حب الأبرار
همسات الشك ورياح التغيير
بقلم ليلى الأحمد
ارتعدت يدا ليلى وهي تمسك بكوب الشاي الساخن، ليس من البرد، بل من وخزٍ خفيٍّ بدأ يتسلل إلى قلبها. كانت تجلس في شرفة منزل جدتها التي تطل على بساتين النخيل الشاسعة، يغمرها هدوءٌ لطالما بحثت عنه، لكن هذا الهدوء لم يعد يمنحها السكينة التي اعتادتها. منذ زيارة السيد عبد الرحمن لمنزلهم، وبعد محادثته الحازمة مع والدها، بدأت تتسلل إلى عالمها الداخلي أصواتٌ غريبة، أصواتٌ تحمل نبرة الشك والريبة.
تذكرت كلمات والدها بعد لقاء السيد عبد الرحمن، حين قال بلهجةٍ تجمع بين الإرهاق والانزعاج: "يا ليلى، يبدو أن الأمور تتعقد أكثر مما ظننت. الحاج عبد الرحمن رجلٌ ذو نفوذٍ كبير، وكلمته قد تغير مجرى الأمور. يجب علينا الحذر." لم تفهم ليلى حينها بالضبط ما يقصده والدها، لكنها شعرت بثقلٍ غريبٍ يلقي بظلاله على مستقبلها، وعلى ذلك الحلم الذي بدأ يتشكل ببطءٍ في قلبها مع فجرٍ جديد.
والآن، بعد مرور أسبوعٍ على تلك الزيارة، بدأت الغموض يتكشف تدريجياً، بطريقةٍ لم تكن مستعدةً لها. لقد أخبرها عمها، الحاج أحمد، عن عرضٍ زواجٍ آخر تقدم به رجلٌ من عائلةٍ مرموقةٍ في المدينة، رجلٌ لم تسمع عنه من قبل، لكن والدها بدا مهتماً به بشكلٍ لافت. كانت علامات الاهتمام هذه، وهذا الإقبال المفاجئ على هذا العرض، تدفع بليلى إلى استشعار خطرٍ يلوح في الأفق.
"ما الذي يحدث بالضبط؟" تساءلت بصوتٍ خافتٍ في الفراغ. "لماذا تبدو الأمور وكأنها تتغير بسرعةٍ خارقة؟ وهل لهذا العرض الجديد علاقةٌ بما قاله السيد عبد الرحمن لوالدي؟"
كانت تراقب أوراق الشجر المتمايلة مع نسمة الهواء العليل، تحاول استجماع شتات أفكارها. لم يكن السيد عبد الرحمن مجرد رجلٍ عاديٍّ يتقدم لخطبتها، بل كان رمزاً لمبادئ وقيمٍ ساميةٍ كانت تراها في أبيها، وفي أخيها الكبير، وفي جديها. لقد رأته في ذلك اللقاء الأول، ذلك الوقار، وذلك الاحترام، وذلك الضوء الذي يحيط بمن صدق وعده، ومن يحمل في قلبه خشية الله.
لكن قلقها لم يكن يتوقف عند هذا الحد. كان هناك أيضاً شعورٌ بالظلم يراودها، شعورٌ بأن هناك من يحاول أن يفرض عليها مساراً لا تريده. كيف يمكن لوالدها، الذي لطالما دعم أحلامها وطموحاتها، أن يبدو الآن ميالاً نحو هذا الزواج المفاجئ، دون أن يتحدث معها بصراحة؟
تسللت الدموع إلى عينيها، لم تكن دموع حزنٍ بقدر ما كانت دموع حيرةٍ وارتباك. لقد آمنت بأن القدر يمهد لها طريقاً مباركاً، طريقاً رسمته يدٌ لطيفةٌ، ولكن يبدو أن هذه اليد قد تكون مشغولةً الآن بقوى أخرى، بقوى ربما لا تتفق مع ما كانت تتمناه.
جاءت جدتها، الحاجة فاطمة، حاملةً معها طبقاً من التمر الشهي، وابتسامةٌ دافئةٌ تضيء وجهها. جلست بجانب ليلى، ووضعت يدها الحانية على كتفها.
"ما بالك يا ابنتي؟ تبدين مهمومةً."
تنفست ليلى بعمق، محاولةً أن تتماسك. "لا شيء يا جدتي، مجرد بعض الأفكار."
"الأفكار ثقيلةٌ أحياناً، وخاصةً حين تتراكم." قالت الحاجة فاطمة بحكمةٍ. "لكن تذكري يا ليلى، أن الله مع الصابرين. وأن كل محنةٍ هي درسٌ، وكل ابتلاءٍ هو امتحانٌ للإيمان."
نظرت ليلى إلى جدتها، تلك المرأة التي عاشت معها أجمل لحظات حياتها، وشهدت فيها الكثير من التجارب. "أعلم يا جدتي. لكنني أشعر أن هناك شيئاً يحدث، شيئاً لا أفهمه."
"الحياة يا ابنتي بحرٌ متلاطم الأمواج." قالت الحاجة فاطمة. "وأحياناً تأتي الأمواج بقوةٍ لم نكن نتوقعها. المهم هو أن نثبت على قاربنا، وأن نتمسك بحبال الإيمان والتوكل. هل سألتِ والدكِ عن سبب هذه التغيرات؟"
ترددت ليلى. "لم أجرؤ يا جدتي. يبدو مشغولاً جداً، ويبدو أن هناك أموراً لا يريد إثقال كاهلي بها."
"هذا ليس ضعفاً يا ابنتي، بل هو رغبته في حمايتكِ." قالت الحاجة فاطمة. "لكن أحياناً، يكون الصمت أشد وطأةً من الكلام. ربما حان الوقت لتتحدثي معه بصراحةٍ، لتعرفي ما يدور في خلده، ولتعبري عن مشاعركِ. قلبكِ غالٍ عليه، ولن يرضى لكِ إلا ما فيه الخير."
هذه الكلمات أضاءت شمعةً خافتةً في دهاليز قلق ليلى. ربما كان على حق. ربما كان عليها أن تواجه مخاوفها، وأن تطلب الحقيقة. كانت تعرف أن والدها يحبها، وأنه لن يتخذ قراراً يضر بها دون مبررٍ قوي. لكن ما هو هذا المبرر؟
في المساء، حين اجتمع أفراد العائلة على مائدة العشاء، وجدت ليلى الفرصة المناسبة. نظرت إلى والدها، وشعرت بارتفاعٍ في دقات قلبها.
"أبي." قالت بصوتٍ هادئٍ ولكن حازم. "أتحدث إليك في أمرٍ يشغل بالي."
التفت إليها والدها، وأظهرت عينيه اهتماماً. "تفضلي يا ابنتي."
"علمتُ بعرض الزواج الجديد الذي تقدم به السيد... لا أذكر اسمه." قالت وهي تحاول استجماع شجاعتها. "وبدا لي أنك مهتمٌ به. هل يمكن أن أعرف المزيد؟ وماذا عن عرض السيد عبد الرحمن؟"
صمت والدها للحظةٍ، ونظر إلى والدتها التي كانت تتابع الموقف بعينين تعبران عن مزيجٍ من القلق والترقب. ثم نظر مجدداً إلى ليلى.
"يا ابنتي، الأمور ليست بهذه البساطة. عرض السيد عبد الرحمن كان طيباً، ونحن نقدر كثيراً سعيه. لكن هناك بعض التحديات التي ظهرت، تحدياتٌ قد تجعل هذا الزواج صعباً في هذه المرحلة."
"تحديات؟" كررت ليلى، وشعرت بتصاعدٍ في التوتر. "ما هي هذه التحديات؟"
"مسائلٌ تتعلق بالوضع المالي، وعقودٍ تجاريةٍ معقدةٍ، ونحن في مرحلةٍ حساسةٍ جداً من أعمالنا. الحاج عبد الرحمن رجلٌ شريفٌ، ولكنه أيضاً رجلٌ مصالح. وربما لم يكن الوقت مناسباً لتداخل المصالح بهذه الصورة." قال والدها وهو يحاول أن يبدو هادئاً، لكن كلماته كانت تحمل وراءها ثقلاً لم تعهده.
"ولكن أبي، أنا لم أسأل عن المصالح. أنا سألت عن رجلٍ أتمنى أن يكون زوجي، رجلٌ رأيت فيه الخير والبر. هل المصالح التجارية أهم من سعادتي؟"
كان هذا السؤال قاسياً، ولكنه كان صادقاً. رأى والدها انكساراً في عينيها، فاستمر في الحديث بلهجةٍ أكثر ليناً.
"يا ابنتي، أنا لا أفكر إلا بسعادتكِ. وهذا العرض الجديد، لعائلة السيد خالد، هو فرصةٌ رائعةٌ. هو رجلٌ أعمالٍ ناجح، ومحافظٌ، وعائلته كريمةٌ جداً. زواجه منكِ سيكون أمراً يحفظ لنا سمعتنا، ويعزز مكانتنا. كما أنه رجلٌ يملك من الثروة ما يضمن لكِ حياةً كريمةً ومستقرةً، بعيداً عن أي تقلباتٍ ماليةٍ قد نواجهها."
شعرت ليلى بصدمةٍ كهربائيةٍ تسري في عروقها. "هل هذا ما تريده يا أبي؟ هل تريد أن تبيعني بعروضٍ ماليةٍ ومصالح؟ هل هذا هو الحب الحلال الذي تحدثت عنه دائماً؟"
نظرت والدتها إليها بعينين دامعتين. "ليلى، لا تقولي هذا. والدكِ يفعل كل شيءٍ من أجلكِ."
"ولكن الثمن يا أمي؟ الثمن غالٍ جداً." قالت ليلى وهي تشعر بأن قوام عالمها ينهار.
"يا ابنتي." قال والدها بصوتٍ عميقٍ. "الحياة ليست مجرد أحلامٍ وردية. هناك واقعٌ يتطلب منا اتخاذ قراراتٍ صعبة. وعرض السيد خالد هو قرارٌ يعود بالنفع علينا جميعاً، وبالدرجة الأولى عليكِ."
"نفعٌ لمن يا أبي؟ نفعٌ مادي؟ أم نفعٌ اجتماعي؟ وهل تضمن لي هذه الحياة الكريمة أن تجلب لي السعادة؟ هل رأيت السيد خالد؟ هل تحدثت معه؟ هل أنت متأكدٌ أنه رجلٌ يخشى الله، كما رأيت في السيد عبد الرحمن؟"
ساد صمتٌ ثقيلٌ على المائدة. لم يكن لدى والدها إجابةٌ شافيةٌ. كان يدرك أن كلماته قد جرحت ابنته، ولكنه كان يرى أيضاً أن الظروف قد فرضت عليه هذا المسار.
"يا ليلى، أنا أثق بتقديري للأمور." قال والدها بصوتٍ فيه شيءٌ من الإرهاق. "وهذه مسألةٌ حسمتها. سيتم عقد قرانكِ على السيد خالد خلال الأشهر القادمة. وهذا أمرٌ سيتم."
كانت هذه الكلمات بمثابة حكمٍ بالإعدام على آمال ليلى. شعرت بأن العالم كله قد ضاق بها. لم تعد تفهم شيئاً. لماذا تبدو الأمور بهذه السوء؟ ولماذا أصبح ما بدا حلماً، كابوساً؟
نظرت إلى والدها، تلك النظرة التي لطالما امتزجت بالحب والاحترام، أصبحت الآن تحمل شيئاً من الأسى وخيبة الأمل. لم يكن لديها ما تقوله. شعرت بأن كل الكلمات قد نفدت، وأن كل المحاولات قد باءت بالفشل.
نظرت إلى والدتها، ورأت في عينيها ألف سؤالٍ وسؤال، وألف اعتذارٍ لم يُنطق. نهضت من المائدة بصمتٍ، تحمل في قلبها ثقلاً لا يُطاق، وفي عقلها عاصفةً من الأفكار المتضاربة. لقد بدأت رياح التغيير تهب، بقوةٍ لم تستطع ليلى أن تقف أمامها. ولكنها كانت تعلم، في قرارة نفسها، أن هذا ليس نهاية القصة، وأن هناك دروباً أخرى قد تكون مخبأةً خلف هذا الظلام.