدة، "والقلب الصادق هو مرآة الروح. ولكن، لا يغرك المظهر وحده، فالحقيقة تكمن في الجوهر. هل تحدثتما عن المستقبل؟ عن نواياكما؟"

ترددت سارة. لم يتجاوز حديثهما حدود الإعجاب المتبادل، ولم يتطرق أي منهما إلى الخطوة التالية. كان ذلك هو مربط الفرس الذي يعقد قلبها. "لم نتحدث عن ذلك بوضوح. كان حديثنا أشبه بمحادثات سطحية، لكنها ممتعة."

"يا بنيتي، الخطوبة هي الجسر الذي يصل بين القلوب، وهي مرحلة استكشاف وتوافق، لا مجرد ترف عاطفي. يجب أن تعرف كل طرف الآخر حق المعرفة، ليس بالمظاهر، بل بالجوهر، بالقيم، بالأخلاق، وبالنوايا. هل رأيت فيه ما يجعلك تطمئنين على مستقبلك؟ هل وجدت فيه الرشد والتوازن؟"

"أشعر بذلك،" قالت سارة بصدق، "لكنني أحتاج وقتاً للتأكد. الأمر جديد جداً."

"خذي وقتك، ولكن لا تتأخري عن اتخاذ القرار الصائب. الشيطان يزين للقلب ما يغويه، وقد يجعلك تظنين أن ما هو مؤجل أحسن من الممكن. تذكري كلام الله: 'ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا'. الحب الحلال هو الحب الذي يبارك الله فيه، وهو يبدأ بالأساس الصحيح."

في هذه الأثناء، كان خالد في شقته، يتصفح مجموعة من كتب الأدب العربي القديم. كان يشعر بشيء غريب يجتاذ روحه منذ لقائه بسارة. لم تكن مجرد فتاة جميلة، بل كانت روحاً نقية، تتحدث بعمق عن شغفها بالمعرفة، عن حبها للقراءة، عن نظرتها المتفائلة للحياة. كانت تلهمه بطريقة لم يعهدها.

لكن، كان هناك ظل يلوح في الأفق، ظل من الماضي، ظل يتعلق بـ "ليلى". ليلى، زميلته في العمل، كانت قد بدأت مؤخراً في إظهار اهتمام مبالغ فيه به. كانت دائماً تبحث عن فرصة للتحدث معه، تبتسم له ابتسامات فيها شيء من التحدي، وتشارك منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي بتعليقات تحمل معاني مزدوجة. كان خالد يتجنبها قدر الإمكان، لكنه يعلم أن أي علاقة بينهما، حتى لو كانت ودية، قد تُفهم بشكل خاطئ.

اتصل به صديقه المقرب، "أحمد". "كيف الحال يا خالد؟ هل ما زلت غارقاً في عالم الكتب؟"

"أهلاً أحمد. نعم، كالعادة. كيف أنت؟"

"أنا بخير، لكنني أرى أن هناك شيئاً يشغل بالك. هل يتعلق الأمر بـ 'معرض الكتاب'؟ سمعت أنك التقيت بشخص هناك."

تنهد خالد. "نعم، التقيت بـ 'سارة'. فتاة رائعة."

"سارة؟ ابنة عم سهام، زوجة علي؟"

"بالضبط."

"هذا جيد. سهام وفاطمة (والدة سارة) من عائلة طيبة. لكن، كن حذراً يا خالد. تذكر أن والدتك تتمنى لك زوجة من عائلة 'القاسم'. هي تريد لك 'ليلى'."

زمجر خالد. "أعلم يا أحمد. ولكن أمي لا تعرف ليلى جيداً. إنها مجرد زميلة عمل، ولا أعرف ما الذي يدور في رأسها."

"لكن والدتك ترى في ليلى ابنة رجل الأعمال الثري، وتظن أن ذلك سيعزز مكانتنا. أنت تعلم أن أمك تحب المظاهر."

"أعلم، وهذا ما يزعجني. أنا أبحث عن شريكة حياة، لا عن مجرد اسم ومال. سارة... أشعر بارتياح كبير عند الحديث معها. إنها تتحدث بلغة الروح، بلغة القيم. هذا ما أحتاجه."

"ولكن، كيف ستتعامل مع والدتك؟ وهي متمسكة بليلى؟"

"هذا هو التحدي،" قال خالد بجدية. "يجب أن أتحدث مع أمي بصدق. وأن أريها أن اختياري مبني على ما هو أعمق من المظاهر. الأهم من ذلك، يجب أن أتصرف بحذر مع سارة. لا أريد أن أعطيها أملاً زائفاً، ولا أريد أن أوقعها في حيرة."

"ربما عليك أن تخبرها بشعورك، ولكن بطريقة رسمية، إذا شعرت أن الأمر جدّي. اطلب يدها بشكل مباشر، ربما من والدتها أو ولي أمرها، بعد أن تتأكد من مشاعرك ومن مشاعرها. هذا هو الطريق السليم. لا تترك الأمور معلقة، فقد يتسلل الشيطان ويشوه النوايا."

"أفكر في ذلك. لكنني ما زلت في بداية الطريق. أحتاج للمزيد من الوقت."

"وقت قليل، يا صديقي. الوقت كالسيف. تذكر قصة يوسف عليه السلام. عندما أحب، أعلن حبه بشكل واضح، وطلب يد من أحب. لا تخف من الحق. الحق يحميك."

نهض خالد ووقف أمام النافذة، ينظر إلى سماء الليل المرصعة بالنجوم. كان يعلم أن الطريق أمامه ليس سهلاً. هناك اعتراضات متوقعة من عائلته، وهناك أشباح الماضي التي قد تحاول التشويش على صفاء مستقبله. لكنه شعر بقلب جديد ينبض فيه، قلب ينمو فيه الأمل، مدفوعاً بروح سارة النقية، وبرغبة صادقة في بناء حياة مباركة.

كان يعلم أنه على أعتاب مرحلة حاسمة. مرحلة تتطلب منه الشجاعة، والحكمة، والإيمان. هل سيستطيع أن يتجاوز العقبات، ويوحد قلبه مع قلب سارة في إطار شرع الله؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة، والأهم، ما ستكشفه الأقدار.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%